ما يلزم للكعبة من التعظيم والأدب
ولأنه يلزم كل زائر للكعبة عند مشاهدتها تعظيم شأنها والطواف ببنيانها ،وتقبيل أركانها وعدم صرف نظره عنها، وكمال الأدب معها إذ هي من أعظم الشعائر، فإن - و يا للأسف - انشغال البعض بتلفوناتهم ومخاطبة غيرهم اثناء طوافهم ينافي كمال الأدب والتعظيم .
قال تعالى :{ وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ۖ وَعَهِدْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ﴿125﴾﴾ الى قوله سبحانه { وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴿127﴾ [ البقرة ]
وفي الآيات السابقة وغيرها ما لا يخفى على أحد من التعظيم والتكريم والتبجيل فهي مثابة للناس وأمن وسلام ومحبة ،وطواف وذكر وصلاة .. وما من شك بأن العمرة حج أصغر.
قال تعالى : ( إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلۡمَرۡوَةَ مِن شَعَاۤىِٕرِ ٱللَّهِۖ فَمَنۡ حَجَّ ٱلۡبَیۡتَ أَوِ ٱعۡتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَیۡهِ أَن یَطَّوَّفَ بِهِمَاۚ وَمَن تَطَوَّعَ خَیۡرًا فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ عَلِیمٌ)[سورة البقرة 158]
العمرة لغة :
- زيارة إلى مكاِن عامر مسكون
- عمرة في الدين : أفعال مخصوصة تسمى بالحج الأصغر ، وأفعالها أربعة الإحرام ، والطواف ، والسعي بين الصفا والمروة ، والحلق.
والأدب : هو أعمال وأقوال شرعها القرآن والسنة أو تعارفها النجباء؛ يتكلَّفها المرء ليتزيّن بها.
والفرق بينها وبين الخُلق أن الخلق ما يصدر من داخل المرء، والأدب ما يتكلفه من ظاهره.
وما من شك أن الأدب مع الله يقتضي الأدب مع بيته ،كيف لا والكعبة العظمى نَفَسُ المحبين ونور قلوب العاشقين ،وحنين أفئدتهم وذكر اشتياقهم ولله در منشدهم حيث يقول:
"نَفَس الأحبة نور قلب العاشق طرقت فؤادك يا لها من طـارقِ
بدريةٌ لم تمح آية وجهها شمسيةُ السبحات فجر الغاسقِ
شمراخ (1)سدرة منتهى أهل النهى ..غصن العناق لسر كل معانق
ثنت قضيب قوامها في شامها ريح الصبا بنسيمها المتدافق
وترنحت سكراً ومالت(2) صبوة (3) وتمايلت وتهايلت في الطـابق
في طابق التوحيد بين مغارب بسطت بسائطه وبين مشارق
بُهِتَ الفؤاد لوجهها لما بدت بجمال مخلوق وسطوة خالقِ
خود معانقة لكل معانق منا مفارقة لكل مفارق
ترمي بسهم الفرق عن قوس النهى فتميز بين مفارق وموافق
خمر الجنان لمحسن ولمؤمن حد السنان لفاجر ولفاسق
حجُّ القلوب وبيتها وطوافها عرفاتها ومنى ومسعى السابقِ
والكعبة العظمى التي من حجها أمنت شواهده عذاب الخالق
حجت بيوت الأرض طراً والسماء طوعاً إليها قبل فتق الخافقِ
فلنا إليها كل يوم حجة كهبوب ريح أو كلمحة بارق
وكذا الملائكة الكرام تحجها والأنبياء وكل بر صادقِ
فنفوس أهل الأرض بين عرائس حور تزف لها وبين طوالق
كرمت فأرواح الكرام تزورها بحنين أفئدة وذكر شائق" ( 4)
نسأل الله أن يزيد هذه البيت المشرفة تعظيما وتبجيلا ومهابة وأن يشرف من شرفها ممن زارها واعتمر بها وحجها وقام بشؤون زوارها، وأن يرزق زائريها كمال الأدب مع الله ،ويزيدهم إيمانا ومحبة وبهجة وحضورا ووجدانا.
فعلى من وفقه الله لزيارة بيته أن يعرف قدر هذه النعمة ويحمد الله ويثني عليه، وليعلم أنه قد نزل في ساحة رب كريم عظيم فيلزم الأدب مع الله كما ينبغي .
ألا ترى أن على الضيف أن يلتزم الأدب في بيت المضيف، فلا يرفع نظره إلى ما يكره صاحب البيت، فكيف بك أيها الزائر وأنت في زيارة الرحمن فكن ضيف الله تنال من فضل الله "وحق على المزور أن يكرم زائره ."( 5)
واعلم أن الله غيور فلا يحب أن يشرك معه غيره وخاصة في بيته، فهو أغنى الشريكين.
وإذا كانت الطاعة موصلة إلى الجنة فإن الأدب مع الله موصل إلى محبة الله وقربه
ثمّ إن أهل التربية الروحية جعلوا الأدب عنوان حياتهم، وطريقة تربيتهم للمريدين، فكانوا يتحدثون عن أدب المسلم مع ربه، وأدبه مع بيته الحرام ،ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن كانوا معه، ومع كتاب الله .
وفي هذه المناسبة ابتغاء مشاركتنا بالأجر ،أحببت أن ألفت انتباه من يقصد بيت الله بعمرة أو حج أن يجمع همه وعزمه نحو هدف واحد فقط، وهو الخروج الى بيت الله الحرام قصدا وعمدا، ولسان حاله يقول "إلى الكعبة العظمى وإلا فلا تشد الرحائل" ولذلك فلا يولي شطره الى أي مكان أخر ،بل يولي وجهه ورحلته نحو بيت الله الحرام عملا بقوله تعالى{ ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام " } واقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكي يدخل في من قال تعالى عنهم :{ ًۚ وَمَن یَخۡرُجۡ مِنۢ بَیۡتِهِۦ مُهَاجِرًا إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ یُدۡرِكۡهُ ٱلۡمَوۡتُ فَقَدۡ وَقَعَ أَجۡرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًا رَّحِیمًا}[سورة النساء 100] كتب الله لكم السلامة والأجر وطول العمر .
فالمعتمر في ذمة الله من حين خروجه من بيته إلى حين عودته، ولا ينال هذا الأمر إلا من خرج قاصدا ومتوجها نحو الكعبة دون أي وجهة أخرى ثم إذا وصل الميقات يحرم من ميقات بلاده أي الميقات الذي مر منه
ولا تغتر أخي المعتمر بمن يذهب إلى العمرة ويخرج من بيته متجها نحو مدينة اخرى غير مكة والمدينة المنورة،فيقدم زيارة الأصدقاء على زيارة الكعبة المشرفة ، وربما شغله شاغل فلم يعتمر، فليس ذلك من كمال الادب ،ثم لا جناح عليه بعد أدائه مناسك العمرة وزيارة المصطفى ،أن يذهب لزيارة أصدقائه ويشهد منافع له، وألفت انتباه من قصد زيارة بيت الله الحرام قصدا وعمدا، لعمرة أو حج بأربع ملاحظات :
الأولى: أن العمرة هي قربة من القربات ومن أعظم القربات وخاصةً في هذه الايام التي تسبق رمضان، وفي رمضان أيضا، والناس يأتون باشتياق الى الكعبة ولكن لسوء الحظ ومن المؤسف ان بعضهم بعد أن وفقهم الله وإذ هم بجوار الكعبة وفي لحظة قدسية فارقة تطير لها القلوب شوقا، فعرض عليهم في القرب عارض من البعد، وفي الفكر عارض من السهو ،قطعتهم عنها وذلك فيما يتخذونه من الاتصال بأهليهم ،وشاهد ذلك ما تراه من احوالهم فإذا بهم يُخرجون الجوالات مخاطبين ومنشغلين عنها بمن يتواصلون معهم ( نحن هنا... ونحن هنا...) أو يسجلون ذلك ، وكان المفترض بهم أن يجمعوا حواسهم ومشاعرهم لمخاطبة الله بحضور قلب ويشغلوا جوارحهم بطاعته ونظرهم بمشاهدة بيته المشرفة، (فما أنت إلا في مقام الأدب)، فلا ينبغي أن تصرف نظرك عما أنت فيه فالطواف مثل الصلاة قال تعالى ( ٱلَّذِینَ هُمۡ فِی صَلَاتِهِمۡ خَاشِعُونَ وَٱلَّذِینَ هُمۡ عَنِ ٱللَّغۡوِ مُعۡرِضُونَ)[ المؤمنون 1 - 3]
وقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «لا يزال الله عز وجل مُقْبِلا على العبد وهو في صلاته، ما لم يلتفت فإذا التفت انصرف عنه». (6) ولا يقول أحدنا بأن الطواف غير الصلاة فإن ذلك مجاف للحق فلا تختلف على الصلاة إلا بجزئية أقتضتها طبيعة الطواف قال صلى الله عليه وسلم《 الطواف بالبيت صلاة إلا أنكم تتكلمون فيه》لا يعني ذلك الاسترسال باللغو فحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم قيد للاهتمام بالطواف والابتعاد عن اللغو والرخصة فيما لا بد منه من قليل الكلام لرفع المشقة .
الثانية تتعلق بكيفية الطواف :
ولأن الطواف من أعظم وسائل إقامة ذكر الله فإن فهم شروطه وأحكامه ضروري لصحة هذه العبادة، وعلى الطائف ان يشتغل بذكر الله والدعاء الذي يملأ قلبه بالسكينة والطمأنينة ويحرص على أدائه على نحو صحيح :
يبدأ من محاذات الركن الأسود ، جاعلا الكعبة على يساره اثناء طوافه أي (عكس عقارب الساعة ) حتى تمام سبعة أشواط كاملة ابتداء بالحجر الأسود وانتهاء به مواليا بين الاشواط دون فاصل، وينبغي ان تكون السبعة الأشواط كاملة بهذه الكيفية دون أن تسقط منها خطوة، أو يمشيها دون الكيفية المذكورة ،فإن وقعت خطوة او خطوتين او اكثر باتجاه غير الاتجاه المقرر للطواف رجع المعتمر بعمرة غير صحيحة، أو الحاج يرجع بحج غير صحيح، على سبيل المثال نجد البعض أثناء الطواف يذهب للمزاحمة لاستلام الحجر الاسود او استلام ستار الكعبة او الباب أو استلام مقام ابراهيم فيزدحم مع الطائفين، مما ينتج عنه - غالبا - تغير وجهته اثناء الطواف فبدلا من أن يمشي وجهته اليسرى نحو الكعبة مشى وجهته اليمنى نحو الكعبة، ومن الملاحظ أن بعضهم يجعل وجهه مقابلا لوجوه المرافقين له لكي يرددون بعده بالدعاء، وهو يطوف القهقرى فهذا طواف باطل، وقد نوه على ذلك الإمام النووي في كتاب الإيضاح ، و مع وجود الزحام، يكفيه أن يشير إلى الحجر ويكبر، فلا يعذر الطائف اذا ترك خطوة أو خطوتين من أي شوط من الأشواط او( مشاها) القهقرى دون الكيفية المقررة ،ومن أراد استلام الركن أو جزء من الكعبة فليجعل ذلك بعد تمام السبعة الأشواط .
ويسن له صلاة ركعتين خلف مقام ابراهيم أو في أي مكان في المسجد
الثالثة :
لسوء الحظ، أن بعض المصلين في صحن الكعبة يجعلون نظرهم الى محل سجودهم، والاولى أن يكون نظر المصلي الى الكعبة؛ لأنها امامه، فالمصلي البعيد من الكعبة يتوجه نحوها ويستحضرها في مخيلاته، لكن إذا حضرها فليقر بها عينا، ومن إساءة الأدب بعضهم يكون جالسا جوار الكعبة ويمد قدميه نحوها، فهل هان عليه ذلك - حاشا لله - ¡ لكن هو السهو وعدم الانتباه فلا يناسب الحال ( أن يمد أبو حنيفة قدميه ولا يبالي ) . نسأل الله أن يلزمنا حسن الأدب .
الملاحظة الرابعة:
من المعلوم أن أي عبادة ممكن أن يؤديها المسلم في أي مكان إلا الطواف فلا يكون الا حول الكعبة، لذلك يقتضي على من وصل الى هذا المكان الإكثار من الطواف، ولتحقيق ذلك بيسر، فينبغي حسن إدارة الوقت بأن يخصص ثلثا من زمن اليوم للطواف(8 ساعات) وثلثا للنوم (8 ساعات) وثلثا للأكل والشرب والراحة (8 ساعات).
قال تعالى " ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم " فكل دورة تؤديها حول البيت العتيق تحكي قصة إيمان عميقة وارتباط روحاني بتاريخ الأنبياء والصالحين
لاحت لوائح جمالها لعين مشاهديها فما أحلاها !
طلعت بطلعتها البهية فما أبهاها ¡
تا الله ما أحلى الطواف بها !
وما أسعدها من لحظة وما أطيبها
ليت شعري من اغتنم فرصة وجوده!
ويا سعد من أبصر حسنها في دجى اليالي
وهي تنادي :
أين عشاقي .. أين عشاقي .
فعندئذ حارت عقولهم في دائرة فلكها
وطارت قلوبهم بأشواقها وحبها
وارتاحت أرواحهم بسكر ذوقها وشربها .
فهنيا لك يا من عرفت قدرها إذ كشفت لك عن جبينها فطفت ببنيانه، فقابلتها وشممتها، وضممته ،ولثمتها لثم الحبيب لطيفا ،فسرت إليك لطائفٌ من حبها فنلت منها المرام،
ثم ما أجمل أن تختم ذلك بزيارة خير الأنام، ابن الحطيم وزمزم عليه أفضل الصلاة والسلام، فزيارته من اعظم القربات ومن أجل الشفاعات لقبول الأعمال والطاعات، فهو مسك الختام، افترض الله عل علينا الصلاة والسلام .فاقصد زيارته لفرض السلام عليه والصلاة في مسجده فهو شطر كلمة التوحيد والتنزيه عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم .( 7)
نسأل الله العظيم أن يوفقكم ويتقبل منكم ويكتب لنا حج بيته وزيارة نبيه في كل عام .
هوامش :
(1 )شمراخ : أعالي السحاب .
( 2) مال إلى الشيء أو الشخص : رغب فيه وأحبه.
(3) الصبوة : الحنين والشوق .
( 4)الشيخ أحمد بن علوان كتاب الفتوح
( 5)رواه الطبري وصححه الهيثمي والسيوطي فيمن أتى المسجد فهو زائر الله
(6 ) - أخرجه أبو داود، والنسائي .
(7 ) انظر فرض السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم /للكاتب صحيفة السوسنة
استقالة سفيرة النرويج في الأردن على خلفية علاقتها بجيفري إبستين
مانشستر سيتي يقلب الطاولة على ليفربول ويحافظ على آماله بإحراز اللقب
اتحاد عمّان يتجاوز شباب بشرى في الدوري الممتاز لكرة السلة
حماس: الاحتلال يسعى لابتلاع الأرض الفلسطينية
الإنجليزية يتفوق على الجليل في الدوري الممتاز لكرة السلة
الوطنية الفلسطينية: القرار الإسرائيلي هو الأخطر بشأن الضفة الغربية
ولي العهد يشيد بهدف الفاخوري الأول مع بيراميدز
الأردن .. دعوات لحظر استخدام الأطفال لمنصات التواصل دون سن 16 عاماً
استشهاد سيف الإسلام القذافي أكبر استفتاء على نكبة 17 فبراير
وزارة الثقافة: السردية الوطنية ستكون متاحة بعدة لغات
كامل الشّعلان والد الأديبة أ. د. سناء الشّعلان في ذمّة الله تعالى
رمضان أقبل فأهلاً… أهلاً رمضان
الين يتراجع قليلا بعد فوز ائتلاف رئيسة الوزراء في الانتخابات
فضيحة إبستين تتوسع: رجال أعمال نافذون في مراسلات وصور مقلقة
الأردن ومصر: جبهة واحدة في وجه التهجير وصون السيادة
مدعوون لإجراء الإمتحان التنافسي في وزارتي الداخلية والثقافة
تهديدات ترامب لإيران… حين تتكلم السياسة بلغة الذهب
الفراية يتفقد سير العمل في مركز حدود جابر
مهم من الحكومة بشأن قضايا العنف الأسري
هل هناك محرض على الجريمة .. أسرة شعراوي تكشف المستور
حبس ابنة حسني مبارك المزعومة .. قضيتها تهز المواقع
فيروس نيباه .. خطر عالمي يفتقر للعلاج واللقاح المعتمد
إليسا تحيي أمسية رومانسية مع مروان خوري
كارلسون: وادي رم أحد أجمل الأماكن على وجه الأرض
الصحة العالمية بحاجة لمليار دولار لمكافحة أزمات العالم الصحية في 2026
