التعلم مدى الحياة للمهنيين
التعلم والتدريب مدى الحياة للمهنيين في منتصف حياتهم المهنية: منظور اجتماعي
في كل مجتمع، غالبًا ما يُنظر إلى التعليم على أنه جزء من مراحل الحياة الأولى: الطفولة، والمدرسة، والجامعة. بعد التخرج، يُفترض أن التعلم قد انتهى وأن بقية الحياة تتمحور حول تطبيق ما تعلمناه. إلا أن واقع الحياة العصرية، يروي قصة مختلفة تمامًا. ففي عالم تتطور فيه التكنولوجيا والاتصالات وممارسات العمل بسرعة كبيرة، لم تعد فكرة التعليم النمطي كافية. بالنسبة للمهنيين في منتصف مسيرتهم المهنية، لا يُعد التعلم المستمر ترفًا، بل ضرورة للبقاء في سوق العمل والحفاظ على مكانة مرموقة في المجتمع.
لا أتحدث هنا كمراقب فحسب، بل من واقع تجربة شخصية. عندما بدأت مسيرتي المهنية قبل نحو أكثر 25 عامًا، كان العمل يُدار يدويًا بالكامل تقريبًا. كانت الأوراق تُكتب يدويًا، وكانت المكاتب تعتمد على خزائن ملفات مكدسة بالوثائق. أما أجهزة الكمبيوتر، إن وُجدت، فلم تُستخدم إلا في وظائف محدودة للغاية. في غضون بضع سنوات فقط، تغير كل شيء. كان علينا أن نتعلم كيفية استخدامها بكفاءة، ثم نتكيف بسرعة مع صعود الإنترنت، الذي غيّر طريقة الوصول إلى المعلومات وتخزينها ومشاركتها. بعد ذلك بوقت قصير، جاءت ثورة تطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي والخدمات الالكترونية، مُعيدةً تشكيل ليس فقط التواصل، بل أيضًا العلاقات المهنية والاجتماعية. والآن، نجد أنفسنا في عصر الذكاء الاصطناعي، مع أدوات تُمكّن من تحليل البيانات، وتوليد المحتوى، وحتى أداء مهام كانت تتطلب في السابق خبرة بشرية. تطلبت كل من هذه التحولات مهارات جديدة وطرق تفكير جديدة. أولئك الذين قاوموا التغيير خاطروا بالتخلف عن الركب. أما أولئك الذين تبنوا التعلم المستمر، حتى في وقت متأخر من حياتهم المهنية، فقد ظلوا ذوي صلة وقادرين على المنافسة.
من منظور اجتماعي، يتجاوز التعلم مدى الحياة مجرد اكتساب المهارات التقنية. فهو يعكس كيفية تكيف الأفراد والمجتمعات مع التغيير، وكيفية الحفاظ على كرامتنا وهدفنا مع تقدمنا في السن، وكيفية سد الفجوة بين الأجيال. في الأردن، كما هو الحال في العديد من البلدان الأخرى، غالبًا ما يواجه كبار السن وصمة الافكار المسبقة المتمثلة في كونهم "أكبر من أن يتعلموا". تشير هذه الصورة النمطية إلى أن التدريب والابتكار حكر على الشباب، بينما ينبغي على العمال في منتصف العمر أو كبار السن التمسك بما يعرفونه بالفعل حتى سن التقاعد. هذا الموقف ضار ليس فقط بالأفراد، بل بالمجتمع ككل. إنه يهدر إمكانات المهنيين ذوي الخبرة الذين يمكنهم، إذا أتيحت لهم الفرص المناسبة للتعلم المستمر، الجمع بين الحكمة والمهارات الحديثة لتقديم مساهمات قيّمة.
يُعدّ التوازن بين العمل والحياة الاجتماعية من أهمّ العوائق أمام التعلّم المستمرّ للمهنيين في منتصف مسيرتهم المهنية في المنطقة. فكثيرٌ من الأشخاص في الأربعينيات والخمسينيات من العمر يُوازنون بين مسؤولياتٍ مُتعددة، منها تربية الأطفال وتعليمهم، والمسؤوليات الاجتماعية، وتلبية المتطلبات المهنية. وكثيرًا ما يبدو الوقت والموارد المالية المُخصّصة للتدريب أو التعلّم الجديد ترفًا لا يُطاق. ومع ذلك، فهذه هي المرحلة العمرية التي يكون فيها التعلّم المُستمرّ بالغ الأهمية. فالوتيرة السريعة للتغيّر التكنولوجي تعني أن المهارات المُكتسبة في الجامعة قبل عقود قد لا تُلبّي مُتطلبات سوق العمل اليوم. وبدون تدريب وتعلم مُستمرّ، يُواجه كبار السنّ خطر البطالة، أو خسارة العمل، أو التقاعد المُبكر.
هناك تحدٍّ آخر يتمثل في صعوبة الوصول. ففي الأردن، على الرغم من تزايد فرص الخريجين الشباب للانضمام إلى برامج التدريب أو حاضنات ريادة الأعمال، إلا أن المبادرات الموجهة لكبار السن أقل. وكثيرًا ما يشعر المهنيون في منتصف مسيرتهم المهنية بالتجاهل من جانب كلٍّ من أصحاب العمل وصانعي السياسات. على سبيل المثال، تميل برامج نشر الثقافة الرقمية إلى التركيز على الشباب، على الرغم من أن العديد من كبار السن يحتاجون إلى الدعم للتكيف مع المنصات الجديدة، سواء في مجال الخدمات المصرفية أو الحكومة الإلكترونية أو أنظمة العمل عن بُعد. إن توسيع نطاق هذه البرامج لتشمل المشاركين الأكبر سنًا بشكل صريح لن يُمكّن الأفراد فحسب، بل سيعزز أيضًا الإنتاجية الوطنية.
تلعب المواقف الاجتماعية تجاه الشيخوخة دورًا أيضًا. ففي ثقافتنا، يُعد احترام كبار السن قيمةً أساسية، ولكن من المفارقات أن هناك أحيانًا افتراضًا بأن كبار السن لا يستطيعون مواكبة الابتكار. قد يُثني هذا التصور المهنيين في منتصف مسيرتهم المهنية عن الالتحاق بالدورات التدريبية، خوفًا من الإحراج أو الحكم عليهم إذا واجهوا صعوبة في التعلم جنبًا إلى جنب مع المشاركين الأصغر سنًا. يتطلب التغلب على هذه الوصمة تحولًا ثقافيًا يُقرّ بالتعلم كعملية مستمرة مدى الحياة، ويُشيد بمن يواصلون التكيف في أي عمر.
على الرغم من هذه العوائق، فإنّ حجة التعلّم المستمر مدى الحياة في الأردن أقوى من أي وقت مضى. يشهد سوق العمل تطورًا سريعًا، من حيث الخدمات الرقمية وتقنيات الأتمته. في الوقت نفسه، تُعاد صياغة الصناعات التقليدية كالزراعة والتصنيع من خلال الأتمتة واتخاذ القرارات القائمة على البيانات. لكي يُنافس الأردن إقليميًا وعالميًا، يجب أن تكون قواه العاملة، بما في ذلك كبار السن، مستعدة للتكيف. هذه ليست قضية اقتصادية فحسب، بل هي قضية اجتماعية أيضًا. يُساعد التعليم المستمر الأفراد على البقاء مشاركين فاعلين في المجتمع، مما يُقلل من مشاعر العزلة والتهميش التي قد تُصاحب التقدم في السن. كما يُساعد على سد الفجوة بين الأجيال. فالآباء الذين يُواكبون أحدث التطورات في الأدوات الرقمية، على سبيل المثال، أكثر قدرة على التواصل مع أبناءهم وفهم العالم الذي يكبرون فيه.
لننظر مجددًا إلى مثال الذكاء الاصطناعي. قد يبدو الذكاء الاصطناعي مُخيفًا للعديد من كبار السن، فهو أداة مُصممة للأجيال الشابة المُلِمّة بالتكنولوجيا. لكن الذكاء الاصطناعي قريباً سيصبح جزءًا لا يتجزأ بشكل متزايد من المهام اليومية، سواء في مجال الرعاية الصحية أو التعليم أو الخدمات المصرفية أو الخدمات الحكومية. بتعلم كيفية استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، لا يقتصر دور الموظفين الأكبر سنًا على تحسين كفاءتهم فحسب، بل يشمل أيضًا توجيه زملائهم الأصغر سنًا نحو كيفية استخدام هذه الأدوات بمسؤولية وأخلاق. هذا المزيج من الخبرة والقدرة على التكيف يُنشئ نموذجًا قويًا للتعاون بين الأجيال.
لا يمكن المبالغة في تقدير دور مؤسسات التعليم العالي في هذا السياق. لا ينبغي للجامعات الأردنية أن تقتصر على تعليم من تتراوح أعمارهم بين 18 و24 عامًا فقط، بل يجب أن تتبنى فكرة أن تصبح مراكز للتعلم مدى الحياة ترحب بالطلاب من جميع الأعمار. يمكن للدورات المسائية، والبرامج عبر الإنترنت، والشهادات المهنية القصيرة المصممة خصيصًا للمتعلمين في منتصف مسيرتهم المهنية أن تفتح الأبواب لآلاف الأردنيين الراغبين في البقاء على صلة بمجالات عملهم. من خلال إعادة تصميم المناهج الدراسية لتكون أكثر مرونة وعملية، يمكن للجامعات أن تخدم ليس فقط طلابها التقليديين، بل المجتمع ككل. كما يمكن لها أن تشجع أعضاء هيئة التدريس فيها والباحثين فيها لنشر محتوى تعليمي وتدريبي عبر قنوات التواصل الاجتماعي المفتوحة تستهدف به هده الفئة من المجتمع.
يتحمل أصحاب العمل بما فيهم القطاع العام أيضًا مسؤولية. يجب على جهات العمل أن تنظر إلى تدريب الموظفين الأكبر سنًا على أنه استثمار لا تكلفة. فالقوى العاملة التي تتعلم باستمرار تكون أكثر ابتكارًا وقدرة على التكيف والمرونة. يمكن لأصحاب العمل تشجيع ذلك من خلال توفير التدريب الداخلي، ودعم الدورات الخارجية، وتعزيز ثقافة الاحتفاء بالتعلم في كل مرحلة من مراحل الحياة. يمكن للوزارات الحكومية أيضًا أن تلعب دورًا من خلال توفير دورات برامج إعادة التدريب عن بعد ومجانية، وخاصة في القطاعات التي تم تحديدها كأولويات وطنية مثل التحول الرقمي، والطاقة المتجددة، والرعاية الصحية.
على المستوى الشخصي، يتطلب التعلم مدى الحياة شجاعة. يعني الخروج من منطقة الراحة، وإدراك وجود أمور نجهلها، والاستعداد للبدء من جديد، أحيانًا من الصفر. يتطلب الأمر تواضعًا للجلوس في قاعة دراسية، سواءً كانت فعلية أو افتراضية، بجوار أشخاص أصغر سنًا، وصبرًا للتعلم بوتيرة قد تبدو مختلفة عن ذي قبل. ولكنه يجلب أيضًا مكافآت هائلة: شعور متجدد بالهدف، وثقة أكبر، وقدرة على خوض غمار عالم متغير بكرامة.
بصفتي شخصًا عايش التحولات من الأوراق المكتوبة بخط اليد إلى أجهزة الكمبيوتر الشخصية، ومن ثورة الإنترنت إلى صعود وسائل التواصل الاجتماعي، والآن إلى عصر الذكاء الاصطناعي، أستطيع القول بثقة إن التكيف هو مفتاح البقاء. لقد اختبرت كل موجة تغيير جديدة قدرتنا على التعلم، لكنها وسّعت آفاقنا أيضًا. اليوم، في سن الخمسين، أجد نفسي أتعلم مرة أخرى، هذه المرة كيفية استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي التي تُعيد تشكيل بيئة العمل والحياة اليومية. لا أرى هذا عبئًا، بل فرصةً للنمو والتواصل، ولضمان عدم تخلفي عن الركب، ليس فقط في مهنتي، بل أيضًا في قدرتي على التواصل مع أبنائي والأجيال الجديدة. يتيح لنا التعلم مدى الحياة تقليص الفجوة بين الأجيال، وتبادل الخبرات، مع الحفاظ على لغة التكنولوجيا والتقدم نفسها.
يقف الأردن عند مفترق طرق. فإما أن نختار بين اعتبار التعليم أمرًا ينتهي بالتخرج، تاركين كبار السن يكافحون وحدهم، أو أن نتقبل حقيقة أن التعلم رحلة مستمرة مدى الحياة. بالاستثمار في التعليم المستمر للمهنيين في منتصف مسيرتهم المهنية، والتغلب على الوصمة الاجتماعية والحواجز، وبناء ثقافة تُقدّر التكيف في كل مرحلة عمرية، يمكننا ضمان بقاء قوانا العاملة قوية وتنافسية ومتحدة. فالتعلم مدى الحياة لا يقتصر على مواكبة التكنولوجيا فحسب، بل يشمل أيضًا الحفاظ على الكرامة والهدف والتواصل طوال الحياة. وبالنسبة للأردن، يُعدّ هذا خطوة أساسية نحو بناء مجتمع يزدهر في عصر يشهد تغيرات متسارعة.
Ghawanmehameen@gmail.com
تطبيق نظام فهرسة المعلومات بالمؤسسات الحكومية
برشلونة يكتفي بالتعادل مع مضيفه رايو فايكانوفي
صور تثير التكهنات حول استشهاد محمد السنوار بغزة
هزة أرضية بقوة 4.6 ريختر تضرب مدينة شهداد بإيران
الاحتلال يطلق 5 قنابل مضيئة في القنيطرة
هل تكفي لعبة الأرقام لإنقاذ الاقتصاد
ظهر بفيديوهات .. القبض على شخص استعرض بالسلاح والتشحيط
خطة إسرائيلية لسيادة جزئية بغور الأردن من الجانب الفلسطيني
دعوة لمواطنين بتسديد مستحقات مالية مترتبة عليهم
آلاف الأردنيين مدعوون للامتحان التنافسي .. أسماء
تفاصيل مقتل النائب السابق أبو سويلم ونجله
مثول عدد من الأشخاص بينهم النائب اربيحات أمام مدعي عام عمان
تنقلات في وزارة الصحة .. أسماء
وظائف حكومية شاغرة ودعوة للامتحان التنافسي
أول رد من البيت الأبيض على أنباء وفاة ترامب
عمّان: انفجار يتسبب بانهيار أجزاء من منزل وتضرر مركبات .. بيان أمني
رسمياً .. قبول 38131 طالباً وطالبة بالجامعات الرسمية
النواب يبحثون إنهاء عقود شراء الخدمات الحكومية
الأردن يبدأ تطبيق الطرق المدفوعة نهاية 2025
قبل صدور نتائج التوجيهي اليوم .. تعرّف على كيفية حساب المعدل