الأنماط الثقافية للعنف الاجتماعي بين الشباب

الأنماط الثقافية للعنف الاجتماعي بين الشباب

10-01-2026 10:42 PM

يُعَدّ العنف مفهومًا معقّدًا ومتعدد الأبعاد، ولا يقتصر على استخدام القوة الجسدية فقط، بل يشمل أيضًا التهديد باستخدام القوة أو ممارسة السلطة بطريقة تُلحِق الأذى بالأفراد أو الجماعات، سواء كان هذا الأذى جسديًا أو نفسيًا أو اجتماعيًا أو اقتصاديًا. في العلوم الاجتماعية، يُنظر إلى العنف بوصفه ظاهرة اجتماعية متشابكة تتخذ أشكالًا مختلفة، من بينها العنف المباشر، والعنف البنيوي، والعنف الثقافي، والتي تتفاعل فيما بينها داخل المجتمع. ولا يمكن فهم أنماط العنف بين الشباب دون النظر إلى هذه الأبعاد مجتمعة، إذ إن العنف غالبًا ما يكون انعكاسًا لسياقات ثقافية واجتماعية أوسع.
يلعب الخطاب الثقافي دورًا أساسيًا في تشكيل فهم المجتمع للعنف وفي تحديد ما يُعَدّ سلوكًا مقبولًا أو مرفوضًا. فالثقافة، بما تحمله من قيم ورموز ومعايير ولغة، قد تُسهم في تطبيع العنف أو في تبريره، بحيث يصبح جزءًا مألوفًا من الحياة اليومية. وفي كثير من الأحيان، تُقدَّم أفعال عنيفة في الخطاب الثقافي والإعلامي بوصفها ضرورية للدفاع عن الكرامة أو المكانة الاجتماعية أو الهوية الجماعية. هذا التطبيع لا يُنتج العنف بشكل مباشر فحسب، بل يُضعف أيضًا الحساسية الأخلاقية تجاه آثاره، خاصة لدى فئة الشباب التي لا تزال في مرحلة بناء هويتها الاجتماعية.
ترتبط مسألة شرعنة العنف ارتباطًا وثيقًا بالتمييز بين العنف المبرَّر والعنف غير المبرَّر. فالمجتمعات تضع أطرًا أخلاقية وقانونية تُجيز بعض أشكال العنف، مثل الدفاع عن النفس أو حماية الجماعة، في حين تُدين أشكالًا أخرى تُعَدّ اعتداءً غير مشروع. غير أن هذا التمييز ليس ثابتًا أو موضوعيًا دائمًا، بل يتشكّل اجتماعيًا من خلال السرديات الثقافية والخطابات السائدة. وفي هذا السياق، قد يُنظر إلى بعض الأفعال العنيفة بوصفها ردود فعل مشروعة على الظلم أو التهميش، بينما تُوصَف أفعال أخرى بالعنف الإجرامي، رغم تشابهها في النتائج. هذا التناقض يعكس الدور المركزي للثقافة في تحديد معنى العنف وحدوده.
لا يظهر العنف بين الشباب عادةً كفعل معزول أو فردي، بل يتجلّى ضمن أنماط مترابطة تتداخل فيها عوامل شخصية وأسرية واجتماعية وثقافية. فالتعرض للعنف داخل الأسرة أو في محيط الأصدقاء يزيد من احتمالية تبنّي سلوكيات عنيفة، كما أن الفقر والتهميش ونقص الفرص قد تُسهم في إنتاج أشكال من العنف تُعبّر عن الإحباط أو السعي لإثبات الذات. وتعمل الثقافة هنا كإطار يربط هذه العوامل ببعضها، من خلال توفير “نصوص” اجتماعية تُوجّه كيفية الاستجابة للصراع أو التوتر، سواء عبر الحوار أو عبر العنف.
أدّت التطورات التكنولوجية الحديثة إلى إعادة تشكيل أنماط التفاعل الاجتماعي، وفتحت مجالات جديدة لظهور العنف وانتشاره، خاصة بين الشباب. فقد أصبحت الفضاءات الرقمية مسرحًا لأشكال متعددة من العنف، مثل التنمر الإلكتروني، والتحرش، والتهديد، وانتهاك الخصوصية. وغالبًا ما يُنظر إلى هذا العنف الرقمي على أنه أقل خطورة من العنف المباشر، رغم آثاره النفسية العميقة والممتدة. كما تُسهم وسائل التواصل الاجتماعي في تسريع انتشار الخطابات العنيفة وتضخيمها، من خلال إعادة إنتاج صور وسرديات تُظهر العنف كوسيلة للهيمنة أو الشهرة أو التعبير عن الغضب.
إلى جانب ذلك، تعمل التكنولوجيا على تضخيم القيم والمعايير الثقافية القائمة، سواء كانت داعمة للسلم أو مروّجة للعنف. فالمحتوى الرقمي قد يعزّز صورًا نمطية أو خطاب كراهية، وقد يُسهِم في جذب بعض الشباب إلى جماعات أو أفكار تُشرعن العنف بوصفه وسيلة للتغيير أو لتحقيق الانتماء. وفي هذا السياق، يصبح العنف جزءًا من عملية بناء الهوية، لا سيما في البيئات التي تعاني من ضعف البدائل الإيجابية للحوار والمشاركة.
في المحصلة، لا يمكن فهم أنماط العنف الاجتماعي بين الشباب بمعزل عن الأطر الثقافية التي تُعرّف العنف وتُبرّره أو تُدينُه، ولا عن السياقات التكنولوجية التي تُعيد إنتاجه ونشره. فالعنف ليس مجرد سلوك فردي، بل هو ظاهرة اجتماعية وثقافية تتشكّل عبر تفاعل معقّد بين القيم والمعايير والبُنى الاجتماعية ووسائل الاتصال الحديثة. ومن ثمّ، فإن مواجهة العنف بين الشباب تتطلب مقاربة شاملة تُعالج جذوره الثقافية، وتُعزّز بدائل سلمية للتفاعل، وتُعيد الاعتبار للحوار بوصفه أداة أساسية لحل النزاعات وبناء التماسك الاجتماعي.


ghawanmehameen@gmail.com



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد