في يوم الوفاء والبيعة: قراءة في انتقال الراية من الحسين الباني إلى عبدالله الثاني

في يوم الوفاء والبيعة: قراءة في انتقال الراية من الحسين الباني إلى عبدالله الثاني

07-02-2026 06:05 PM

في لحظات التحول الكبرى في تاريخ الأمم، لا تُقاس القيادة بما تحققه من حضور رمزي، بل بقدرتها على تحويل الإرث إلى مشروع، والذاكرة إلى سياسة، والانتماء إلى استقرار. ويأتي يوم الوفاء والبيعة بوصفه لحظة تأمل وطني في مسار دولة اختارت منذ تأسيسها أن تكون جزءًا من الحل لا جزءًا من الفوضى، وأن تبني قوتها على التوازن لا على المغامرة.

لم يكن الحسين بن طلال مجرّد قائدٍ في زمنه، بل كان مؤسس مدرسة في الحكم تقوم على الجمع بين الشرعية التاريخية والواقعية السياسية، وبين الانحياز للثوابت والقدرة على المناورة في المتغيرات. وحين انتقلت الراية إلى جلالة الملك عبدالله الثاني، لم تنتقل بوصفها رمزًا، بل بوصفها مسؤولية تاريخية في محيط إقليمي لم يعرف الاستقرار إلا استثناءً.
لقد واجه الأردن في العقدين الماضيين اختبارات مركبة، لم تكن في جوهرها أمنية فقط، بل سياسية واقتصادية واجتماعية أيضًا. ومع ذلك، حافظت الدولة على تماسكها، لا لأن التحديات كانت محدودة، بل لأن أدوات التعامل معها كانت متعددة: سياسة خارجية تزن خطواتها بميزان المصالح، ومؤسسة عسكرية وأمنية تعرف أن حماية الداخل لا تنفصل عن قراءة الخارج، وخطاب رسمي ظل يربط بين الاستقرار والإصلاح باعتبارهما مسارين متوازيين لا متناقضين.
في محيط مضطرب، حيث تتغير التحالفات بسرعة وتتآكل مفاهيم السيادة تحت ضغط الأزمات، اختار الأردن أن يبني حضوره الإقليمي على قاعدة الوضوح: لا حياد في القضايا المصيرية، ولا انخراط في صراعات لا تخدم أمنه الوطني، ولا مساومة على ثوابته التاريخية. وقد تجلى ذلك بوضوح في موقفه من القضية الفلسطينية، التي لم تُدرَج يومًا في خانة الملفات القابلة للتكييف السياسي، بل بقيت في صلب التعريف الأخلاقي للدولة ودورها.

إن الدفاع عن حق الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة، وعن القدس باعتبارها قضية عدالة قبل أن تكون قضية سياسة، لم يكن خيارًا ظرفيًا، بل امتدادًا لنهج هاشمي يرى في الاستقرار الإقليمي نتيجة للعدل، لا بديلًا عنه. وفي زمن تتراجع فيه القيم أمام المصالح، حافظ الأردن على توازنه بين الواقعية السياسية والالتزام المبدئي، وهو توازن نادر في جغرافيا مزدحمة بالتناقضات.

ولا يمكن قراءة هذا المسار بمعزل عن الدور المحوري للمؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية، التي لم تكتفِ بحماية الحدود، بل أسهمت في حماية المعنى السياسي للدولة، عبر منع الانزلاق إلى الفوضى، والتصدي لمشاريع العنف المنظم، ومواجهة التحديات المستجدة بأسلوب يجمع بين الحزم والانضباط المؤسسي.

في يوم الوفاء والبيعة، لا يُستعاد التاريخ بوصفه حدثًا منتهيًا، بل بوصفه معيارًا للحاضر. فالدولة التي لا تحوّل ذاكرتها إلى سياسة عامة، تتحول ذكراها إلى طقس فارغ. أما حين يصبح الإرث أساسًا للقرار، وتصبح القيادة استمرارية للرؤية لا قطيعة معها، فإن الاستقرار يتحول من حالة مؤقتة إلى خيار استراتيجي.

إن التجربة الأردنية، في هذا السياق، تقدم نموذجًا لدولة صغيرة في حجمها الجغرافي، لكنها كبيرة في قدرتها على إدارة التوازن بين الداخل والخارج، وبين الثابت والمتغير، وبين الحلم الممكن والواقع الضروري. وهو نموذج لا يقوم على الإنكار، بل على الاعتراف بأن التحديات مستمرة، وأن الاستقرار ليس نتيجة نهائية، بل عملية يومية تتطلب يقظة سياسية ومجتمعية دائمة.

فالراية التي رفعها الحسين لم تبقَ معلّقة في فضاء الذاكرة، بل تحولت في عهد عبدالله الثاني إلى أداة عمل سياسي، تُستخدم لضبط الإيقاع بين الداخل والخارج، وبين الممكن والمطلوب، وبين الحلم والضرورة.
في هذا اليوم، تتجدد البيعة لا بوصفها إعلان ولاء، بل بوصفها عقد ثقة متبادل بين قيادة ترى في الدولة مشروعًا مستمرًا، وشعب يدرك أن معنى الوطن لا يُقاس بما يُقال عنه، بل بما يُصان فيه.
ذلك هو جوهر الوفاء:
أن تتحول الراية من رمز إلى وظيفة،
ومن ذكرى إلى مسؤولية،
ومن تاريخ إلى سياسة.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

الملك يوجه دعوة للرئيس التركي لزيارة الأردن

الأردن وتركيا يصدران بيانا مشتركا في ختام مباحثات الملك وأردوغان

الأهلي يفوز على الجزيرة في دوري المحترفين

مستثمري الدواجن: أسعار الدجاج لم ترتفع والزيادات الأخيرة مؤقتة

نقيب أصحاب الشاحنات: القرار السوري حول الشاحنات يخالف الاتفاقيات

الملك يمنح الرئيس التركي قلادة الحسين بن علي

الملك وأردوغان يؤكدان ضرورة الحفاظ على سيادة الدول

الحكومة تدرس مقترح تعطيل الدوائر الرسمية 3 أيام أسبوعيا

في يوم الوفاء والبيعة: قراءة في انتقال الراية من الحسين الباني إلى عبدالله الثاني

الحاجة إلى نظام عربي جديد .. في زمن التحولات الإقليمية والدولية

متابعة حكومية مع دمشق لقرار الشاحنات الأردنية واعتداءات الرقة

الحكومة تحدد ساعات الدَّوام الرَّسمي خلال شهر رمضان المبارك

المعايطة: التطور الطبيعي للأحزاب هو الطريق لتشكيل حكومات برلمانية

الملك والرئيس التركي يعقدان مباحثات بقصر دولمة بهجة في اسطنبول

نقل 2225 من عناصر تنظيم داعش الإرهابي من سوريا إلى العراق