هندسة الوعي الجمعي وأُطُر التقدُّم
25-10-2025 11:23 PM
أكبر دليل على أن الوعي الجمعي لشعوب العالم بأسرها قد صار كالدمية التي تحرِّكها أيدٍ خفية لتفعل المطلوب منها، هو تحويل جميع دول العالم إلى غرفة صدى كبرى لنشر آراء ومفاهيم صيغت بعناية فائقة للتأثير على العقل الباطن للشعوب. ولاحتواء الاختلافات العرقية والأعراف والتقاليد والتباين الثقافي بين أطياف البشر والطبقات الاجتماعية المختلفة، يتم نقل الأفكار إلى غرف الصدى الأصغر المنبثقة من غرفة الصدى الكبرى، والتي هي، بالتأكيد، العالم. وتعمل غرف الصدى الأصغر، التي تتمثَّل في الدول، على تكييف تلك المفاهيم وفقًا لطبيعة الشعب الموجودة بها.
ولكي يستسيغ الأفراد التغيير ويصبح من السهل التلاعب بالوعي الجمعي، يتم تقسيم الدولة، التي تحوَّلت إلى غرفة صدى منبثقة من الغرفة الأساسية، إلى مجموعات، كل منها يكوِّن مجتمعاً خاصاً به، وله خواص وصفات تميِّزه عن سائر المجتمعات المنتشرة داخل حدود الدولة، وكل مجتمع يتحوَّل إلى غرفة صدى تدور في فلكها نفس الأفكار والأيديولوجيات المراد تعميمها، ويظل الأمر مستقرًّا لفترة على ذاك المنوال إلى أن يتم هضم الفكرة واستيعابها بشكل تام حتى تصبح حقيقة ثابتة مطلقة لا يمكن الحياد عنها.
وفي تلك المرحلة، تتحد غرف الصدى الصغرى لتكوِّن مناطق نفوذ، التي بدورها تتسع لتغطي مناطق بأكملها في العالم. وفي نهاية الأمر، يندمج الجميع مع غرفة الصدى الكبرى بعد النجاح في إزالة جميع الحواجز والفروق فيما بينهم، ويصبح الإيمان بالمفهوم أو الفكرة المطروحة والتي لم تكن مستساغة فيما مضى، هو الشيء الوحيد المنطقي، وما سواه يعد تخلُّفاً وعجزاً عن ركب قاطرة التقدُّم؛ أي أن دورة المفهوم عبارة عن دائرة مفرغة تمنح، في بادئ الأمر، وهم الاختلاف والتميُّز والحرِّية. لكن وبعد السيطرة على العقول بالقدرة على النفاذ إلى دهاليز العقل الباطن، يتم فرض أي مفهوم أو فكرة، مهما كانت غريبة أو شاذة أو حتى تنافي الطبيعة البشرية، على أساس أنها أمر واقع وحقيقة ثابتة.
وأبرز الدلائل وأهمها على ذلك، الأفكار الفلسفية التي كانت ليس فقط محل جدال عند طرحها، بل أيضًا تسببت في موت أو قهر مروِّجيها عند الطرح، لكنها بمرور الوقت أصبحت علامتهم البارزة والمنطقية التي تؤدي إلى تمجيد نموذجهم الفكري في كل زمان ومكان؛ وذلك لأنها تقدُّمية وتسعى إلى ركب سُبُل الحضارة الحديثة ونبذ التخلُّف. بل والأدهى، أن الجميع يردد عن اقتناع تام نفس الرسالة دون وعي أو تفكير، بل ويضيف أن هذا الفيلسوف أو ذاك كانت أفكاره تقدُّمية وتسبق عصره، ولذلك أضحت جديرة للاحتذاء بها في عصور لاحقة.
ومن أهم الفلاسفة الذين ينطبق عليهم هذا المفهوم الفيلسوف الإغريقي «سقراط» Socrates (470-399) الذي برز في عصر كان يسير فيه البشر كقطيع معصوب العينين وراء سطوة رجال الدين المروجين لمفاهيم أصبحت غريبة وتنافي العقل والمنطق في العصر الحالي، والتي اكتشفت الشعوب فيما بعد أنها كانت تسعي فقط إلى ترسيخ قواعد سطوتهم إلى أبد الآبدين. لكن «سقراط»، بكل شجاعة، نادى إلى ضرورة إعمال العقل ومجادلة أي أمر قد تم فرضه كحقيقة ثابتة؛ حيث إن نتيجة ذلك الجدل العميق ستصبح خطابًا يدفع الإنسان نحو قاطرة التقدُّم بدلًا من الجمود والثبات الذي سيشل عقل الإنسان ويودي به في النهاية إلى غياهب التخلُّف. ولقد كان إصراره على موقفه وبذل حياته في سبيل الدفاع عن فكرته أكبر وسيلة لإقناع الكثيرين بمنهاجة وجذب حواريين وأنصار له من كل حدب وصوت. وبمرور الزمان، أصبح منهاج «سقراط»، حتى لمن لا يعرفه، أسلوب حياة وتفكير يتناقله البشر دون وعي؛ لأن أصول أيديولوجيته قد ترسَّخت في الوعي الجمعي لشعوب العالم.
و الموقف نفسه تمامًا قد تم تكراره في العصر الحديث، دون أدنى تغيير، لكن باختلاف السيناريو؛ حتى يتماشى مع وتيرة العصر الذي طرح فيه. ودون أدنى شكّ، بطل هذا المنهاج ورائده هو الفيلسوف «فريدريك نيتشه» Friedrich Nietzche (1844-1900)، الذي برز في عصر كان الفكر الرومانسي الناعم هو البطل الأوحد، الذي يدعو البشر إلى النظر بداخلها للوصول إلى كل ما هو سامي ومنزَّه. إلَّا أن أفكار «نيتشه» أصرَّت على اقتلاع تلك الفكرة من جذورها؛ عندما روَّج لأهمية «الفردية» Individualism والقوة عند التعامل مع الحياة؛ وكلها ممارسات لا تتأتَّى إلَّا بالإرادة وإعمال قوَّة العقل وعدم الاستسلام لفكر القطيع. بل إنه أكَّد أيضًا على ضرورة الانسلاخ من القيود التي تكبِّل الفرد حتى يصل إلى نموذج الإنسان الفوقي Übermensch ، أو السوبرمان Superman.
وبسبب المفاهيم التي روَّج لها «نيتشه»، صار منعزلاً عن الحياة، رغم ألمعيته الفريدة، وانتهى به الأمر إلى الجنون والموت. والمفاجأة المذهلة، أن فكر وفلسفة وجميع أيديولوجيات «نيتشه» أضحت منهاجًا مبجَّلًا قامت عليه حضارة القرن العشرين. وحاليًا، يؤمن بأفكاره الشباب في كل مكان. أضف إلى ذلك، أن منهاجه الفلسفي أصبح النموذج الفكري السائد بين المفكِّرين والفلاسفة، وأساساً للحياة والتعامل مع البشر الذي تروِّج له كتب تطوير الذَّات وجميع القائمين على هذا الأمر.
والأمثلة على هذا الأمر كثيرة، علمًا بأن الفكر الفلسفي بوجه عام، والصادم منه بوجه خاص، لا ينشط إلَّا عندما يصاب فكر المجتمع بالجمود والركود الذي ينقل الإنسان إلى منطقة راحة قد تطول إلى أبد الآبدين، ومنها يبدأ العالم في الانزلاق نحو الكسل والخمول، اللذين يفضيان إلى التخلُّف. وعلى هذا، يعمل القائمون على هندسة الوعي الجمعي إلى خلق جدل منطقي.
لكن يجب الأخذ في الاعتبار أنه في بعض الأحيان قد تنشط الحركات الفلسفية والفكرية بشكل غير مسبوق، بل وتظهر أفكار مناوئة ومتضاربة قد تجعل التشعُّب والتضارب الفكري يظهر وكأنه السمة السائدة. ففي القرن التاسع عشر، الذي يعد نقطة تحوُّل كبرى في تغيير الوعي الجمعي العالمي، ظهر نوعان من الفلسفة، كلاهما يعلن رسالة واحدة، ألا وهي تأمين الخير للجميع في إطار من الحرِّيات التي ستنقل الفرد إلى مستوى غير مسبوق من الرفاهية وتحقيق الذَّات. ولقد تزعَّم هاتين الحركتين الفلسفيتين «كارل ماركس» Karl Marx و»جون ستيوارت ميل» John Stuart Mill.
لقد ظهر الفكر الماركسي لمناهضة سطوة النظم الرأس مالية التي هيمنت على فكر الحكَّام، وأدت إلى زيادة رفاهية الأغنياء، والإمعان في إفقار الفقراء. ومن ثمَّ، طوَّر الفيلسوف الألماني «كارل ماركس» Karl Marx (1818-1883) مع صديقة المفكِّر «فريدريك إنجلز» Friedrich Engels (1820-1895) نظرية الشيوعية Communism لأن الصراع الطبقي هو أساس تطوُّر المجتمعات. وبعد أن تغلغلت أفكاره في وجدان الطبقات المطحونة المستكينة، قامت الثورات الشعبية، وغزا الفكر الشيوعي الذي انبثق منه لاحقًا الفكر الاشتراكي، المجتمعات التي توحشت فيها سطوة الرأسمالية، والتي باتت منقسمة إلى طبقتين فقط؛ طبقة الحكَّام والنبلاء والأثرياء، وأما باقي طبقات الشعب فكانت اندمجت في طبقة واحدة تغرق في وحل الفقر وظلمات القهر.
وبالتزامن مع الفكر الماركسي، ظهر الفيلسوف الإنجليزي «جون ستيوارت ميل» John Stuart Mill (1806-1873) الذي يدعو إلى «النفعية» Utilitarianism وتطبيقها على جميع مناحي الحياة؛ لأنها أساس لا غنى عنه لزيادة السعادة والرفاهية لأكبر عدد من الناس. ولنشر السعادة على الجميع، لم ينسَ الدفاع عن الحرية الفردية وحقوق المرأة.
وقد يبدو الفكر الماركسي مناوئًا لأفكار «جون ستيوارت ميل» الداعية للحريات والرفاهية، لكن الأمر في حقيقة أن منهاجهما الفكري يكمل كل منه الآخر؛ فالغرض الرئيسي من كليهما هو دفع الحراك الفكري الذي بدوره يدفع الشعوب دفعًا نحو أطر تقدُّمية غير متوقعة، وفي الوقت نفسه، الامتثال للسلطة المهيمنة، مهما كان القناع الذي ترتديه للسيطرة على الشعوب. فكلتا الفلسفتان أكدت أهمية رأس المال، وأن الرفاهية لا تتأتى إلَّا بالمال وامتلاكه. أضف إلى ذلك، عمل الاتجاه الفلسفي الذي ينادي به كل من «ماركس» و»ميل» على خروج المرأة إلى سوق العمل والاشتراك في الحركة الاقتصادية لتصبح عضوًا منتجًا، بدلًا من حياة المرأة التي كان الأدباء يصرون على تصويرها على أنها حياةٌ الاستهلاك طابعها، وأن أكبر اهتمام للمرأة هو العناية بجمالها ونزواتها النسائية. ولبلورة وجوب اشتراك المرأة في الحركة الاقتصادية كعضو عامل، ظهرت الحركات النسائية التي تؤيِّد ذاك المنهاج وتروِّج له من خلال الترويج إلى أن المرأة بمقدورها تخطي العقبات وتجاوز السلطات التي تحد حرِّتها وجعلت منها نموذجًا يستخف الجميع بقدراته الفائقة الكامنة.
لقد كلّلت، بالفعل، جميع الجهود المبذولة من قبل المفكرين بالنجاح. وفي الوقت نفسه، عملت على احتواء الوعي الجمعي من خلال توفير أنماط وقوالب فكرية جاهزة لا يجب الحياد عنها. لكن كل من حاول أن يشذ عن تلك القوالب والأُطُر المطروحة والمفروضة، بشكل غير مباشر، كان يتم التخلص منه ومن صوته قبل أن يضحى له مريدون يعملون على تفنيد تلك الأُطُر أو حتى خلق إطار جديد يصير بوتقة للجوانب الإيجابية فقط لأي من تلك الأُطر.
هندسة الوعي الجمعي هي بالأساس عملية شديدة الصعوبة وتستلزم سنوات طويلة، وأفكاراً عميقة لدفع الشعوب للهلث وراء التقدُّم، دون إدراك أن كل خطوة يتقدم بها الإنسان صوب التقدُّم يفقد حريته وآدميته وكذلك الرغبة في التفكير بشكل مستقل.
نواب عن قانون الملكية العقارية: نحن أمام كارثة
نتنياهو يصل إلى البيت الأبيض للقاء ترامب
حل مشكلة رواتب عمال الوطن في بلدية جرش
شركات الاتصالات تواصل جهودها بمبادرة مشتركة لتعزيز الاستدامة البيئية
الأردن يحذر من استمرار التصعيد الإسرائيلي ضد الفلسطينيين
ترفيع 4 عمداء وإحالتهم إلى التقاعد .. أسماء
ولي العهد يؤكد أهمية التوصل إلى تهدئة شاملة بالمنطقة
لماذا أصبحت الرياض وجهة جاذبة لشراء العقارات والسكن العائلي؟
الصفدي يبحث مع عطاف تطوير التعاون الأردني الجزائري
ولي العهد يؤكد أهمية توظيف التكنولوجيا لتجويد الخدمات الصحية
شخص يتعرض للضرب .. التحقيق في مقطع فيديو متداول
تمديد التقديم لبرنامج الريادة في الصناعة
الصفدي يبحث مع الشيخ محمد آل ثاني التطورات الإقليمية
منع الشورت في الأردن .. تقرير شامل يرصد الجدل والآراء القانونية والإعلامية والشعبية
تطور جديد في قضية جيمي كارني .. محققون إيرلنديون يزورون الأردن
هل نشهد حراكاً غير مسبوق في الجامعات؟ المادة 21 تضع مصدر دخل آلاف العاملين على المحك
وفاة أم وأطفالها الثلاث في حادث أليم على الطريق الصحراوي
إرادة ملكية بالموافقة على وكالات عدد من الوزراء .. أسماء
فضل شاكر وجورج وسوف بمجلس النواب الأردني .. ما القصة
مهرجان أبوظبي 2026 يواصل فعالياته أكتوبر القادم
انخفاض ملحوظ بأسعار الذهب محلياً اليوم
الدفاع المدني يتعامل مع حادث شخص محاصر داخل حفرة في منزله
حريق مجمع سفريات عجلون .. تجار يروون للسوسنة كيف فقدوا مصدر رزقهم
إصابة 12 شخصاً بينهم طفل إثر عقر كلب ضال في إربد
إيقاف القسائم البلاستيكية .. مهم بشأن رخص القيادة والمركبات
تدهورت صحته وضعف بصره .. فنان مصري يعتزل التمثيل
الترخيص: لا وجود لإعادة الفحص عشرات المرات .. والحديث مجرد ترند
اتحاد منتجي الدواجن: نظام "الطيبات" يفاقم خسائر القطاع في مصر
