حرب المدافئ السنوية

حرب المدافئ السنوية

21-12-2025 09:14 PM

مع كل شتاء جديد، وما إن تنخفض درجات الحرارة، تعود المدافئ والصوبات لتحتل مكانها في البيوت الأردنية، باعتبارها الملاذ الأول للدفء في ظل واقع معيشي واقتصادي يزداد صعوبة. غير أن هذا الدفء، الذي نلجأ إليه طلباً للأمان والراحة، كثيراً ما ينقلب إلى مصدر تهديد صامت حين يُساء استخدامه أو تُغفل أبسط قواعد السلامة.
القضية ليست في المدفأة بحد ذاتها، بل في طريقة التعامل معها. فالحوادث المتكررة، والتقارير الرسمية، تؤكد أن غاز أول أكسيد الكربون، ذلك القاتل الخفي الذي لا لون له ولا رائحة، ما يزال يحصد الأرواح عاماً بعد آخر. يتسلل هذا الغاز إلى الغرف المغلقة دون أن يشعر به أحد، ليحوّل لحظات النوم والسكينة إلى فاجعة لا تُسمع لها صوت.
الأكثر إيلاماً أن معظم هذه الحوادث كان بالإمكان تفاديها. فهي في الغالب نتيجة ممارسات خاطئة ومتكررة، كترك المدفأة مشتعلة أثناء النوم، أو تشغيلها في أماكن سيئة التهوية، أو استخدام مدافئ وخراطيم غاز غير صالحة، أو وضعها بالقرب من مواد قابلة للاشتعال. أخطاء بسيطة في ظاهرها، لكنها مكلفة في نتائجها، وكان يمكن تجنبها بقليل من الوعي والالتزام.
وتشير الإحصاءات في المواسم الشتوية الماضية إلى أرقام مقلقة، حيث سُجلت عشرات الوفيات ومئات الإصابات بسبب حوادث الاختناق والحرائق المرتبطة بوسائل التدفئة. ورغم اختلاف الأرقام من عام لآخر، إلا أن الحقيقة واحدة: ثقافة السلامة المنزلية ما تزال دون المستوى المطلوب، وثمن الإهمال ما يزال يُدفع من أرواح الأبرياء.
وفي خضم هذا المشهد، يبرز الدور الحيوي للدفاع المدني الأردني، الذي يثبت في كل شتاء أنه خط الدفاع الأول عن حياة المواطنين. فجهوده لا تقتصر على التعامل مع الحوادث بعد وقوعها، بل تبدأ قبل ذلك، من خلال حملات توعوية وتحذيرات متواصلة عبر مختلف وسائل الإعلام، تدعو إلى الاستخدام الآمن للمدافئ، وضرورة الفحص الدوري والالتزام بإجراءات الوقاية.
وعندما تقع الحوادث، تتجلى المهنية العالية وسرعة الاستجابة لدى كوادر الدفاع المدني، الذين يسارعون إلى إنقاذ المصابين، وتقديم الإسعافات الأولية، ونقل الحالات الحرجة، والتعامل مع الحرائق وتسربات الغاز بكفاءة تحد من حجم الخسائر. جهود تُبذل في ظروف جوية قاسية، وتعكس التزاماً إنسانياً راسخاً بحماية الأرواح، وتستحق كل تقدير واحترام.
ومع ذلك، لا يمكن أن نلقي العبء كاملاً على عاتق الدفاع المدني وحده. فالمسؤولية مشتركة، وتبدأ من داخل كل بيت. وعي المواطن، والتزامه بالتعليمات، وحرصه على سلامة أسرته، هي خط الدفاع الأول، وهي العامل الأهم في تقليل هذه الخسائر المؤلمة.
فالشتاء لا ينبغي أن يكون موسماً للأخبار الحزينة ونشرات الوفيات، بل يمكن أن يكون موسماً للدفء والأمان، متى ما أدركنا أن المدفأة ليست مجرد وسيلة للتدفئة، بل أداة تتطلب وعياً وانضباطاً في استخدامها. وحين يلتقي وعي المواطن مع جاهزية المؤسسات، وعلى رأسها الدفاع المدني، يمكن تحويل الشتاء من موسم خطر إلى موسم طمأنينة وأمان.


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

قناة إسرائيلية تدعي دراسة انسحاب محدود من لبنان في إطار التفاوض

بلدية إربد الكبرى تغلق شوارع للصيانة

حزب الله: إسرائيل لن تبقى في لبنان وسنرد على أي خرق لوقف إطلاق النار

سوريا .. القبض على عقيد سابق متورط في تعذيب معتقلين بصيدنايا

إسبانيا تحسم المواجهة أمام السعودية برباعية نظيفة

الصناعات الدوائية الأردنية رائدة وندعم توسعها عالميًا

الإدارة العامة تعلن نتائج الفرز الأولي لوظيفة أمين عام الإدارة المحلية

بلدية عين الباشا تبدأ خلال 10 أيام بتعبيد شارع الفروسية وتصويب أوضاعه

الأردن من أوائل دول المنطقة التي تبنت مفهوم الصحة الواحدة

الخارجية الفلسطينية: ترحيل إسرائيل وفدا يونانيا استهداف للتضامن الدولي

وفد برلماني اردني يزور اتحاد إذاعات الدول العربية بتونس

نعيم قاسم: وقف النار مع حرية التصرف لإسرائيل غير مقبول

الأردنيّة تستحدث الدّبلوم العالي في الإدارة الرّقْميّة للموارد المائيّة في كليّةِ الزّراعة

رئيس البرلمان الإيراني: لا نأخذ التهديدات الأمريكية على محمل الجد

أبرز ما جاء بلقاء وزير الخارجية ونظيره الجزائري