كم هو جميل أن لا تفعل شيئاً

كم هو جميل أن لا تفعل شيئاً

06-01-2026 12:33 AM

في فيلم رحلة إلى إيطاليا لروبيرتو روسيلليني عام 1954، وفي سهرة نابولية تتبادل فيها الطبقة الأرستقراطية ابتسامات مهذبة تخفي لسعات غرور دقيقة، تخرج عبارة إيطالية مثل ومضة: Dolce far niente يتباطأ الحوار عندها، كأن الجملة تعترض طريق اللغة نفسها. يحاول أحدهم أن يشرحها، ثم يعترف أن نقلها إلى الإنكليزية يكاد يكون مستحيلاً، فيلجأ إلى اختزال متردد: «كم هو جميل أن لا تفعل شيئاً». ليست المشكلة في المعجم، فالمفردات متوافرة، المشكلة في الحساسية. هناك لغات تبرر الوقت بما ينتج، ولغات تسمح للوقت أن يكون وقتاً فقط.
فيلم «رحلة إلى إيطاليا» لا يعمل فقط كخلفية سياحية، إنه يضع زوجين إنكليزيين أمام مرآة الجنوب: الآثار، المقابر، الطقوس، الحشود، واليقظة الحسية التي لا تعتذر عن نفسها. يجيئان لبيع فيلا موروثة، فتتحول الرحلة إلى اختبار للزواج حين تسقط عنه أدوات التغطية اليومية. عندها تلمع عبارة الـ «دولتشي فار نيينتي» كفكرة كاشفة: الفراغ ليس راحة فحسب، هو المساحة التي تظهر فيها الحقيقة التي كانت تختبئ خلف اليوميات الباهتة. ومن هنا تبدو تلك العبارة قادرة على أن تهز نظاماً أخلاقياً كاملاً: هل يحتاج الوجود إلى تبرير دائم عبر الفعل، أم أن جزءاً منه يملك حقه في الوجود بلا حجة ولا تبرير.
يولد الإنسان في حالة سكون أولى، بلا مشروع وبلا خطة وبلا خطاب يشرح نفسه. ثم يبدأ التدريب الاجتماعي المبكر في الاتجاه المغاير: تكلم كي تفهم، افعل كي ترى، أنتج كي تحسب، رد كي لا تتهم باللامبالاة. يتحول الانشغال إلى علامة استقامة، ويغدو الفراغ تهمة جاهزة. لذلك، يبدو الامتناع عن الفعل كخروج عن النظام. ومع ذلك، فالامتناع ليس عدماً، إنه ترتيب مختلف للعلاقة مع الزمن. هو قرار أن يظل جزء من اليوم خارج مباريات الأهداف وخارج منطق الأحداث. وهو أيضاً حق في أن تمر بعض الأشياء دون تعليق، وأن تسقط بعض الاستفزازات دون دفاع، وأن يبقى للروح ركن صغير لا يطالبها أحد بأن تشرح نفسها.
هنا تتضح المفارقة التي تمنح الجملة الإيطالية عمقها: عدم فعل أي شيء هو في حقيقة الأمر فعل من نوع آخر، وربما هو جوهر الفعل كله. الفعل المعتاد يتغذى على الأثر وعلى الاعتراف وعلى رجع الصدى. أما الامتناع فيقطع السلسلة، ويوقف اقتصاد الاستجابة الذي يحكم الحياة الحديثة: رسالة واتساب تتطلب رداً، ترند في السوشيال يتطلب رأياً، رأي يستدعي رأياً مضاداً، حضور يجب إثباته بمنشور أو موقف. في العادة، الامتناع لا يثير ضجة. لهذا يبدو بلا تداعيات، بينما تداعيه الأهم أنه يعيد الذات إلى الداخل. لمح الفيلسوف باسكال إلى جذر قريب حين كتب أن شقاء البشر يأتي من عجزهم عن البقاء في غرفة وحدهم، وما يفضحه الفراغ من خوف.
حنة أرندت، في تمييزها بين الفعل والانشغال، تساعد على رؤية الفرق بين حركة تستهلك العمر وحركة تفتح معنى. كثير مما يسمى عملاً ليس سوى تدوير للعجلة. لذلك، يصبح الامتناع تمريناً على الفرز: ما الذي يستحق أن يفعل، وما الذي يستهلكنا فقط. وفي هذا الفرز تنشأ جمالية خاصة، جمالية الاقتصاد في الحركة، جمالية ترك الأشياء تنضج دون دفع، وترك الكلمات تتشكل دون استعجال، وترك الذات تتنفس خارج واجب التبرير. وحتى صموئيل بيكيت، وهو يطيل الانتظار في مسرحه، يومئ إلى قوة ما لا يحدث، وإلى صبر يصنع شكلاً من الحرية.
ومن اللافت أن الجمال يعمل بمنطق مشابه. قد لا يكون فعلاً مقصوداً يصدر عن الجميل، لكنه يحدث أفعالاً في الرائي. رولان بارت، في يومياته عن الحداد، يدون انفعاله بإنغريد بريغمان، بعد مشاهدتها في فيلم لهتشكوك، يقتنص تفاصيل حميمية: نضارة، يدان بسيطتان، أنوثة غير نرجسية، ثم يعترف أن هذا الجمال يوقظ لديه ذكرى الأم ويحرر طبقة عاطفية عميقة. هنا ينهض السؤال: هل الجمال فعل؟ ربما هو حدث، حضور ساكن يطلق سلسلة من الحركات الداخلية، كأن الجمال صورة أخرى لـ «الدولتشي فار نيينتي»، حضور يكفي كي يغير ما حوله من دون استئذان.
عند نزار قباني تصل الفكرة إلى صياغتها العربية الأكثر رشاقة. يقول: «كلماتنا في الحب تقتل حبنا، والصمت في حرم الجمال جمال». الصمت هنا لا يمثل نقصاً في اللغة، الصمت قرار يحفظ التجربة من الابتذال.
بعض الأشياء تفسد حين تفرط في القول، كما تفسد حين تفرط في الفعل. لذلك، يصبح عدم القول فعلاً يوازي جمالية أن لا تفعل شيئاً: مساحة يظل فيها المعنى طرياً وغير مستهلك، ومساحة يظل فيها الجمال جمالاً.
وهكذا تعود العبارة الإيطالية إلى مركزها، بعد أن تغادر حدود المشهد السينمائي: كم هو جميل أن لا تفعل شيئاً. هي دعوة إلى استعادة حق صغير في السكون، وحق في أن يمر الوقت بلا مفاوضات، وحق في أن يحدث الجمال دون شرح، وحق في أن تتوقف الذات عن تبرير نفسها كبرهان دائم. في عالم يساوي بين القيمة والحركة، قد يكون أرقى أشكال الحرية أن تترك بعض الأشياء تمر كما هي، وأن تسمح للحضور أن يكتفي بذاته، وأن تمنح قلبك فرصة أن يبطئ دون شعور بالذنب. هكذا يصير الامتناع فناً للعيش، وربما هو هرب جميل من زحمة الحياة وتحقق وجودي أصيل بعيداً عن ما كل ما حاول الإنسان الوصول إليه مبتعداً عن مضغته الأولى وافتتانه الأول بالظلام والنور في آن.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد