أي عالم هذا الذي يترك طفلاً للبرد
لم يكن البرد في تلك الليلة فصلاً من فصول الطقس، كان كائناً كامل الأنياب، خرج من النشرات الجوية ليمارس سلطته على أجساد ولدت بلا حماية. في غزة، لا يأتي الشتاء محملاً بالمطر فقط، يأتي محملاً بسؤال فادح: من سيبقى حياً حتى الصباح؟
الطفل لم يمت لأنه ضعيف، مات لأن العالم قرر أن يكون قاسياً أكثر مما يحتمل جسد صغير. مات لأن الخيمة لا تعرف معنى الجدران، ولأن البطانية صارت رفاهية، ولأن الدفء تحوّل إلى امتياز سياسي. مات لأن أحداً ما، في مكان ما، رأى الصورة ولم يشعر بالبرد!
كان جسده أصغر من أن يحتمل فكرة الموت، وأكبر من أن يختصر في خبر عاجل. لم يعرف اسمه طريقه إلى العناوين، عرفته السماء فقط، حين ارتجفت قليلاً وهي تستقبله. في غزة، الأطفال لا ينامون باكراً، ولا يحلمون طويلاً، ولا يكبرون كما يجب. يكبرون دفعة واحدة، ثم يتوقفون.
قالوا إنه توفي بسبب موجة البرد الشديد. جملة نظيفة، مهذبة، لا تذكر أن البرد وحده لا يقتل، وأن الذي يقتل هو العري القسري، والحصار، وتأجيل المساعدات، والتواطؤ الصامت، واللغة الباردة التي تصف الموت كظاهرة طبيعية.
في غزة، لا يموت الأطفال فجأة، يموتون بالتقسيط. يموتون حين يمنع عنهم الوقود، حين تغلق المعابر، حين يختصر وجودهم في أرقام، حين يطلب من أمهاتهم الصبر بدل الحماية. يموتون حين يقال للعالم إن الظروف صعبة، وكأن الظروف كائن غامض لا اسم له ولا مسؤول.
الأم لم تكن تبحث عن معجزة، كانت تبحث عن دفء بدفء صدرها. حاولت أن تلفه بما توفر، أن تحيطه بما تبقى من جسدها، أن تفاوض الليل على ساعات إضافية. الليل لم يستجب. الليل في غزة لا يعرف المساومة.
حين توقف النفس الصغير، لم يتوقف البرد. استمر في هبوبه، كأنه يعلن انتصاره. وحدها الأم تجمدت. ليس من الصقيع، من الحقيقة. الحقيقة التي تقول إن طفلها لم يقتل بقذيفة، ولم يدفن تحت ركام، ولم يظهر في مشهد دموي، لذلك سيمر موته بهدوء، كأنه لم يكن.
في جنازته، لم يكن هناك صراخ كبير. الحزن في غزة منهك، تعب من كثرة الاستدعاء. الرجال صلّوا وهم ينظرون إلى الأرض، كأنهم يعتذرون منها. النساء بكين بصوت منخفض، لأن البكاء العالي يحتاج طاقة لم تعد متوفرة. والطفل. كان خفيفاً، خفيفاً أكثر مما ينبغي.
أي عالم هذا الذي يسمح لطفل أن يموت برداً، ثم يواصل يومه؟ أي حضارة هذه التي تتقن كتابة بيانات القلق، وتفشل في إرسال مدفأة؟ أي إنسانية تلك التي تتأثر بالصورة، ثم تمررها بإبهامها وتمضي؟
غزة لا تطلب شفقة، تطلب اعترافاً. اعترافاً بأن ما يحدث ليس قدراً، وليس طقساً، وليس كارثة طبيعية. هو نظام كامل بني لينهك، ليجوّع، ليبرّد، ليكسر القدرة على الحياة، ثم يسأل: لماذا تموتون؟
الطفل الذي مات برداً لم يكن ضحية الشتاء، كان ضحية ترتيب عالمي يرى في موته تفصيلاً، وفي بقائه عبئاً. كان ضحية صمت أطول من عمره، وحدود أقسى من جلده، وعدالة تصل متأخرة دائماً.
حين نقول إن طفلاً مات برداً، نحن نقول إن الدفء أصبح موقفاً سياسياً. إن البطانية صارت بياناً. إن الحياة نفسها تحتاج إذن عبور. وفي غزة، الأذونات لا تمنح بسهولة. سيأتي ربيع ما، وستزهر الأشجار، وستكتب الصحف عن مواسم جديدة. غير أن هذا الطفل لن يعود. سيبقى في ذاكرة أمه، وفي ضمير من لا يزال يمتلك ضميراً، شاهداً على زمن فشل في أبسط اختبار وهو حماية طفل من البرد. رحمك الله أيها الصغير. لم تكن ضعيفاً. العالم هو الذي كان بارداً أكثر مما يجب.
حين يصير البرد لغةً أخرى للحصار
ليس البرد في غزة مجرد انخفاض في درجات الحرارة، هو امتحان يومي للبقاء. يأتي بلا موعد، يتسلل من ثقوب الخيام، من أطراف البطانيات الرطبة، من الأرض التي لم تعد تعرف الفرق بين مأوى وقبر مؤقت. في شمال القطاع، حيث الخيام مصطفة كجمل من التعب، يهبّ الهواء محمّلاً بأسئلة لا تجد جواباً: كيف يواجه الجسد العاري شتاء مسلّحاً؟
الخيمة ليست بيتاً، هي اعتذار مؤقت عن غياب الجدران. تقف هناك، مائلة، مربوطة بحبال واهنة. غير أن الريح لا تسمع، والسماء لا تفاوض. المطر يطرق القماش طرقاً متواصلاً، والماء يجد طريقه إلى الداخل كما يجد الحصار طريقه إلى الأعمار. في تلك الخيام، لا يقاس الزمن بالساعات، إنما بعدد المرات التي ينهار فيها السقف القماشي، بعدد الليالي التي يعاد فيها ترتيب الأجساد كي تحتمي ببعضها. الأم تعدّ أبناءها قبل النوم كما يعد الجنود عتادهم، خوفاً من أن ينقص واحد مع الصباح. الأب يخرج ليثبّت عموداً أو يشدّ حبلاً، ويعود مبللاً، لا لأنه مطر فقط، إنما لأن القلق صار ماء إضافياً.
المنخفض الجوي هو عبارة باردة، محايدة، كأنها لا تعرف أن هذا المنخفض يمر فوق أجساد أنهكها الجوع والتشريد. كأن الريح تهب وحدها دون أن تسأل: لماذا لا توجد مدافئ؟ لماذا صار الوقود حلماً؟ لماذا تترك الخيام في مواجهة الشتاء كما تترك القرى في مواجهة النسيان؟
في جباليا، قرب الخط الأصفر، لا شيء ثابتاً سوى الترقّب. الأرض موحلة، والسماء رمادية، والبيوت المهدّمة تراقب الخيام بصمت ثقيل. هنا، لا يطلب الناس دفئاً زائداً، يطلبون الحدّ الأدنى من الإنسانية. بطانية جافة، سقف لا ينهار، ليل بلا رعب.
الأطفال يتعلّمون باكراً أن الشتاء عدوّ. لا يركضون تحت المطر، لا يصنعون من البرك لعبة. يضمّون أكتافهم الصغيرة، ينامون بثياب النهار، ويصغون إلى صوت الريح كمن يصغي إلى إنذار. في عيونهم، خوف أكبر من أعمارهم، وفهم مبكر لمعنى أن تكون مكشوفاً أمام العالم.
الليل هو الأصعب. حين تهدأ الحركة، وتشتد البرودة، تصبح الخيمة كائناً يتنفس بصعوبة. يتسرّب الهواء من كل جانب، وتتحول البطانية إلى حدود أخيرة للدفاع. بعضهم يظل مستيقظاً، لا ليحرس المكان، إنما ليحرس الحياة من الإنطفاء.
غزة لا تعاني من الطقس، تعاني من غياب العدالة. فالبرد لا يقتل وحده، الذي يقتل هو أن يترك الناس بلا حماية، وأن يختصر وجعهم في شريط أخبار، وأن يقال لهم: اصبروا. الصبر لا يدفئ، ولا يمنع المطر من الدخول، ولا يرمم خيمة مزّقتها الريح.
ومع ذلك، في هذا العراء، ثمة ما يشبه المعجزة الصغيرة: الناس ما زالوا هنا. يشعلون ناراً إن استطاعوا، يقتسمون بطانية، يضحكون أحياناً كأنهم يتحدّون الطقس والعالم معاً.
حين يمر الشتاء، سيبقى أثره في الأجساد والذاكرة. سيبقى هذا البرد شاهداً على زمن قرر أن يختبر إنسانية العالم في خيمة. فهل ينجح العالم هذه المرة، أم يكتفي بالمشاهدة من خلف الشاشات؟
*٭ كاتبة لبنانية
مصطفى شعبان يرزق بمولوده الأول من هدى الناظر
كم يحتاج الجسم فعلياً من فيتامين C يومياً
ترامب يفرض رسوما 25% على واردات بعض رقائق الحوسبة المتطورة
مدرب مصر: أتحمل مسؤولية الإقصاء
طقس بارد وصقيع محتمل خلال الأيام المقبلة .. تفاصيل
ماذا قال أبو تريكة عن هزيمة مصر أمام السنغال
ماني .. هزم التوقيت الأفريقي .. وقاد السنغال إلى المجد

