حين تصبح النزاهة هوية وطن لا مهمة إدارية

حين تصبح النزاهة هوية وطن لا مهمة إدارية

01-01-2026 01:02 PM

مع بداية عام جديد، تتجه الدول الجادّة إلى مراجعة مساراتها التنموية، وتعزيز ثقة مجتمعاتها، وترسيخ القيم التي تضمن استدامة الإنجاز.
ونحن اليوم كدولة إسلامية نستمد قيمنا من الجوهر الاصيل للمنظومة الإسلامية التي أرست قواعدها قبل 14 قرنا ، فطريقنا نحو الاصلاح الاداري لا ينفك عن كونه جزءا لا يتجزأ من شريعتنا الاسلامية .
فالإسلام لم ينظر الى العمل الاداري بمعزل عن الامانة والاخلاق والقيم النبيلة ، بل جعله عقدا غليظا وأمانة عظمى ترتكز على مبدأ المسؤولية أمام الله والمجتمع حيث لا تستقيم الادارة الا بتلازم القوة في الاداء مع الامانة في التنفيذ .
ومن هذا المنطلق ، تبرز النزاهة اليوم بوصفها خيارا استراتيجيًا ملزما ، لا شعارًا مرحليًا، امتثالًا لقوله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا﴾.
مع بداية عام جديد ،تتصدر الخارطة الاستراتيجية الوطنية للنزاهة ومكافحة الفساد (2026–2030) هرم الأولويات الوطنية، بوصفها ركيزة أساسية في مسار بناء أردن مزدهر،والصادرة عن هيئة النزاهة و مكافحة الفساد أحد أبرز مؤسسات الوطن التي كانت وما زالت خير حارس للثقة العامة ومجدها يعلو بصوت العدالة.

فقد جاءت هذه الخارطة لتعيد تعريف النزاهة باعتبارها منظومة حوكمة متكاملة، لا إطارًا رقابيًا محدودًا؛ توزعت على سبعة محاور تبدأ من تحديث التشريعات- ولا تنتهي عند إنفاذ القانون - بل تمتد إلى الثقافة المؤسسية، والتحول الرقمي، والتعاون الدولي، والنزاهة المجتمعية، في إطار واحد تحكمه قيم الشفافية والمساءلة والعدالة والكفاءة يضمن اتساق التنفيذ مع الرؤية الوطنية ، امتثالًا لقوله تعالى:﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾.
وفي عام تتسارع فيه التحديات، تؤكد الاستراتيجية أن الوقاية من الفساد أكثر كفاءة من معالجته، عبر إدارة مخاطره، وتوحيد الرقابة ، ودمج مؤشرات النزاهة في التخطيط والتمويل، بما يضمن تحسين الأداء وحماية المال العام.
ولم تغفل الاستراتيجية عن جعل التحول الرقمي كرافعة حاسمة في هذه المرحلة بوصفه أداة أخلاقية قبل أن يكون تقنية؛ انه العمود الفقري لتميز الخدمات الحكومية واظهار نزاهتها وعدالتها ، فحين تُبسَّط الإجراءات، وتتأتمت العمليات وتتابع القرارات وتُغلق المساحات الرمادية، يقترب المواطن حينها من الخدمة دون حواجز، تتعزز الشفافية .
كما انها جاءت لترسيخ النزاهة كسلوك قيادي وثقافة مؤسسية معاشه، تُبنى بالقدوة قبل الأنظمة، وبالسلوك قبل التعليمات؛ إذ صنعت منها جسدا مؤسسيا يبني ثقافتها سلوكًا وفكرا .
والتزاما بقول الله تعالى ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ فقد منحت الاستراتيجية المجتمع دورًا فاعلًا في الوقاية ودرء الفساد من خلال قيامها بتوفير منصات توعية وقنوات للإبلاغ الآمن مع حماية متكاملة للمبلّغين والشهود.

ومع مطلع العام الجديد، تبدو الرسالة واضحة بلا التباس ولا ضباب :
لا جودة للحياة دون نزاهة، ولا نزاهة دون منظومة حوكمة حديثة.
التشريعات المرنة، والتقنية الذكية ، المجتمع الواعي المدرك انه شريك في حماية مكتسبات الوطن، كلها أدوات تصقل هوية الاردن وترسخ ثقة المجتمع بمؤسساته وانجازاته .
إنها بداية عام تُستقبل بإرادة إصلاح، ورؤية دولة، واستحضار لقيم راسخة أكّدها القرآن الكريم، لتكون النزاهة أساس العمل، وميزان القرار، وطريق المستقبل.

كل عام والوطن ومؤسساته بألف خير .



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد