الرقابه الشعبية: صمام أمان الدولة لا خصمها

الرقابه الشعبية: صمام أمان الدولة لا خصمها

08-02-2026 03:41 PM

حين تتحول الأزمات من واقع استثنائي إلى خطاب دائم، يصبح الخطر الحقيقي ليس في الأزمة ذاتها، بل في تطبيع الخوف داخل وعي المجتمع. فإدارة الدولة بالأزمات لا تعيش طويلاً من دون بيئة صامتة أو مرتبكة، وهنا تتجلى أهمية الرقابة الشعبية والإعلام الحر بوصفهما خط الدفاع الأول عن وعي الدولة قبل مؤسساتها.
الرقابة الشعبية لا تعني الفوضى، ولا التشكيك الأعمى، ولا استهداف الدولة، بل تعني المشاركة الواعية في حماية المسار العام. فالدولة القوية لا تخاف من مواطنيها، بل تستند إليهم، لأن المواطن الواعي هو شريك في الاستقرار لا عبء عليه. وحين يغيب هذا الدور، تفرغ الساحة أمام الخطاب الرسمي الأحادي، فيصبح الصوت الواحد حقيقة، ولو كان منفصلاً عن الواقع.
في المجتمعات الحيّة، يقوم المواطن بدور “المُساءِل”، لا بدافع الخصومة، بل بدافع الحرص. السؤال ليس تهديداً، والمحاسبة ليست خيانة، والشفافية ليست ترفاً سياسياً. بل على العكس، فإن غياب هذه القيم هو ما يفتح الباب أمام تضخيم الأزمات وتحويلها إلى أداة حكم. فعندما يسأل الناس: لماذا لا تُحل الأزمة؟ وأين ذهبت الوعود؟ وما نتائج القرارات؟ فإنهم يمارسون حقهم الطبيعي في حماية دولتهم من الانحدار.
الإعلام هنا يتحمل مسؤولية مفصلية. فالإعلام الحقيقي ليس منبراً للتهويل ولا منصة للتخويف، ولا صدىً للبيانات الرسمية، بل مساحة عقلانية توازن بين الأمن الوطني وحق المجتمع في المعرفة. الإعلام الذي يكتفي بنقل خطاب الأزمة دون مساءلة، يتحول من سلطة رقابية إلى أداة تضليل، حتى وإن لم يقصد ذلك. أما الإعلام المسؤول، فهو الذي يفرّق بين الخطر الحقيقي والخطر المصطنع، ويقدّم المعلومة بعمق، لا بانفعال.
خطاب التخويف يعيش على العتمة، ويضعف أمام الضوء. وكلما ارتفعت مستويات الشفافية، تقلصت قدرة أي جهة على توظيف الأزمة سياسياً. فالمواطن حين يفهم الواقع كما هو، لا كما يُراد له أن يراه، يصبح أكثر هدوءاً، وأكثر ثقة، وأكثر استعداداً لتحمّل التحديات الحقيقية إن وُجدت. الخوف يولد من الغموض، أما الوعي فيولد من المعرفة.
وسائل التواصل الاجتماعي، رغم فوضويتها، أصبحت اليوم جزءاً من منظومة الرقابة الشعبية. فهي ليست كلها ضجيجاً، كما يُصوَّر أحياناً، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى مرآة تعكس ما يتجاهله الخطاب الرسمي. غير أن خطورتها تكمن حين تُترك بلا وعي، فتتحول من أداة مساءلة إلى ساحة إشاعة. وهنا تبرز الحاجة إلى رفع مستوى الثقافة الإعلامية، حتى لا يقع المجتمع بين تضليل رسمي من جهة، وفوضى رقمية من جهة أخرى.
إن أخطر ما يواجه الدول ليس النقد، بل الصمت. فالصمت الطويل يولّد الانفجار، بينما الحوار يولّد الاحتواء. الدولة التي تفتح قنوات الاستماع، وتمنح الإعلام هامشاً حقيقياً، وتشجع النقد المسؤول، هي دولة تبني مناعة داخلية أقوى من أي خطاب تعبوي مؤقت. فالأمن الحقيقي لا يتحقق بإسكات الناس، بل بإقناعهم.
الرقابة الشعبية الواعية تضع حداً لمحاولات تحويل الوطن إلى “شماعة”. فعندما يعلم المسؤول أن المواطن سيسأل، والإعلام سيفتح الملف، والرأي العام لن ينسى، تتراجع شهية التهرب، ويتقدم منطق الإنجاز. وهنا فقط تعود الأزمة إلى حجمها الطبيعي: حالة تُعالج، لا وسيلة تُستثمر.
إن حماية الدولة لا تكون بإرهاق الناس بالخوف، بل بحمايتهم من الخوف المصطنع. ولا تكون بتخوين الأسئلة، بل بالرد عليها. ولا تكون بتقديس الخطاب، بل بمراجعته. فالدولة التي تُدار بالعقل لا تخشى الكلمة، والدولة التي تثق بنفسها لا ترتبك من النقد.
في النهاية، تبقى الحقيقة الأهم أن الرقابة الشعبية والإعلام المسؤول ليسا خصماً للدولة، بل صمام أمانها. فحين يكون المواطن شريكاً، والإعلام حارساً، والسلطة خاضعة للمساءلة، تتراجع الحاجة إلى الأزمات المصطنعة، ويستعيد الوطن توازنه الطبيعي. عندها فقط تُدار الدولة كما يجب: بالحل لا بالخوف، وبالثقة لا بالتهويل، وبالوعي لا بالأزمات.


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد