جلجامش والأقلمة السردية

جلجامش والأقلمة السردية

05-01-2026 12:16 AM

للأقلمة دورها في بناء سرديات أدبية مبتكرة وأصيلة اعتمادا على ما في التاريخ الأدبي من أصول ومصادر ونماذج. ولا تعني الأقلمة المحاكاة أو التماثل أو التأثر والتأثير، وإنما الأقلمة أوسع من ذلك بكثير. إنها تعني أنَّ النصوص الأصلية هي موئل فني، يُلهم المبدعين إنتاج نصوص أدبية مؤقلَّمة على الدوام. وتعدُّ الملاحم الشعرية أقدم النماذج الدالة على وجود تلك الأصول. ولطول العهد بنظم الشعر الملحمي، صار الارتحال من مكان إلى مكان، والسفر عبر البراري والبحار موضوعا سرديا لا تخلو منه ملاحم العصر القديم، وهو يصاغ شعريا على وفق أبنية بلاغية وإيقاعية خاصة، تحولت بمرور الزمان إلى تقاليد أدبية قارة، هاجرت إلى الآداب القديمة الصينية والهندية والفارسية واليونانية والرومانية.
وهذا كله جزء من فاعلية عمليات الأقلمة الشعرية المستمرة عبر التاريخ الأدبي. ولقد أثرت هذه الآداب القديمة في الأقوام العربية القاطنة شبه الجزيرة، بيد أن التقارب اللغوي بين اللغتين الأكدية والعربية هو الذي جعل انتقال تقاليد أدب وادي الرافدين إلى الشعر العربي أكثر تأثيرا وبشكل طبيعي ومباشر.
وفي مقدمة النماذج الأدبية الرافدينية ملحمة جلجامش التي تركت أثرا في الشعر العربي بما حملته من تقاليد، فيها الرحلة موضوع رئيس، له أهميته في حياة البشر، وإلا هل يقطع الإنسان الفيافي والبحار، وليس لديه أي وازع بالبحث عن المعرفة؟ وهل يتعمد الإنسان مواجهة أهوال المجهول وهو لا يبتغي تحصيل شيء معين يبحث عنه؟
بالطبع لا يجري البحث ضمن مكان معيش اعتاده الإنسان وعرف تفاصيل موجوداته، إنما البحث يجري بالانتقال في الأمكنة البعيدة ضمن زمان قد يطول أو يقصر بحسب المهمة البحثية المنوي القيام بها. ومن هنا تشمخ الرحلة في الشعر العربي ثيمة رئيسة وبالشكلين الشفاهي والتدويني، مما لها صلة بخصائصه الفنية، ومن خلال ذلك تتجلى سائر الثيمات الموضوعية الأخرى مثل البطولة والصداقة والإيثار والشجاعة والفطنة، وما إلى ذلك.
وتعد (المعلقات) مثالا واضحا على أقلمة رحلة جلجامش في الشعر العربي، يدلُّ على ذلك طابعها القصصي أولا، ومفتتحها الرحلي ثانيا، وهو عبارة عن تقليد شعري، به تبدأ القصيدة ومن بعدها تأتي الموضوعات المضمنة في المعلقة، وهي تسرد بتتابع فني، له دوره في إطالة القصيدة، وبالشكل الذي يمنحها بعدا ملحميا. وعادة ما تكون الرحلة في القصيدة المعلقة برية، وفيها الناقة هي الواسطة في الانتقال من مكان إلى مكان. وتتنوع أهداف الشاعر الرحالة ما بين البحث عن الحبيبة كما في معلقة امرئ القيس، أو اكتشاف المجهول من الأماكن الخالية والموحشة كما في معلقة عبيد بن الأبرص، أو إثبات الذات وقوة الشكيمة كما في معلقة طرفة بن العبد.
ويعد «كتاب التيجان في ملوك حمير» – وهو أقدم مدونة نثرية عربية – مثالا متقدما على أقلمة رحلة جلجامش في السرد العربي. ومن يتمعن في حكايات هذا الكتاب، فسيجد أن في الانتقال والسفر والارتحال مؤشرات دالة على ما لذلك كله من دور وأهمية في إطالة العمر كما في حكايات المعمرين لقمان الحكيم وقيس بن زهير. هذا فضلا عن الحكايات التي تؤكد أنَّ للرحلة دورا مهما في بلوغ العز والظفر بالسلطان، فقوم تبع مثلا كانوا يبعثون الجيوش ليحكموا سيطرتهم على مشارق الأرض ومغاربها. وكان ملكهم تبع (إذا أراد أن يخرج في الغزو أو في سفر دعا أهل النجوم وأصحاب العلم والمعرفة، فيسألهم عن علمهم، فيأخذ برأيهم فإذا أمروه أن يسير سار). وفي الكتاب مطولات شعرية كثيرة، فيها تُدوَّن أحداث الرحلة بالتفصيل، ويكون الارتحال ثيمة رئيسة. ومن تلك المطولات قصيدة تتألف من ستة وخمسين بيتا، وتُسرد أحداث الرحلة على لسان الملك تبع وينشدها عبيد بن شرية لمعاوية بن أبي سفيان، ومنها هذه الأبيات:
اجعل الفرقدين والجدي يمني حيث دارت بنات نعش ندور
قد كتبنا مساندا في ظفار وكتبنا أيامنا في الزبور
وذكرت الذي يكون لحيني أن ملكي للباقي المنصور
وألحق عبيد هذه المطولة بواحدة أخرى مؤلفة من اثنين وستين بيتا، يذكر فيها ما وطئه الملك تبع الأوسط من بلدان وما قطعه من فياف:
وإذا سرتُ سارت الشمس خلفي ومعي في الجبال في كل وادي
فطويت البلاد طية برد وثنيت القفار ثني الوساد
ولقد سرت بالمساعدة الغر ببيض مأثورة وصعاد
وحين انتهى عبيد من إنشاد هذه القصيدة المطولة، سأله معاوية عمن هم أبغى وأظلم من تبع؟ فرد عبيد بالقول: «كان في عنف بغيه وجبروته في زمانه. وزاد ما وطئ من البلاد من آثار آبائه وأجداده، وما انتهى من مسيرهم قوة في نفسه وجبروته». وفي هذا أقلمة لمبتغى الملك جلجامش في رحلته نحو المجهول، والمتمثل في إنجاز ما لم ينجزه أحد قبله، وبه يكون له الخلود الدائم.
هذا فضلا عن الحكايات التي فيها يقتفي الأبطال سيرة الملك جلجامش مثل حكاية عمليق الذي أمر ألا تتزوج بكر من جديس حتى يبدأ بها، فأصاب القوم من ذلك ذلٌّ ذليل. ولقد فسَّر ابن منبه كثرة وقائع الانتقال والهجرة في القصص والحكايات القديمة تفسيرات دينية وأخرى واقعية، فمثلا علل سبب انهيار سد مأرب في اليمن أن أهلها دعوا على أنفسهم (قالوا ربنا باعد بين أسفارنا) فأرسل الله السيل. ذلك أن الرجل الواحد منهم كان يمشي تحت ظلال الشجر شهرين، فلا تصل إليه الشمس من كثرة الجنات. وفسَّر ابن منبه سبب تعدد الأمكنة التي وطأتها قبيلة الأزد بالارتحال في الأرض التي ضاقت بهم، فخرج من كل قبيلة منهم ناس.
*كاتبة من العراق



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد