هل تتهدّد الحربُ الأهليّة لبنان

هل تتهدّد الحربُ الأهليّة لبنان

06-11-2024 08:08 AM

«الحرب الأهليّة في لبنان»... تعبير بات يتكرّر على ألسنة سياسيّين وإعلاميّين لبنانيّين، ويحذّر منه ديبلوماسيّون عرب وأجانب. والعنوان الكبير والخطير هذا لا يحتمل الاستخفاف به، وإن كان أيضاً لا يستدعي التضخيم وتحويله سبباً للتهويل.

فمن جهة، لا يخلو الأمر من عناصر قليلة تبعث على شيء من الاطمئنان، إذ ليس هناك اليوم طرف لبنانيّ يحمل السلاح إلى جانب الإسرائيليّين، وليس هناك مشروع سياسيّ إسرائيليّ للبنان، على ما كانته الحال في 1982 مثلاً. كذلك ما من طرف خارجيّ يحرّض على حرب أهليّة أو يموّلها. ذاك أنّ أخصّائيّي هذه المهمّة ليسوا جاهزين لها الآن: سوريّا الأسديّة مشغولة بمداراة أحوالها العجيبة، والعراق الصدّاميّ وليبيا القذّافيّة صارا من الماضي الميّت. أمّا إيران الخمينيّة فطريق صادراتها الحربيّة إلى لبنان باتت مقطوعة أو، في الحدّ الأدنى، مُراقَبة ومُعاقة.

ويُفترض أن لا يكون في لبنان، بعد الكارثة الحاليّة والمتمادية، مَن هو قادر على خوض حرب أهليّة أو راغب فيها. فإلى العُزّل من خصوم «حزب الله» هناك المُنهَكون من محازبيه، والكلّ، ولو بتفاوت، يستولي عليهم الألم والحزن والإنهاك.

مع هذا، ومن جهة أخرى، يبقى التحفّظ واجباً إذ قد يبدّد الواقعُ الذي لم تنجلِ بعدُ صورته الكاملة التوقّعاتِ المسبقة، وهذا فيما احتمال تطاول حرب إسرائيل و»حزب الله»، ولو اختلفت أشكالها، أكبر من احتمال إنهائها السريع، على ما يبدو. وفي الحالات جميعاً، ينبغي عدم التقليل ممّا قد تسفر عنه اتّجاهات قويّة غير مشجّعة، والمؤسف أنّها قابلة للتنامي.

فبغضّ النظر عن التضامن مع النازحين، بوجهيه الحقيقيّ والفولكلوريّ، هناك بين الطوائف اللبنانيّة، بقواها السياسيّة والحزبيّة ومن دونها، علاقات متوتّرة ودم سيّئ يصبغ الماضي، وهناك حاضر تتنافس فيه نظريّتان للبنان تختلف واحدتهما جذريّاً عن الأخرى. وثمّة محطّات داهمة قابلة أن تتحوّل، في المناخ المتأزّم الراهن، محطّاتِ تفجير، كمثل سؤال الأولويّة بين انتخاب رئيس جديد للجمهوريّة ووقف إطلاق النار...

ومسألة النزوح والتهجير، وهي هائلة الحجم بكلّ المعاني، تملك طاقة تفجيريّة هائلة أيضاً، خصوصاً في ظلّ ضآلة الموارد وميلها إلى مزيد من التضاؤل، وانكماش قدرة الدولة كصاحبة دور اقتصاديّ وماليّ، وهذا فضلاً عن إمكانات التلاعب الإسرائيليّ بالمخاوف الأمنيّة، وعن قدرة الإسرائيليّين، من خلال الغارات الحربيّة وأفعال العدوان الوحشيّة الأخرى على عموم الطائفة الشيعيّة ومناطقها، على شحذ الحذر المتبادل بين السكّان وتنشيطه.

وهناك السؤال الكبير الذي ينطوي، هو الآخر، على طاقة خرابيّة لا يُستهان بها: هل يقبل «حزب الله» التحوّل إلى حزب سياسيّ منزوع السلاح مثله مثل أيّ حزب سياسيّ آخر؟ وفي ظلّ الميل المرجّح إلى الرفض، لا يُستبعد عن بعض خصومه، بشيء من الخفّة وشيء من الثأريّة، مدّ خصومتهم له لتشمل الطائفة الشيعيّة، ومن ثم انضواء البُعد السياسيّ للصراع في بُعد طائفيّ ساحق وشامل. وهنا تستدعي الأمانة القول إنّ ما تبقّى من تعابير التفاف حول «الحزب» إنّما ترتدّ سلباً على الملتفّين وعلى عموم العلاقات الأهليّة بين الطوائف.

ولسوف تكون كلُّ إطالة زمنيّة للحرب، وكلُّ إنكار للوقائع الجديدة، تقصيراً لطريق الاحتراب وتأزيماً إضافيّاً للتواصل المأزوم أصلاً بين اللبنانيّين، لا سيّما مع تمسّك الناطقين بلسان «حزب الله»، والدائرين في فلكه، بلغة متعجرفة من التهديد والوعيد والتخوين حيال مَن لا يرون رأيهم. وهذا فضلاً عن إشارات تكاثرت مؤخّراً، وبدأت تشي بالميل إلى تشويه صورة الجيش وأيّ دور قد يلعبه في تفادي انفجار النزاع الأهليّ، وهو الطرف الوحيد المؤهّل لذلك.

فوق هذا، هناك حالات ثلاث لزجة تتقاطع عند ترك الأمور في محطّة من الفراغ السياسيّ، يجتمع فيها التعفّن إلى الاحتمال الانفجاريّ:

- انتهازيّة السياسة الإسرائيليّة وسينيكيّتها حيال «اليوم التالي» في لبنان، كما في قطاع غزّة،

- وجبن السياسيّين القيّمين على أمور لبنان ممّن يستبدّ بهم، ولو أنكروا، شعور عميق بضعف شرعيّتهم يعطّل مبادرتهم المستقلّة عن «حزب الله»،

- وعجز المداخلات الديبلوماسيّة الخارجيّة تبعاً لمدى الممالأة لإسرائيل وانتهاكاتها ولانعدام الثقة بظهور تجاوب لبنانيّ حاسم وفعّال معها.

وهذا جميعاً إنّما يحيط به مناخ أعرض وأدعى للقلق يضجّ بتحوّلات كبرى مرشّحة، كما التحوّلات الكبرى دائماً، لأن تحرّض على العنف وتنشّط الاستعدادات الحربيّة:

من جهة، سوف يطرأ تغيير ضخم على توازنات الطوائف وعلاقاتها البينيّة، بعد الإضعاف المتعدّد المستويات الذي أنزلته الحرب بالطائفة الشيعيّة،

ومن جهة أخرى، سوف يتضاعف، مع الحرب الراهنة، تراجع الثقة بمبدأ العيش المشترك بين اللبنانيّين، وهو ما بدأت تعابيره قبل الحرب بالظهور والتكاثر.

وهناك، أخيراً، ما تُنذرنا به التجارب الكثيرة في ماضي لبنان الحديث، وهو أنّ كلّ اندراج عنفيّ ومباشر في حروب ذات أسباب عابرة للحدود الوطنيّة، أسُمّيت قوميّة أو دينيّة أو أيّة تسمية أخرى، ينتهي بنا اندراجاً في حرب أهليّة مدمّرة يكون فيها واحدنا هو عدوّ الآخر.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

عرض مسرحي في الفحيص بعنوان "القناطر"

الطقس: موجة دافئة مؤقتة تسبق مؤشرات اندفاع "المرتفع السيبيري" المبكر

أنشطة وبرامج توعوية وتدريبية في عدد من المحافظات

جاهزية ستاد الحسن تحت المتابعة الحكومية في إربد

المفرق: إنقاذ شخص سقط من مقطع صخري بعمق 40 مترا وحالته حرجة

طهران تتلقى رسالة من نائب الرئيس الأميركي وتؤكد استمرار إغلاق هرمز

سوء الحظ يطارد هاري كين ودورتموند يفرض التعادل

الأردن يشارك في اجتماعات الأكاديمية العربية للنقل البحري بالقاهرة

روسيا تمدد حظر تصدير الديزل حتى نهاية كانون الثاني المقبل

عمره 4.1 مليار عام .. نيزك نادر من المريخ يكشف أسرار قشرة الكوكب المبكرة

خبير أمني مصري يحذر من طموحات إثيوبيا العسكرية في البحر الأحمر

غارات وقصف إسرائيلي على جنوب لبنان

الشيخ عبدالله ذنيبات يطالب بإعدام مرتكبي جريمة الكرك أمام الناس

الحسين إربد يهزم الفيصلي بهدف نظيف في دوري المحترفين

فرنسا: توقيف أكثر من 290 شخصا واشتباكات بين الشرطة والمحتجين

مصدر طبي يكشف لـ"السوسنة" الحالة الصحية لمنفذي هجوم الكرك

الراحل المسيحي محمد قسوس .. لماذا اختار له والده هذا الاسم؟

"أعطل من نتنياهو" .. عبارة تقود طبيبا اردنيا إلى السجن 6 أشهر

الضمان الاجتماعي يعلن تسهيلات جديدة للأردنيين .. تفاصيل

السجن بحق 7 من قادة الإخوان بالأردن .. أسماء

بعد اشتعال مواقع التواصل بالخبر .. حقيقة القبض على منفذي هجوم الكرك

إنهاء خدمات موظفين حكوميين .. أسماء

بالفيديو .. لحظة مداهمة منفذي هجوم الكرك والقبض عليهم

ثأراً لشهداء الكرك .. الأردن ينفذ عملية جوية في سوريا .. التفاصيل

وفاة طفل تهز مركز أشعة في عمان .. وإغلاقه بالشمع الأحمر

القبض على طلبة مدارس جندتهم جماعات تكفيرية عبر الإنترنت

الأردن يقبض على عشرات المتورطين .. التفاصيل

إرادة ملكية بتعيين الأمير هاشم بن الحسين مستشارا للملك

تعديلات قانون التنفيذ: ضوابط جديدة لمنع سفر المدين وآليات حديثة لسداد الديون

الأمن العام يكشف كيف اتخذ منفذو جريمة الكرك قرارهم