أكاذيب وأصاديق

أكاذيب وأصاديق

07-01-2026 01:32 AM

لا شك أن مستخدمي اللغة العربية ستثيرهم كلمة «أصاديق». أما أكاذيب فهي من المفردات المتداولة ولها تاريخ في العربية. والكلمتان معا جمع لأكذوبة و»أصدوقة». لا أحد سمع «أصاديق»، أو رآها مكتوبة. بل إن الأذن العربية تنفر منها، ولا تستسيغها، ليس فقط لأنها غير مستعملة، ولكن أيضا لأن عبقرية العربية الدالة على حضارة لسانية عريقة يتميز بها الكلام العربي عن غيره من الألسنة، لا يمكنها استعمال وزن صرفي قياسي لهذه الكلمة أبدا.. ولذلك لم تستعمل في العربية، حتى إن كانت الصيغة مقبولة. يعود السبب في ذلك إلى أن أوزان الكلمات العربية، حتى وهي غفل من أي مادة معجمية تحمل في ذاتها معنى، وللكثير منها عدة معان تعرف بالسياق الذي توظف فيه. وبعض المعاني تقبل بعض الأوزان، والبعض الآخر يرفضها، ما دامت تتعارض مع القيم الدلالية التي تحملها اللغة العربية.
فلماذا نجد كلمة: «كذب» تستسيغ وزن «أفعولة»، وتصبح «أكذوبة»، في حين أن كلمة: «صدق»، ترفض الوزن نفسه، فلم يستعمل العرب «أصدوقة»؟ من بين دلالات وزن «أفعولة» المبالغة في شيء مذموم، ومنها أكذوبة الدالة على كثرة الكذب. ولذلك لم تستعمل «أصدوقة»، ولذلك أيضا يقولون فيمن يبالغ في الكذب «كذَّاب». لكن كلمة «صدق» لأنها محمودة لا تحتمل هذه الصيغة، فلا يقولون في وصف الكثير بالصدق بأنه «صدَّاق»، ولكن صَدوق، وصدِّيق». وواضح الفرق بين صيغ المبالغة هذه لمن له حس لغوي. وفي ما يحتمل الصفة المذمومة المخالفة للقيمة الإيجابية، مثل الكذب، استعمل العرب: أسطورة (أساطير)، وأعجوبة (أعاجيب) لما يقع فيهما من الكذب والزيادة المخالفين للمعقول. وفي المقابل نجدهم استعملوا جمع «الأقاويل»، و»الأفاعيل»، وأهملوا المفرد فيهما «أقوولة»، أو «أفعولة»، لأنهما معا تحتملان المبالغة المحمودة والمذمومة في القول والفعل. فبأي معنى يمكننا استساغة «أصدوقة» و»أصاديق»؟

يمكن لوزن أفاعيل في «أصاديق» حمل دلالة الكلمة النقيض أكاذيب لتجسيد ما فيها من مبالغة. وإذا كانت الأكذوبة هي المبالغة في الكذب، فإن «الأصدوقة» هي المبالغة في تصديق الكذب من قبل الكذاب، وهو يعمل على إقناع نفسه قبل غيره بأن ما يقوله هو الصدق، والحقيقة المطلقة. ولذلك تراه حتى وهو يقدم أصاديقه على المٍلأ يتأول، ويدعو لمشاهديه بالهداية، والتصديق. ويمكننا وصف صاحب «الأصاديق» بأنه صدَّاق»، على وزن كذاب لأنه ليس صادقا ولا صِديقا.
إن ما أوحى إلي بهذه الفائدة اللغوية ما يزخر به الفضاء الشبكي المغربي من أكاذيب، مبنية على أصاديق. وأعجبها ما يزعمه المؤرخ وهو يتحدث إلى محاوره محلل الخطاب عن «قرآن بورغواطة» والثناء عليه، والنص المحلل لا وجود له؟ رغم إشارته إلى وجود مخطوطة سيبحث عن رقمها؟ لا أحد يجادل فيما تقدمه كتب التاريخ عن ادعاء النبوة وقرأنها. إنها حقيقة تاريخية. لنسلم بأن للبرغواطيين إمارة، وأن لهم قرآنا بالأمازيغية؟ فهل تاريخ المغرب هو تاريخ برغواطة؟ لماذا التركيز على هذه الإمارة دون غيرها من الإمارات؟ فهل لأنهم قضوا على الأمويين؟ وماذا بعد؟ فحتى برغواطة شاركت في القضاء عليها القبائل الأمازيغية الحرة، والمرابطون والموحدون الذين كرسوا العربية والإسلام في المغرب. فلماذا لا تفتخر النخبة «المورية «العبقرية بابن تومرت، وكتابه «أعز ما يطلب»؟ أليس ابن تومرت أمازيغيا؟ ألم يكتب نصوصا بالأمازيغية؟ أم أن كل ما هو عربي وإسلامي يشكل لهم عقدة أبدية وعلى رأسهم الأمويون؟ يتحدثون الآن عن الاستلاب إلى المشرق. فمن أين جاءت نحلة البرغواطي، وهل كان يعرف أنه «موري»؟ ألم يكن مغربيا مستلهما للهرطقات المشرقية العربية التي قلدها ببلاهة، زاعما أنه النبي، والمهدي المنتظر؟ هل تعدون ابن تومرت بدوره مستلبا للمشرق؟ وهل يقارَن صالح به؟ كان ابن تومرت أكثر وعيا وذكاء في تفاعله مع التيارات المشرقية العربية الإسلامية، وله رؤية خاصة.

ورغم ادعائه أنه المهدي لم يغالِ كما فعل صاحب القرآن، فبنى الإمبراطوية الموحدية، وتُرجم فصل التوحيد إلى اللاتينية، وكان له دور كبير في تاريخ الغرب الإسلامي، ولا علاقة له مع ما يسمونه «الدولة المورية». فلماذا يقول أوثان وسلفيو الهرطقة البرغواطية إن قرآن برغواطة يجمعهم؟ لماذا لا يجمعهم كتاب ابن تومرت؟ هل لأنه بنى الإمبراطورية الإسلامية التي لا مجال لمقارنة إمارة برغوطة وشعوذتها بها وعلى أي مستوى؟ وفي تبرير الفيلسوف والمفكر لقرآن برغواطة تحايل على الجهوية الموسعة والحكم الذاتي، فما العلاقة بين تلك الهرطقة البائدة وهذه الصيرورة التي يعرفها المغرب؟ لماذا يستغل الدستور بشكل انتهازي واختزالي؟ ولماذا لا يركزون إلا على ما هو ضد العربية والإسلام؟ إن ممارسة التقية والنفاق، ونشر الأكاذيب والأصاديق «المورية» يختزلان كل رأسمالهم «العلمي» و»التاريخي»؟ ما معنى التبجيل الزائد للإمارة البرغواطية، التي أبادت معارضي قرآنها؟ أليس في هذا إنكار وتطاول على الدولة المغربية التي تمثل التنوع والتعدد كما يجسد ذلك دستورها؟ أم أن «الدولة» المورية المزعومة التي يؤكد دعاتها، مباشرة، أنها نبتت من الأرض، وضمنيا، لها قرآنها الأمازيغي الذي يجب الافتخار به، ضد ما له علاقة بالعربية وبالإسلام، هي «الدولة» الأزلية؟
ومن أصاديقهم العجيبة: قرآنهم مخطوط في بريطانيا، وفيه سورة تحتوي على علم العلوم؟ و»أحفاد الأمويين» ضد القرآن البرغواطي لأنه تنويري؟ ولذلك يتهمونه بالكفر؟ واللغة «المورية» أصل اللغات، والمغاربة ليسوا عربا، وهلم جرا…
يمكن أن تفتخر ببرغواطيتك. ولك أن تكون ملحدا وعلمانيا ومؤمنا بالأديان الأمازيغية ما قبل الإسلامية، ومعتقدا في قرآن بورغواطة، وترى في ذلك ما يثبت علمانيتك، وموريتك وهويتك، فهذا شأن يخصك. أما المغاربة فيفتخرون بهويتهم المغربية الموحدة والجامعة كما يجسدها الدستور دون تمييز أو إقصاء لأي مكون من مكوناتها، التي تفاعلت وامتزجت لتشكل تاريخها العريق سياسيا وثقافيا، وقدمت التضحيات الجسام للحفاظ على وحدة الوطن وتماسك مواطنيه. أما نشر الأكاذيب والأصاديق التاريخاوية، فلا يكفي تكرارها وتدويرها ليل نهار في الواقع الافتراضي لإقناع أي مواطن مغربي بأنها ستحل المعضلات البنيوية اليومية، كما يعيشها في الواقع، هنا والآن، في البادية والأحياء الهامشية، أو أنها هي التي ستضع المغرب في سياق التحديات والتحولات الراهنة التي تفرضها الهيمنة العالمية والذكاء الاصطناعي؟



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد