شبح ترامب يحوم فوق أوروبا والشرق الأوسط

شبح ترامب يحوم فوق أوروبا والشرق الأوسط

05-01-2026 12:15 AM

توجّس الأوروبيين مما هو قادم أكبرُ بكثير من شعورهم بالإحباط إزاء ما كان حتى الآن على صعيد علاقاتهم مع الأمريكان، وذلك منذ عودة الرئيس ترامب إلى البيت الأبيض في بدايات العام المنصرم، خاصة بعد الإعلان عن الاستراتيجية الأمنية الجديدة للولايات المتحدة، وهي الاستراتيجية التي نصت صراحة على تقاسم النفوذ على المستوى العالمي بين الولايات المتحدة وروسيا والصين، وأُهملت أوروبا بصورة لافتة، بل تم إتهامها بالضعف الاقتصادي، والترّهل السياسي، وإخفاق حكوماتها في حماية هوياتها المجتمعية التي هي في طريق إلى التحول، بل وربما إلى الذوبان، وذلك بموجب ما ورد في الاستراتيجية المعنية.
والطريف اللافت في هذا السياق، هو الاتهام الذي وجهته الاستراتيجية ذاتها إلى الأنظمة الأوروبية بأنها تفرض القيود على حرية التعبير؛ وإشادتها في الوقت نفسه بالقوى اليمينية المتطرفة المتنامية في أوروبا، وهي القوى التي تسعى من أجل الوصول إلى الحكم في عدد من البلدان الأوروبية المهمة مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا وبولونيا. فهذه القوى هي التي ستحافظ على الطابع العرقي وحتى الديني في مجتمعاتها وفق ما يستنتج من استراتيجية ترامب الأمنية التي تذكّر الأوروبيين بما تم في عهد الديمقراطية الهشة بعد الحرب العالمية الأولى 1914-1918 في كل من إيطاليا وألمانيا. والخشية من الجانب الأمريكي هي ألا تكون الاستراتيجية الأمريكية الجديدة مجرد استراتيجية روتينية عابرة، تنسى مع خروج ترامب من البيت الأبيض كما حصل مع استراتيجية بايدن، وقبله أوباما؛ بل الخشية هي أن تؤدي تراكمات جملة الخطوات الفجائية الكبرى التي اتخذها ترامب حتى الآن على المستويات السياسية والاقتصادية والإدارية، سواء في الداخل الأمريكي أم على الصعيد الدولي، إلى تحولات نوعية في التوجهات الأمريكية مع بدايات الربع الثاني من القرن الحادي والعشرين.
فقد تشدّد ترامب في فرض القيود على التجارة مع الأوروبيين عبر التعرفة الجمركية؛ وألزمهم برفع حجم ميزانياتهم الدفاعية؛ وتنصّل من الالتزام بالدفاع عنهم في حال تعرضهم لأي اعتداء، وهو الالتزام الذي تنص عليه معاهدة الأطلسي؛ كما تراجع عن دعمه لأوكرانيا في دفاعها عن نفسها في مواجهة الحرب التي أعلنها عليها الرئيس بوتين قبل نحو أربع سنوات؛ وأبعد الأوروبيين في واقع الحال عن أي دور، أو تأثير فاعل، في منطقة الشرق الأوسط. ومن الواضح أنه ممتعض جداً من حملة الأوروبيين في ميدان الاعتراف بدولة فلسطين، ومطالبتهم بحل الدولتين الذي تنص عليه القرارات الأممية. ومن الملاحظ أن ترامب ما زال مصرّاً على الاستمرار في سياسته المعلنة تجاه الشرق الأوسط التي تقوم على ركيزتين: الأولى تتجسّد في إعطاء الأولوية لأمن إسرائيل، أما الثانية فهي تتمثّل في استنزاف المنطقة مادياً، والاستفادة من موقعها لصالح مشاريع الاستثمار وترتيب الأوراق مع المنافسَيْن المعترف بهما ترامبياً: روسيا والصين، وكل شيء بثمن. أما المسائل الأخرى الخاصة بحقوق الأفراد والجماعات والشعوب فهي جزئيات هامشية، يمكن توظيفها واستخدامها عند اللزوم.
ومن الواضح أن أصحاب المليارات المحيطين بترامب يساعدونه في المضي في سياساته غير الودية تجاه الأوروبيين، وذلك بدعم التيارات القومية والعنصرية اليمينية المتطرفة، والحدّ بمختلف الوسائل من قدرات الأوروبيين التنافسية في مجالات الذكاء الاصطناعي وصناعات التعدين والأدوية والسيارات وغيرها. وما يساعدهم على ذلك هو ترّهل الأنظمة الديمقراطية الأوروبية نتيجة تراكم السلبيات وتأخر المعالجات، وعدم اتخاذ الخطوات المطلوبة في الوقت المناسب للتمكن من التكيّف مع المستجدات الجديدة في العالم. كما أن الخلافات الأوروبية البينية الداخلية تشتت جهودهم، وتضعف قدراتهم على التنافس والتأثير.
ولعل الخطأ الكبير الذي وقع فيه الاتحاد الأوروبي مجتمعاً أنه لم يتمكّن من الوصول إلى حلول مع الروس بخصوص أوكرانيا، وإنما ترك الموضوع للأمريكان، واعتمد مظلة الأطلسي الخيار شبه الوحيد في تأمين الحماية، وأعطى الأولوية لسياسة العقوبات الاقتصادية التي ثبت بأنها لم تكن مؤثرة ناجعة كما كان متوقعاً. هذا في حين أن المنطق السليم يستدعي البحث عن الخيارات الأقل تكلفة، والأكثر قابلية للتطبيق وانسجاماً مع الاعتبارات الجيوسياسية؛ وذلك بناء على المعطيات الملموسة، والتجارب السابقة مع ترامب في فترة رئاسته الأولى. فروسيا هي في نهاية المطاف جزء من العالم الأوروبي رغم تطلعاتها الأوراسية وأحلامها الإمبراطورية، وكان في مقدور الأوروبيين التعامل مع نزق الجار المزعج بأسلوب أكثر مرونة كما فعلت المستشارة الألمانية السابقة انغيلا ميركل، الأمر الذي ربما كان سيمكّنهم من تحاشي الكوابيس التي يسلّطها عليهم ترامب باستمرار، حتى أنهم باتوا يعدّون الأيام، إن لم نقل الساعات في انتظارمغادرته للبيت الأبيض؛ هذا ما لم يتمكن من اختلاق هرطقة دستورية، ويبيح لنفسه الاستمرار في البيت الأبيض فترة رئاسية ثالثة.
ومن علائم حصول تحوّل نوعي في الموقف الأمريكي من أوروبا هو الحرص الواضح من جانب ترامب على امتلاك المفاتيح في منطقة الشرق الأوسط، وتهميش الأوروبيين بمختلف الأشكال، هذا رغم قرب الأوروبيين من المنطقة، وأهمية هذه الأخيرة بالنسبة إليهم من جهة الموقع والثروات والحجم السكاني والعلاقات المشتركة في مختلف المراحل التاريخية. بالإضافة إلى تأثر دول الاتحاد الأوروبي مباشرة بمختلف الأزمات التي تحدث في المنطقة، ويُشار هنا إلى قوافل اللاجئين على وجه التحديد، وهي القوافل التي أثارت وتثير نقاشات سياسية حادة بين الأحزاب القومية المتطرفة، والأحزاب الأخرى التي ما زالت تلتزم القيم الديمقراطية الليبرالية في خطوطها العامة.
وفي موازاة الإبعاد الأمريكي للأوروبيين عن دائرة التاثير في قضايا الشرق الأوسط، يُلاحظ وجود قبول أمريكي واضح بدور للروس خاصة في سوريا رغم الامتعاض الأوروبي الغربي في هذا المجال. وهذا القبول يبدو وكأنه حصيلة صيغة من صيغ التفاهم والتوافق بين ترامب وبوتين بشأن توزيع مراكز النفوذ حول العالم. وهو الأمر الذي يُستشف من استراتيجيته الأمنية المشار إليها.
فالروس ما زالوا في منطقة الساحل؛ ولهم وجود في منطقة شرق الفرات. وقد نسجوا العلاقة على مستوى القمة مع إدارة الرئيس الشرع، التي أعلنت من جهتها التزامها بالاتفاقيات والعقود السابقة مع الدولة السورية التي تم التوقيع على غالبيتها في مرحلة حكم السلطة الأسدية، وهي تشمل تلك الاتفاقيات التي كانت تمثل دعماً صريحاً للسلطة المعنية، وصل إلى حد التدخل العسكري المباشر، خاصة الجوي.
هذا رغم أن واقع الحال يبين بكل وضوح أن القرار الفاعل في الشأن السوري هو بيد الجانب الأمريكي، الذي يمتلك كل الأوراق للضغط على إدارة الشرع، وعلى قسد، وحتى على تركيا، لدفع الأمور نحو تسويات وتوافقات تكون لصالح السوريين، تبدّد هواجسهم بعقود مكتوبة، وتعزز الثقة في ما بينهم بخطوات وإجراءات ملموسة على أرض الواقع؛ وستكون هذه الخطوة لصالح استقرار المنطقة ومستقبل شعوبها. هذا إذا شاء الأمريكان بطبيعة الحال، وكانت مصلحة الشعب السوري بكل انتماءاته، وفي سائر المناطق، أولوية أمريكية في عملية ترتيب الأوضاع في سوريا.
ويُشار في هذا المجال إلى استمرارية مأساة الفلسطينيين خاصة في غزة، وحالة الجمود في الوضع اللبناني، والاعتراف الإسرائيلي بجمهورية أرض الصومال، والتباين السعودي الإماراتي بخصوص الموضوع اليمني، وتجدّد الاحتجاجات الداخلية في إيران. هذه المعطيات والتطورات وغيرها، توحي بأن ملامح «الشرق الأوسط الجديد» الذي يبشر به كل من ترامب ونتنياهو لم تكتمل، أو وربما بكلام أدق، لم تتضح بعد. وما يلقي المزيد من الظلال على الوضع هو صعوبة التكهّن بما يفكّر فيه ترامب وما يعدّه من خطط، سواء بالاتفاق مع نتنياهو وبوتين أم من دونهما.
وفي هذه الأجواء سيكون من الأفضل التعامل مع هذا الوضع الدولي غير المعهود بتماسك داخلي، وتوافق بيني استعداداً للزلازل السياسية المتوقعة مستقبلاً على مستوى منطقتنا والعالم. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الموجة الترامبية ستكون بالنسبة للأوروبيين على الأرجح مرحلية عابرة؛ سيتكيّفون معها إلى أن تختفي.
*كاتب وأكاديمي سوري



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد