أمريكي يحلّ بالجزائر …ويكتشف حياة خفيّة

أمريكي يحلّ بالجزائر …ويكتشف حياة خفيّة

20-01-2026 12:11 AM

تكتظّ مواقع التّواصل في الجزائر، في السنين الأخيرة، بخطاب لا يخل من عنف لفظي، إلى درجة نظن فيها أن النّاس يتحاربون من خلف جدار، أحد يتّهم الآخر بسبب نقاش في الهوية أو الدّين، وناشطون يوزّعون صكوك حبّ الوطن عمن يشاءون ويحرمون منها من يشاءون، وفي كلّ مرّة نسمع أن المحاكم تنظر في شأن تعليق أو مزحة جرت في الفيسبوك أو تيك توك، في جوّ من التّصادم حتّم على الكثيرين مغادرة هذه المواقع، جراء الضجيج الذي يدور بين جنباتها.
لكن قبل أربعة أيّام انقلبت الأمور وعاد الهدوء، تخلّت الصفحات الكبرى على الفيسبوك عن خطابها المعارض أو في التّحريض، بل صارت مسالمة وفي هدنة، كفّت عن التّراشق بالتّهم وعادت إليها الطمأنينة، بفضل زيارة واحد من مشاهير الـ»سوشيال ميديا» في العالم، والذي يسمّى «سبيد»، وهو شاب أمريكي في الحادية والعشرين من العمر يصل عدد متابعيه على مختلف المنصات (فيسبوك، أنستغرام، تويتش، يوتيوب) ما يقارب 100 مليون شخص. وهو رقم ماهول، لم يسبقه إليه واحد من النّاشطين في الجزائر، بالتّالي فإن زيارته تحوّلت إلى حدث قومي.
وبفضل زيارته كذلك أعدنا اكتشاف البلاد، رأينا فيها أشياء أخفتها عنا التّلفزيونات والمواقع في السنين الماضية. فقد ذهب إلى أعماق الصحراء، وصوّر المغامرة، وهو يتسابق مع جمل، يتذوّق طبق الكسكسي، يطوف في سوق أو يمازح حلاقًا، فرأينا البلاد كما لم نتعوّد على رؤيتها، فالناس في ابتهاج، يقابلون الضيف في ابتسام، يطيلون مع الضحك والشغب والنّكت، يركضون إلى جانبه أو يلتقطون معه صور السيلفي، يدعونه إلى محالهم أو يسألونه عن ميسي أو رونالدو، ويتيحون له الهدايا، وهذا ليس غريبًا على كرم أهل الصحراء، لكنها صحراء تكاد أن تحجب من وسائل الإعلام المحلية، حيث أن هذه الجغرافيا صرنا نكاد لا نسمع عنها، لا نراها سوى كبطاقة بريدية، نرى فيها الرّمل والشمس ولا نسمع سوى قليلا أحاديث ساكنتها.
ثم طار «سبيد» إلى الجزائر العاصمة، وصوّر مغامرته مرّة أخرى وهو يرقص بين رجال ونساء من غير حرج، ويتذوق الأطعمة أو يدلك قطة عثر عليها في الطّريق، في صورة تناقض الصخب الذي تعجّ به مواقع التّواصل في البلاد، التي تكاد تغرق في خطاب من الكراهية، في التّفرقة بين الأفراد، متناسية مخزون الجمال الذي يكمن في بطن الجزائر، وكان يجب أن يحلّ ضيف من أميركا كي نعيد اكتشاف أنفسنا، أن نرى صورتنا في المرآة، وندرك أن الجزائر أجمل مما يجري تصويرها، أنها بلد أوسع ممن يريد حصرها في زاوية ضيّقة. فقد رأينا في فيديوهات هذا النجم الجديد أطفالًا يتكلمون الإنجليزية بطلاقة، ومن لا يعرف الإنكليزية منهم يتكلّم معه بفرنسية وآخرون يعلمونه كلمات بالعربية، رأينا فيها جزائريين في ابتهاج، لا عبوس في وجوههم ولا قلق، بل كان النّاس متصالحين مع أنفسهم ومع الضيف (مع حدث طارئ وقع في ملعب كرة عندما ألقى عليه البعض قوارير مياه، وهو حدث لا يمكن أن يعكّر المشهد العام).
ولقد وصلت صورة هؤلاء الجزائريين، من نساء ورجال، من أطفال وبالغين، إلى عشرات الملايين من مشاهدي «سبيد»، قدّموا صورة عن بلد يلتمس حقّه في الفرح وزهو الحياة، بشكل يناقض ما تعوّدنا عليه في وسائل التواصل المحلية، التي تزرع اليأس في القلوب في أحيان، بدل أن تزرع البهجة في القلوب.
وهذه المشاهد التي رافقت زيارة هذا الشاب الأمريكي رافقتها كذلك تعليقات من نخب ثقافية وسياسية، التي شعرت بأنها تقيم في زمن لا يطابق الزّمن الرّاهن، وأن التأثير على النّاس لم يعد يتأتى من مراكز تقليدية، ولا من خطاب مستورد من سنين ماضية، بل الساحة بات مباحة تحت رحمة المؤثّرين الجدد.

خطاب الكاميرا

إن الحشود التي رافقت «سبيد» في زيارته إلى الجزائر، وملأت الشوارع بالضحك والرّقص، بعدما أخرج النّاس من بيوتهم وهبوّا في استقباله، جعلت واحدًا من القادّة السياسيين، وهو ينتمي إلى تيار متشدّد، يتساءل على الفيسبوك إن كانت التّظاهرة مرخص لها؟ وكأن الجزائريين في حاجة إلى ترخيص من أجل أن يعبروا عن حالة سرور طارئة، وكأن مهمة هؤلاء الساسة إنّما تعكير مزاج الشبان، يحسدونهم على بضع ساعات من المرح والابتهاج، فعندما خرجوا إلى الشارع لم يحتاجوا إلى ترخيص، بحكم أنهم لا ينخرطون في خطّ سياسي، ولا يرجون من فعلتهم مقعدا في البرلمان ولا منصبًا في الحكومة، بل خرجوا بكلّ عفوية، والسؤال الأهم الذي لم يطرحه هذا السياسي: كيف ينجح شاب في مطلع العشرينات من العمر في جمع الآلاف من الجزائريين (من غير حساب الملايين الذين شاهدوا الفيديوهات)، ينجح في ما عجزت عليه أحزاب سياسية؟ والتي تعقد مؤتمرات لها، بعد أن تضخّ فيها أموالًا كبيرة، وتكرّس لها خطّة ترويجية، ثم تنعقد هذه المؤتمرات في قاعات شبه خالية. والجواب بسيط: لأنهم يعيشون في الحاضر بمقاسات الماضي.
لم يستوعبوا التحوّلات التي تجري أمام أعينهم، يتكلمون لغة لا تتلاءم مع المرحلة التي يعيشون فيها. هكذا يكون المؤثر «سبيد» قد أسدى درسًا مجانيًا في السياسة وكذلك وفي الإعلام وأفاد الأحزاب السياسية في الجزائر بأن الشباب يعيشون في زمن الكاميرا وسائل التواصل، لا في زمن الخطابات الرنّانة المطوّلة، أنهم يفهمون لغة من يتحاور معهم، لا لغة من يمارس عليهم وصاية، فزيارة هذا الشاب الأمريكي جعلتنا كذلك نكتشف جزائر خفيّة، لا تلتفت إليها كاميرات التّلفزيون، جزائر أخرى منفتحة على الآخر ومطمئنة له، لا جزائر تعيش في حيرة وسوء فهم كما يروّج لها ناشطون على مواقع التواصل، والذين تستهويهم الحروب وتشويه سمعة النّاس وآرائهم، مما يجلب لهم القليل من المتابعين، ويجعل الغالبية تنفر منهم.

٭ كاتب من الجزائر



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد