جريمة على شاطئ العشّاق .. الفصل السابع عشر

جريمة على شاطئ العشّاق ..  الفصل السابع عشر

10-11-2025 11:28 PM

عودة الظلال

كانت السيدة صالحة تجلس على الكرسي الخشبي الموشّى بالنقوش المملوكية، الكرسي ذاته الذي تلجأ إليه كلما ضاقت بها الذاكرة واشتد عليها الحنين. أغمضت عينيها وتركت أغنية وديع الصافي "الليل يا ليلي… سلم على ليلي" تنساب في الغرفة، فتجرها إلى زمن بعيد… إلى الروشة، وادي البقاع، زحلة، وكروم الجنوب.
هناك، في شوارع بيروت والحمرا، عاشت أجمل أيامها مع غازي؛ ضحك، غناء، رقص، وسعادة كانت تعتقد أنها لن تزول. لكن المطر الأسود عاد يهطل من عينيها كلما تذكرت اللحظة التي رحل فيها دون وداع.
مدّت يدها إلى درج صغير، وأخرجت هوية قديمة تحمل اسمًا لم يعد أحد يعرفه اليوم:
الاسم: ليلي عزّ الدين
المولد: الجنوب – الشوف
البلد: لبنان
همست وكأنها تخاطب روحًا غائبة:
"واحد وثلاثون عامًا يا غازي… واحد وثلاثون عامًا وأنا أبحث عنك. جئت إلى عمان لا أعرف عنها شيئًا، كل ما كان يقودني هو حبّي لك… أو لعلّه لعنتك."

وبنبرة مختنقة تابعت:
"تخيّل… صرتُ صيدلانية، ونجحت، وبنيت حياة كاملة… ومع ذلك لم أنسَك. كنتُ أراقبك من بعيد، أعرف كل تفاصيلك، لدرجة أنني ظننت نفسي فقدت هويتي… صرتُ امرأة جديدة، بلا وطن… بلا ماضٍ… فقط حبّك."
وقفت فجأة أمام المرآة، لمست جانب وجهها وقالت بانكسار:
"لم تتذكرني حين رأيتني في سوق مطرح… صحيح غزا الشيب رأسي، لكن ملامحي لم تتغير. يا له من حب… حطم قلبي."
ثم شدّت قبضتها بقوة وبكت بصمت:
"نزعت جلدي لأصل إليك… لكن الذي وجدته أولًا كان عبدالعزيز. رأيته ينزل من سيارته وعرفت أنه اشترى منزلًا قربنا. قلتُ ربما يكون طريقًا لإنقاذ ابنتي من شقائي. أعطيتها منوّمًا خفيفًا حتى لا تشعر بغيابي، وخرجت… خرجت لأمنحها حياة أفضل."
ضربت مقبض الكرسي بحرقة:
"يا ليتني لم أذهب… يا ليت تلك الليلة لم تُكتب."
في الجهة الأخرى من المدينة، كان الدكتور غازي يقود سيارته نحو سوق مطرح؛ المكان الذي وجد فيه رائحة الماضي وشيئًا من دفء لبنان. وما إن دخل الأزقة الضيقة قرب محلات الذهب حتى توقفت خطواته فجأة.
كانت هي.
امرأة تقف أمام واجهة محل ذهب… لكنها ليست أي امرأة.
همس لنفسه وهو يتجمد في مكانه:
"ليلي… نعم… هذه ليلي."
جفّ حلقه، وتحوّل عرق مطرح إلى أنهار على وجهه. ظل يحدّق فيها طويلًا… ملامحها رغم السنين لا تزال قادرة على إرباكه، على إحياء ما ظنه مات.

"شعرها… نظراتها… يدها تلك…"
استعاد صورًا قديمة من شوارع بيروت:
"كنت أمسك يدها وأقول: لا تهربي مني… إيّاك أن تهربي."

لكنّ المفارقة الموجعة أنه هو من هرب.
أدار ظهره لها، واتجه مسرعًا إلى سيارته، أغلق النافذة وبكى وهو يتمتم:
"هي لم تهرب… أنا الذي هربت. لكنها قالتها يومًا: لن تهرب من طفلنا… ستلاحقك لعنته ولعنتي."
في إدارة التحريات، كان المكتب يعجّ بالملفات حين رن هاتف العميد حمد. استمع للحظات، ثم قال بلهجة لم تُخفِ ارتياحه:
"حسنًا… أحسنتم. سنكون بانتظاره على أحرّ من الجمر."
رفع المقدم سالم حاجبه مستغربًا:
"سيدي، من الذي ننتظره بكل هذه اللهفة؟"
ضحك العميد بخفة:
"من يملك بعض الأسرار… وربما كلها. العامل الهارب شفيق عرب."
دخل النقيب محمد والنقيب منى في تلك اللحظة، بينما كان العميد لا يزال يتحدث عن شفيق. قال محمد وهو يقدّم ملفًا:
"سيدي، هذا التقرير الذي طلبتموه."
كانت تلك اللحظة بداية انعطافة جديدة في مسار القضية… عودة الهارب لم تكن مجرد خبر؛ بل بداية تفكك الغموض الذي أحاط بمقتل الصيرفي عبدالعزيز.

مفردات
سوق مطرح: سوق شعبي قديم في ولاية مطرح بمحافظة مسقط.
وديع الصافي: مطرب لبناني شهير.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

صفحات التأمين في مواقع التواصل الاجتماعي

بلدية عجلون تعرض على الاتحاد الأوروبي حزمة مشاريع تنموية

قطر تبحث مع السعودية وعُمان خفض التصعيد في المنطقة

التعادل السلبي يحسم الشوط الأول في نهائي كأس العالم 2026

دفاعا عن الحقيقة وليس عن النائب حسن الرياطي

هنا الاردن هنا التاريخ

مقتل جندي أميركي وإصابة آخر خلال التعامل مع مسيّرة إيرانية في العراق

صافرة أردنية في نهائي كأس العالم 2026

الرئيس الأمريكي ترامب حاضر في المباراة النهائية لكأس العالم 2026

من هو الزاكي؟ حارس المغرب التاريخي يبدأ رحلة جديدة مع النشامى

تحديث نهائي كأس العالم 2026 بين الأرجنتين وإسبانيا (0 - 0)

الأردن ومصر يؤكدان التضامن المطلق في مواجهة الاعتداءات الإيرانية

بحضور جو جيوهيغان .. ملتقى أردنيون في إيرلندا يؤكد تعزيز التواصل ويدين مقتل الأميركية جيمي كارني

الصفدي ونظيره العماني يبحثان تطورات الأوضاع في المنطقة

استهداف إيران للأردن ودول الجوار يهدف للضغط على الولايات المتحدة

«الجنرال» يشعل فضول الأردنيين .. هل صنعت قيود الإعلام نجومية الحسابات المجهولة؟

فيديو .. حادث سير مروع في الزرقاء

لماذا أثارت المادة (21) من قانون الجامعات الجدل؟ .. قراءة في مخاوف آلاف العاملين

بيان مهم صادر عن القوات المسلحة الأردنية

الاعتداء على الجنرال The General Inspector .. حين تصبح كرامة المواطن الأردني قضية وطن

مشروع قانون الملكية العقارية .. 15 تغييرًا قد يؤثر في كل مالك أرض بالأردن

وزير الإدارة المحلية يوجّه بالتحقيق في شبهة اختلاسات ببلدية في المفرق

إرادة ملكية بالموافقة على إجراء تعديل على حكومة حسان

إيران تستهدف الأردن .. والجيش يسقط صواريخ

القبض على مشتبه به بقتل فتاة أميركية في إيرلندا

بعد المصادقة على حبسه .. الرياطي يفقد عضويته في النواب

الاقتصاد النيابية تقر مشروع قانون إلغاء المؤسسة الاستهلاكية المدنية

قتيل واصابة بمحافظة جرش

أحكام مشددة في قضية سرقة مكتب طلال أبو غزالة .. والقضاء يحسم الملف

تحديد بديل الرياطي في مجلس النواب