الأردن في أسبوع: إدارة التوازنات قبل أن يطلع الهلال

الأردن في أسبوع: إدارة التوازنات قبل أن يطلع الهلال

15-02-2026 12:31 AM

أنهى الأردن الأسبوع الممتد من 8 إلى 14 شباط 2026 وهو يتحرك داخل مساحة رمادية كثيفة، في مشهد عام ملتبس ومحسوب الإيقاع، تتقاطع فيه السياسة مع الاقتصاد، والسيادة مع الإدارة، فيما يلوح رمضان كموعد اجتماعي لا يحتمل أخطاء في التقدير أو رفاهية التجريب. لم يكن الأسبوع أسبوع قرارات فاصلة بقدر ما كان أسبوع اختبار للاتجاهات؛ فُتحت فيه الملفات الثقيلة دفعة واحدة، ووُضعت في العلن، كأن الدولة تختبر المزاج العام قبل الانتقال من مرحلة النقاش إلى لحظة القرار.
في الاختبار المؤجل للضمان الاجتماعي، عاد القانون إلى صدارة المشهد، تحت سؤال الإصلاح أم إعادة الضبط، محمّلًا بحساسية مزدوجة مالية واجتماعية. مقترحات رفع سن تقاعد الشيخوخة تدريجيًا إلى 63 عامًا للرجال و58 للنساء أعادت إشعال النقاش تحت القبة وفي الفضاء العام، بين قلق مشروع من أي مساس بالحقوق التقاعدية، وإصرار حكومي على أن الاستدامة المالية للصندوق لم تعد ترفًا قابلًا للتأجيل.
غير أن الإشكالية لا تكمن في النصوص المقترحة بحد ذاتها، بل في فجوة الثقة. فكل تعديل يُقرأ شعبيًا بوصفه تقليصًا، حتى لو قُدِّم تقنيًا كتصحيح مسار. ومع اقتراب رمضان، يصبح أي قرار غير محسوب عبئًا اجتماعيًا مضاعفًا، ما يفرض على الحكومة خطابًا أوضح، وإدارة الملف بشفافية استثنائية، وفتح قنوات شراكة أوسع مع النقابات والرأي العام، بدل الاكتفاء بالشرح بعد اتخاذ القرار.
وفي ثورة الدوام المقترحة بين التحديث والمغامرة، فجّرت الحكومة نقاشًا واسعًا باقتراح تعديل نظام العمل الأسبوعي إلى أربعة أيام عمل مقابل ثلاثة أيام عطلة، مع سيناريوهات تشمل اعتماد الأحد عطلة رسمية، وتحويل دوام الجمعة إلى عمل عن بُعد أو مرن، مقابل زيادة ساعات العمل اليومية.
الطرح يعكس محاولة حكومية للتفكير خارج القوالب التقليدية، ومجاراة تحولات سوق العمل وأنماط الإنتاج، كما يعكس رغبة رسمية في تحديث الإدارة العامة وتقليل الكلف التشغيلية، وتخفيف الازدحامات الخانقة، وتحسين التوازن النفسي للموظف.لكن المقترح يفتح في المقابل بابًا واسعًا للتساؤل: هل البنية الرقمية جاهزة؟ وهل يستطيع القطاع الخاص مجاراة هذا التحول دون اختلال؟ ثم ماذا عن هوية يوم الأحد في مجتمع ما تزال إيقاعاته الاقتصادية مرتبطة بالمنطقة؟ القرار، إن اتُّخذ، لا يحتمل القفز؛ بل يحتاج إلى تجريب مرحلي محسوب، وإلا تحوّل من تحديث إداري إلى عبء اقتصادي إضافي.
في ملف لا يقل حساسية، حيث الاستثمار يقف على خط السيادة، فقد فجّر توقيع اتفاقية امتياز لإدارة ميناء العقبة مع مجموعة موانئ أبوظبي، بنسبة 70% ولمدة 30 عامًا، نقاشًا وطنيًا حادًا تجاوز الاقتصاد إلى سؤال السيادة ذاته. الحكومة تقدّم الاتفاق بوصفه شراكة استراتيجية قادرة على رفع الكفاءة وتحويل العقبة إلى مركز لوجستي إقليمي، مدعومة بتدفقات استثمارية معتبرة.
في المقابل، برزت مخاوف من خصخصة المرفق البحري الوحيد للمملكة، وما قد يترتب على ذلك من أسئلة سيادية تتعلق بالتحكم في سلاسل التوريد والقرار الاقتصادي. والحقيقة أن الجدل لا يدور حول الاستثمار بحد ذاته، بل حول حدوده وضماناته؛ فالسؤال ليس من يدير، بل ما حدود الإدارة؟ من يملك القرار السيادي؟ وكيف تُحمى المصلحة الوطنية على المدى الطويل؟ غياب التفاصيل الكاملة هو ما غذّى الجدل، لا الاتفاق نفسه.
وفي البرلمان تحت ضغط التمثيل والمحاسبة، لم يكن قرار فصل النائب محمد الجراح بقرار قطعي من المحكمة الإدارية العليا حادثة فردية، بل كاشفًا لخلل بنيوي أعاد تسليط الضوء على هشاشة العلاقة بين السلوك النيابي وقواعد المحاسبة. الجدل لم يتوقف عند الفصل، بل تمدد إلى سؤال الخلافة: من يمثل الدائرة؟ وكيف يُملأ الفراغ دون اختطاف الإرادة الشعبية تحت عناوين حزبية فضفاضة؟
هذا التطور أعاد فتح نقاش أعمق حول قانوني الأحزاب والانتخاب، حيث أثبتت التجربة أن المقعد النيابي ما يزال أسير الفردية والاصطفافات الضيقة، ما يجعل كل أزمة شخصية تتحول إلى أزمة سياسية عامة. إعادة النظر في هذه القوانين لم تعد مطلبًا نخبويًا، بل شرطًا لازمًا لاستقرار العمل النيابي ذاته.
وسط هذا الزحام، برز الزخم الملكي من واشنطن إلى سحاب كعامل ضبط إيقاع في أسبوع مزدحم بالأسئلة. زيارة جلالة الملك إلى واشنطن جاءت في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، محمّلة بملفات القضية الفلسطينية وثوابت الدور الأردني، إلى جانب تأمين مظلة دعم اقتصادي في ظل إدارة أمريكية جديدة لا تزال سياساتها قيد التشكل. الزيارة لم تكن بروتوكولية، بل تموضعًا سياسيًا استباقيًا في لحظة إقليمية سائلة.
داخليًا، حمل لقاء سمو ولي العهد مع أهالي سحاب رسالة موازية في مضمونها وأدواتها: سياسة القرب والاستماع المباشر، وربط المستقبل بالتدريب المهني وتكنولوجيا الإنتاج، بعيدًا عن الخطاب الإنشائي. اللقاء أعاد التأكيد على أن التنمية لا تُدار من المركز فقط، بل تُبنى من القواعد الاجتماعية والاقتصادية، في توازن مدروس بين الداخل والخارج.
ومع اقتراب رمضان والأسواق تحت المجهر، كان هذا الأسبوع بامتياز أسبوع التموين. قلق استباقي في الأسواق، لكن مع استقرار لافت في أسعار الدواجن واللحوم مقارنة بعام 2025 ورقابة مشددة من مؤسسة الغذاء والدواء التي أتلفت كميات كبيرة من المنتجات المخالفة قبل وصولها إلى المستهلك. في هذا التوقيت، بات كل قرار اقتصادي أو إداري يُقاس بميزان اجتماعي أدق: إما تهدئة محسوبة، أو قرارات متسرعة تُرحَّل كلفتها إلى الشهر الفضيل.
وفي خلاصة أسبوع فتح الملفات دون حسمها، يمكن القول إن الأردن لم يتخذ قرارات كبرى بقدر ما وضع نفسه أمام أسئلتها الصعبة. دولة تقف على أعتاب مرحلة إصلاحية دقيقة، بين تغيير أنماط العمل، وإعادة ضبط منظومة التقاعد، وجدليات السيادة والتمثيل السياسي. أما المواطن، فيبقى معادلة التوازن الأصعب: عينه على جيبه… وعينه على الهلال.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد