كن حذراً عند التعامل مع فئة لها ماركة مسجلة
مهما تغيَّرت الأزمنة وتبدَّلت الظروف، سيُكتب البقاء والدوام لخطاب السُّلطة والقوة، وهما يمثلان الهمّ الأعظم الذي يشغل بال أي فرد في الكون. ولقد غُرست تلك الفكرة في عقل الإنسان مع ملاحظته للطبيعة، ومعرفة أن البقاء أبدًا لا يُكتب إلَّا للقوي الذي يمتلك في يده زمام السُّلطة، وبذلك ترتقي مرتبته ليصير الأصلح. ولقد وصف الأمر عالم الاجتماع والمؤرِّخ الألماني “ماكس فيبر” Max Weber (1864-1920)، الذي أتاح له العمل في مجال القانون وأيضًا خبرته الطويلة في مجال الاقتصاد السياسي، أن يغوص في خبايا علم الاجتماع ويضع يده على مواطن القوَّة والضعف التي قد تفضي إلى ازدهار المجتمعات، أو حتى اضمحلالها.
وعند الحديث عن السُّلطة، كان يوكِّد “ماكس فيبر” أن السُّلطة لا تصير فاعلة إلَّا في إطار العلاقات الاجتماعية، التي قد يتمكَّن أحد الأطراف فيها من تنفيذ إرادته رغم مقاومة الآخرين، سواء أكان ذلك يدور في إطار شرعي أم غير شرعي؛ فكلاهما يفضي إلى خطاب السُّلطة التي تتأتى بالإكراه، أوالإقناع، أوالثروة، أو الاحتكار، ولو كان حتى في شكل احتكار للعنف، علمًا بأن تلك العناصر قد تستخدم جميعها أو عناصر منها تبعًا لما يتطلبه الموقف.
ومن الجلي أن “ماكس فيبر” بسبب دراسته للتاريخ والتعلُّم من دروسه، استطاع أن يصيغ مبادئ راسخة تنطبق على كل زمان ومكان. بل إنه قد تنبأ أيضًا بالمصير الذي سوف تؤول إليه البشرية؛ وكان يؤكِّد قائلًا: “إن مصير عصرنا يتميز بالعقلانية والفكرانية، وفوق كل شيء بخيبة الأمل في العالم”. وهذا أبرز دليل على أنه بالرغم من هيمنة صوت العقل مع تقدُّم الزمن، ستعشش خيوط العنكبوت على جميع الجوانب والاتجاهات؛ لتمهِّد الطريق لكل الموبقات التي تنخر في جدار المجتمع. وبذلك يتحوّل المجتمع إلى واجهة متألقة، وإن كانت خربة البُنيان.
وكل من يظن أن أطروحة “ماكس فيبر” تنطبق على السَّاسة والحياة السياسية فقط أو حتى الدوائر الكبرى، سواء الاقتصادية أو الاجتماعية، التي تهيمن على مصير الدول، فهو دون أدنى شكّ واهم. فالخطر الأكبر هو أن الأطروحة تنطبق على أجيال الشباب الجديدة التي لُصِقَ عليها بطاقة تعريف، وتم تغذيتها بأفكار ومبادئ بدأت تتعاظم وتستفحل إلى أن تم تخويلهم سلطة وهمية، جميع مفاتيحها ترقد بهدوء بين أيدي من يحرِّكهم كدمى مطواعة. وبالتأكيد، الجيلان محلّ الدراسة هما من يطلق عليهما “جيل الألفية” Millennials و”الجيل زد” Gen Z.
وهذا التقسيم الحاد للأجيال الجديدة مقصود، وقد اعتبر أن كل ما يسبقهم من أجيال يقع في المنطقة “إكس” أو ما أطلق عليه “الجيل إكس” Gen X، وحتى الراحل بلا عودة، كما يشير انتشار استخدام مصطلح “إكس”، ما دام يعيش في بدايات عصور التقدُّم التكنولوجي. و”الجيل إكس”، حسب التقسيم “المفروض” و”المقرر” للأجيال، تم تقييم بدايته بداية من عام 1965، ما يعني أن هذا التقسيم كان لا يعتبر إلَّا بداية ظهور الكمبيوتر وجميع برامج الحوسبة الآلية، وكأنها بداية فجر البشرية، متجاهلًا أي ثورات صناعية سالفة مهدت لنشوء ذاك الإنجاز الرقمي. وبهذا، يتم حبس الأجيال التالية في معقل العالم الرقمي فقط، ذاك العالم شديد التغييُّر الذي تنبلج منه طفرات غير مسبوقة يوميًا.
وأمَّا عن التسميات البرَّاقة التي تم لصقها على الأجيال التالية، فهي حقًا جديرة بالملاحظة؛ فمصطلح “جيل الألفية” Millennials يشير إلى مواليد الفترة (1981-2000) فقط، علمًا بأنه بدايةً من ثمانينيات القرن الماضي بدأ انتشار الكمبيوتر ونظم الحوسبة على نطاق عالمي. وأمَّا “الجيل زد” Gen Z فيشير إلى مواليد الفترة (2001-2020)، مع ملاحظة أن الأجيال التي تلت هذه الفترة لم يتم تحديد هوية بطاقتها بعد، أو بالأحرى لم يتم الاستقرار على الملامح التي يجب أن تكون عليها في ظل الطفرات المتلاحقة للذكاء الاصطناعي.
وبالنظر إلى “جيل الألفية”، فلقد اعتاد استخدام نظم الحوسبة وشهد استخدام الجوَّال على نطاق واسع، لكنه يشكِّل تهديدًا كبيرًا؛ لأنه لا يزال حلقة الوصل بين الأجيال السالفة ذات النظم والتقاليد الصَّارمة، وكذلك العصر الرقمي؛ بل وإن الغالبية العظمى منهم ينظر بحنين للعصور السَّابقة التي كانت فيها أطر الحياة أبسط، والدفء الأسري أقوى. وانعكس هذا على بيئة العمل ومتطلبات الحياة؛ فالجميع ينظر للعمل المشترك كوسيلة للوصول السريع للأهداف، وكذلك يتطلَّع إلى تحقيق إنجازات كبرى تجعل اسمه لامعًا وعلامة مميزة؛ ليصبح محل فخر له أمام نسله والأجيال القادمة. ومن ثمَّ، أصبح أهم قيم هذا الجيل “المرونة” التي هي أهم السبل لتحقيق النجاح في العمل بالرغم من الصعوبات التي قد يواجهها الفرد عند تحقيق أهدافه والتي غالبًا ما يعرقلها وجود آخرين دون المستوى. فالعمل والإنجاز هما الهدف الأسمى لذاك الجيل، لكن مع تحقيق التوازن مع متطلَّبات الإنسان ليستمتع بمباهج الحياة. وكل هذا يدور في إطار رسم خارطة طريق لهدف واضح وجلي قد يبدأ حتى منذ الطفولة.
لكن “الجيل زد” الذي وجد نفسه منغمسًا في العالم الرقمي، وأضحت الوسائط الرقمية بالنسبة له أفضل من الانتماء للعائلة أو عالم البشر بوجه عام، تحوَّل إلى مجرَّد أجساد أو كيانات موجودة في أماكن متفرِّقة على ظهر الكرة الأرضية، لكنها أسلمت عقولها وأفكارها لعالم افتراضي، وجدت فيه الإنجاز والسلام والاستقرار النفسي. وعلى هذا الأساس، سادت الأنانية والعمل المنفرد، لدرجة أن العمل من المنزل أو العمل الحرَّ صارا خيارًا أفضل من العمل داخل مؤسسة كبرى ترتادها أسماء لامعة. فهذا الجيل يخشى التعامل مع الآخرين؛ لأن كلاً منهم يعي تمامًا أن الآخر قد عقد النية أن يؤذيه بشكل أو بآخر. وعلى هذا الأساس، استشرى مصطلح “توكسيك” Toxic، التي تعني سام؛ علمًا بأن هذا المصطلح موحَّد في جميع اللغات، ويشير إلى الأشخاص والبيئات التي تحيل السلام النفسي إلى جحيم، حتى ولو كان هؤلاء الأفراد من أقرب المقرَّبين. ومن ثمَّ، أقبل هذا الجيل الذي لا يعطي أهمية كبرى للتعليم، على قراءة كتب تنمية الذَّات بجميع ألوانها، وخاصة كتب “الحيل النفسية المظلمة” Dark Psychology والتي تُعنى بالسيطرة على الآخرين.
وبالنظر إلى الوضع من منظور بانورامي، ستكتشف أن الأجيال القادمة ومن يليها، تفقد القدرة شيئاً فشيئاً على التعامل مع البشر بوجه عام، لكنه في الوقت نفسه يرى في أي شخص آخر يقع خارج حدود نفسه فريسة يجب الانقضاض والسيطرة عليها بكل الوسائل، وإلَّا سيتحوَّل هو إلى تلك الفريسة. ولتلخيص وضع الأجيال القادمة في كلمات معدودة نقول إن عالم المستقبل سيتحوَّل إلى غابة يتطلَّع فيها القوي إلى التهام الضعيف دون أدنى رحمة أو شفقة.
ولتأمين الحدود الشخصية، ولتوفير ملاذ آمن للجوء إليه في أوقات الشدائد، أصبح الأمان المالي هو أهم الأهداف التي تسيطر على العقول، فأي عمل يوفِّر دخلاً كبيراً ودائماً يصبح جاذباً؛ فالخبرة في العالم الرقمي يمكن اكتسابها بسهولة وفي وقت قصير، وليس بالخبرة على مدار سنوات طويلة. وفي إطار نمط التفكير المستنسخ هذا بين أفراد هذا الجيل، أصبحت أهداف “الجيل زد” من النوع قصير المدى فقط؛ فالسعي الأعظم هو تحقيق مهمة محددة، في أقصر وقت ممكن، من أجل تحقيق مكسب مادي ملحوظ؛ وأفضل المكاسب المادية هي تلك المالية.
ومصطلحات مثل التسامح والدمج، الذي هو النظر لجميع أطياف البشر واتجاهاتهم على قدم المساواة والقبول، تستشري ليس لإيمان هذا الجيل بالإنسانية وأهميتها، بل لأنهم على يقين تام أن التعامل الحتمي مع الآخر يجب أن يسري في أضيق نطاق، وأن الآخر مهما كانت طبيعته، هو فرصة إمَّا للاستفادة منها أو السيطرة عليها؛ لتقوية منطقة النفوذ الخاصة بالفرد.
والخطر الحقيقي هو أن “الجيل زد” لا يؤمن بفكرة الاستقرار العائلي أو حتى الإنجاب؛ فصعوبة العيش في كيان أصبح يشبه الغابة جعل من الصعب في ظل تلك الأوضاع الاعتناء بطفل وتعليمه؛ في حين أن والديه في أمس الحاجة إلى من يأخذ بأيديهم، ويعتني بهم، ويعلِّمهم حرفة الحياة، التي لم تكن كتب تنمية الذات أو جلسات العلاج النفسي كافية لتحقيق الاستقرار العقلي المنشود.
ما يحدث حاليًا للأجيال الجديدة يكسر قاعدة “صيرورة الحياة” في شكل حلقات يسلّم فيها كل جيل زمام السُّلطة للجيل التالي، في شكل حلقات مفرغة زنبركية الشكل كما أشار إليها الفيلسوف الفرنسي “ميشيل فوكو” Michel Foucault أو كما تُمليه نظرية “العودة الأزلية” Eternal Recurrence التي صاغها الفيلسوف الألماني “فريدريك نيتشه” Friedrich Nietzsche، والتي تشير إلى أن دورة الحياة والاضمحلال عملية أبدية؛ فمن العدم تنشأ الحياة والاستقرار، والعكس صحيح.
ما يحدث حاليًا للأجيال الجديدة هو عملية من التآكل شديدة الوطأة والتي لا تنبئ بوجود أجيال جديدة لكي تتسلَّم الرَّاية من جيل فضَّل ألَّا يكون بلا راية وبلا هوية. الأجيال المتوقع وضع ماركة مسجلة لها بعد عام 2020 ستصير بلا جذور أو هوية أو أفكار منطقية تخرج من رحم المُعلِّم الأسمى الذي يواكب التقدُّم والذي يسمى بنظم الذكاء الاصطناعي، والمدهش أن نظم الذكاء الاصطناعي تم برمجتها على أيدي بشر، وتغذيتها على إنجازات وإبداعات بشرية، وقيم جميعها مستخلصة من عصارة أفكار جميع أطياف البشر السالفين. وعلى النقيض، يتم تدريب البشر على البعد عن إخوانهم في الإنسانية، وعدم احترام الأسلاف ومبادئهم؛ لأنها قديمة وعفا عليها الزمن. وهذا الوضع س يكسر حلقة العودة الأزلية للإنسانية. لكن من س يقدَّر له العودة لن يكون بشرًا، حتى ولو كان شبيهاً بالبشر.
البدء بأعمال التطبيق العملي لمدينة العقبة الذكية
التلهوني: بناء مؤسسات الدولة بسوريا يمثل أولوية
المالية النيابية تناقش تقرير ديوان المحاسبة لوزارة المياه
رفع تصنيف منخفض الخير إلى الدرجة الرابعة
زين ترفع تصنيفها في القائمة العالمية للتصدّي لتغيّر المناخ إلى المستوى A
الفوسفات والبوتاس تطلقان مبادرة دعماً للجهود الحكومية
الإدارية النيابية تبحث ملف إحالة موظفي الأمانة للتقاعد المبكر
محافظ الطفيلة يتفقد الإجراءات المتخذة لفصل الشتاء
هيئة الطاقة تتلقى 1221 طلباً للحصول على تراخيص
العمل النيابية تناقش آليات عمل صندوق المعونة
الأمانة تباشر بتشغيل كاميرات الرقابة البيئية
بدء إجراءات تجنيد مكلفي خدمة العلم للدفعة الأولى
فاجعة في الجزائر .. العثور على 5 أطفال متوفين ووالدهم ينتحر بمادة سامة
الحكومة تعلن عن وظيفة قيادية شاغرة .. التفاصيل
الإعلان عن وظائف شاغرة في القطاع العام
وفاة مؤثرة إيطالية بعد إجراء تجميلي فاشل
ترامب يسخر من رافعي الأثقال المتحولين جنسياً
اكتشف تأثير الزنجبيل على مناعة الجسم
وظائف شاغرة في رئاسة الوزراء .. التفاصيل
