الكافكية تخبرك عن القهر بلا داع

mainThumb

31-08-2025 12:16 AM

ماذا بعد؟ ولماذا كل هذا اللغط؟ وما الذنب الذي اقترفته؟ جميعها أسئلة قد تدور في رأس أي فرد، سواء في حالات الضيق أو حتى في أقصى مراحل السعادة وتحقيق الذَّات. والعجيب أن الرَّابط المشترك بين كل هذه الأسئلة أنها أسئلة لا يمكن الإجابة عنها بشكل مرضي أبدًا، سواء لمن يسألها أو حتى لمن يحاول الإجابة عنها؛ فالقاسم المشترك بين كل هذه الأسئلة هو محاولة فهم وجود الإنسان وخوضه لتجارب لم يخترها، تقريبًا في جميع الأحيان، وفي نهاية الأمر تنتهي به الحال بائسًا يائسًا لا يجد المتعة في أي شيء، حتى وإن كان يبدو للآخرين بأنه يرفل في النعيم؛ فمثل تلك الأحاسيس تكون غالبًا هي السرّ الدفين لأي شخص، والتي لا يستطيع أن يعبِّر عنها ولا يصرِّح بها لتداخلها العميق مع الذَّات وكذلك لاختلاطها بأفكار ومشاعر متناقضة ولا نهاية لها. وحتى انعكاس هذه الأفكار لا يكون سهلًا على الغالبية العظمى من البشر، لكن يمكن تجسيده إمَّا في صورة مرض نفسي لا يمكن الشفاء منه، أو إبداع أدبي يكتب الخلود لصاحبه، إذا استطاع أن يلمس أوتار المشكلة المؤرقة لنفسه والتي لا فرار ولا خلاص منها.
ويحاول المبدعون على مرّ العصور كتابة أسمائهم في قوائم الخالدين عند محاولاتهم لتجسيد انعكاس الإجابة على تلك الأسئلة العميقة، لكن لا يستطيع الوصول لتمثيل نابض لهذا التجسيد المؤلم إلَّا من اكتوى بنيران عقوبة أبدية لم يقترف إثمًا جسيمًا لينالها، ومن ضمن هؤلاء المبدعين الروائي الروسي العظيم «فيودور ديستويفسكي» Fyodor Destoesvsky (1821-1881) والكاتب التشيكي «فرانس كافكا» Franz Kafka (1883-1924)، ولعل السرّ الذي يكمن وراء نجاحهما المنقطع النظير ذاك هو ليس كونهما فقط من كبار المفكِّرين الفلسفيين في إنتاجهما السردي، بل أنهما خاضا تجربة القهر المفروض على الإنسان في أشد وجوهه إيلامًا، وتوافر الأدوات السردية لهما في التعبير عن ذلك الشعور وإيضاحه من زوايا مختلفة.
لقد حاول كل من «ديستويفسكي» و»فرانس كافكا» في أعمالهما الإجابة عن الأسئلة الوجودية التي لطالما أرَّقت البشر وانقضَّت كالصقر على مسار حياتهم بعد أن أغرقوا في مشكلات لم يمكنهم الخروج منها. لكن يمتاز «كافكا» في أعماله أنه يضرب مباشرة وبلا رحمة على أوتار قسوة الحياة، وفي كل عمل يستهدف سؤالًا ويحاول قدر الإمكان الإجابة عنه في إطار سردي. وبما أن جميع الأسئلة الوجودية لا إجابة لها، فإن الغالبية العظمى من أعمال «كافكا» غير مكتملة، لأنه ببساطة لم يكملها. أضف إلى ذلك، يلفَّها غموض خانق وظلامية في الشعور تجعل القارئ لا ينفك طوال حياته عن البحث عن أي إجابة لأيٍ من تلك الأسئلة. وبتلك الطريقة الصادمة يحثّ «كافكا» القارئ على تذكُّر العمل بأكمله طوال ما تبقى له من عمر على ظهر الأرض.
ومن الأعمال القليلة عند «كافكا» التي ناقشت أغلب القضايا الوجودية كانت رواية «المحاكمة» The Trial التي تم نشرها بعد نحو عشر سنوات من كتابتها (عام 1925)، بالرغم من أنها نص غير مكتمل، وإن كانت الخاتمة تمت الإشارة لها في أحد فصول الرواية.
في رواية «المحاكمة»، يوجِّه «كافكا» أصابع الاتهام ليس فقط للبيروقراطية أو النظم الشمولية التي تقهر الأفراد، كما تم تحليلها فيما سبق، بل أيضًا للحياة بوجه عام التي أصبحت جزءاً أصيلاً في ذاك القهر. ومن ثمَّ، في صبيحة إتمام السيد «جوزيف كيه»، الذي يعمل موظفًا في بنك، لعامه الثلاثين، يقرع بابه موظفون حكوميون لكي يحاكموه على تهمة لا يعلمها، ولا هم أيضًا يفصحون له عنها. والمدهش في الأمر أنه يمارس طقوس حياته بأكملها ويذهب إلى عمله، لكن يتخلل كل هذا أوقات الاستجواب والمحاكمة. والمثير للدهشة أن «جوزيف كيه» يقدِّم دفاعًا عن نفسه ينطقه بكل حرارة وحماسة وصدق، بالرغم من أنه حتى لا يعلم ما هي التهمة الموجهة له. وذلك يعطي انطباعًا، إن لم يكن دليلًا دامغًا، على أن كل هذه المحاكمة تدور في عقل بطل الرواية ودفاعاته هي محاولة يائسة للإجابة عن أسئلة وأسباب وجودية تقهره وتدفعه للهاوية دون أن يعلم السبب.
والرواية في تشابكها الذي يجعلها تدور بين الصراع النفسي الداخلي والصراع مع المؤسسات والتظم التي تقهر الإنسان في العصر الحديث هي إحدى محاولات «كافكا» ليس فقط للتعبير عن الذَّات وشعوره بالقهر الدَّاخلي، بل أيضًا وسيلة للولوج إلى باطن النفس البشرية ونزع الأقنعة التي يخفي بها الفرد صراعه الدَّاخلي ليس فقط عن أقرب المقرَّبون له، بل أيضًا عن نفسه. «كافكا» الباحث عن بواطن الذَّات يُقدِّر الكتب التي تفتح مغاليق النفس، ولهذا يردد: «إن العديد من الكتب هي بمثابة مفتاح لغرف مجهولة داخل قلعة الذات».
ومن ذلك المنطلق جاءت عظمة «فرانس كافكا» الذي حظي بالعديد من الألقاب، بدءًا من كاتب الوجودية إلى مؤلِّف ينتمي لمدرسة الحداثة، لصعوبة تصنيف ما يكتبه من سرد يرقى إلى أعظم الدروس الفلسفية، تم الاهتداء إلى تصنيف ما يكتبه على أنه «جنس أدبي فرعي»، ويكفي أن نوعيه إنتاجه الأدبي أصبحت صفة ويطلق عليها «الكافكية»، ويعد شرفًا عظيمًا لأي مبدع أن يُشار لما يكتبه بأنه ينطوي على ملامح من «الكافكية»، هذا بالرغم من أن جميع أعمال «كافكا» الصادمة لم تحظ بالتقدير طوال حياته عند نشرها، ولولا جهود صديقه «ماكس برود» Max Prod، لما عرف العالم شيئًا عن «كافكا». فلقد قام بنشر كتابات «كافكا» بعد وفاته بعد أن أعاد تنسيقها وتحريرها نظرًا لأن أغلبها غير مكتمل، مخالفةً منه لوصية صديقه الذي شدد عليه بحرق كل ما قام بتأليفه؛ لأنه يئس من محاولاته المستميته لنشر صوته وفكره ومعتقداته. وبالرغم من أن كل عمل له لم يكن مفهومًا للآخرين عند نشره، لكن «كافكا» لم يهن ولم يتنازل عمَّا يعتقد. فهو يؤمن إيمانًا عميقًا أنه يجب على أي فرد أن يقرأ فقط الكتب التي تجرحه أو تطعنه داخليًا ونفسيًا. «وإذا لم يوقظ الكتاب الذي نقرأه بضربة على الرأس، فما غرضنا من القراءة؟» فهو يعتقد أن الغرض من القراءة ليس بعث السعادة في نفس الإنسان؛ فالكتاب إذا كان كذلك، فلقد فقد الغرض الذي كُتِب من أجله، ولسوف يكون من الأفضل حتى تستمر تلك السعادة الزائفة إذا لم تكن لدينا كتب. ويؤكد ذلك قائلًا: «الكتب التي تسعدنا هي التي نستطيع كتابتها بأنفسنا لو اضطررنا لذلك. لكننا نحتاج إلى كتب تؤثر فينا ككارثة، تُحزننا بعمق، كموت من أحببناه أكثر من أنفسنا، كالنفي إلى غابات بعيدة عن الجميع، كالانتحار. يجب أن يكون الكتاب بمثابة فأس يُكسر بها البحر المتجمد في داخلنا. هذا هو اعتقادي».
وبالرغم من غرابة وقسوة اتِجاهات «كافكا» الفكرية وغرابة إنتاجه الأدبي الذي اتَّخذ من اللامعقول والصادم طريقًا له، لكن كل عمل يقدِّمه يجعل القارئ يقف عنده ليس فقط للحظات أو شهور، بل لجميع سنوات العمر القادمة؛ لأن كل عمل بمثابة درس قاس، أو كما أطلق عليه «كارثة» أو «نفي» أو «انتحار» أو حتى «فأس» تكسر جميع الأفكار والمفاهيم الجامدة داخل رأس القارئ. ويجب ملاحظة أنه لا يجب النظر إلى «كافكا» وكأنه كاتب تعوز أفكاره ولو حتى القليل من الفكاهة أو تطغى عليها الظلامية، بالإضافة إلى جميع حبكات أعماله التي لا تخرج عن كونها كابوسًا متنقِّلًا يطارد القارئ؛ فهذه هي شخصية «كافكا» وهذا هو الغرض الذي من أجله ألَّف جميع أعماله.
رواية «المحاكمة» تندرج تحت هذا التصنيف، وتبلور جميع مفاهيم «كافكا» في آن واحد. وأكبر جانب في عظمتها أنها وجودية وعبثية وحداثية ونفسية، وقبل أي شيء فلسفية المفاهيم ولا يعوزها الجانب الفكاهي، لكنه بالطبع فكاهي تراجيدي غرضه التفكير العميق في حجم الكارثة التي يجابهها الإنسان بسبب وجوده على ظهر الأرض. ومن ثمَّ، كانت رواية «المحاكمة» جديرة بأن يتم إدراجها في عام 1999 ضمن قائمة جريدة «لوموند» Le Monde الفرنسية لأفضل 100 كتاب في القرن العشرين، ووقعت في المرتبة الثانية من بين أفضل الروايات الألمانية في القرن العشرين.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد