القرآن الكريم: أحرف وقراءات

القرآن الكريم: أحرف وقراءات

25-02-2026 12:30 AM

اهتم العرب قبل الإسلام بالشعر، واعتبروه ديوانهم الذي سجلوا فيه أخبارهم وآثارهم وأيامهم وحياتهم في مختلف تجلياتها. ومتى نبغ لدى قبيلة من القبائل شاعر أقاموا الأفراح والولائم احتفاء باللسان الذي ينطق بمناقبهم. وكان لكل شاعر راو يروي قصائده، وينشرها على الناس حيثما وجد. ولكننا مع ذلك لا نعرف اليوم كيف كان يلقي الشاعر قصيدته، ولا كيف كان يؤديها الراوي نيابة عنه.
قد نجد في صنعات بعض الدواوين الشعرية ما قبل الإسلامية، وحتى بعد الإسلام، اختلافات في تدوين بعض الكلمات وروايتها، ولكننا لا نعرف كيفية النطق بها حسب اللهجة التي كان يستعملها الشاعر تبعا للقبيلة التي ينتمي إليها. لكننا مع القرآن الكريم أمام وضع مختلف جذريا. فنحن نقرأ القرآن الكريم، إلى اليوم، بالطريقة التي قرأ بها الرسول (صلى الله عليه وسلم) القرآن الكريم للصحابة الذين تلقوا عنه هذه القراءات، وهي متعددة بتعدد الأحرف والقراءات التي أنزل بها القرآن الكريم. لا يتعلق الأمر فقط بخصوصية القرآن الكريم في هذه المسألة مقارنة مع الشعر العربي، ولكن أيضا عن كل النصوص التي وصلتنا، بلغات متعددة، من عصور غابرة. فلا نجد أمامنا سوى الصورة التي انتهت إليها مع الكتابة والتدوين.
لا بد لنا للوقوف على هذه الخاصية «القرآنية» المميزة من الانطلاق، من إبراز الفرق، أيضا، بين الحديث النبوي والقرآن الكريم على هذا المستوى. إن مقارنتنا القرآن الكريم بالشعر العربي، يمكن أن نوسعها للتمييز بين القرآن الكريم والحديث النبوي، إذ لم نعرف الطريقة التي كان يؤدى بها الحديث النبوي، ولا نجد الحديث عن الأحرف السبعة، والقراءات العشر، عندما نتحدث عن الحديث النبوي إسوة بما ألفناه متعلقا بالقرآن الكريم، وبغيره من النصوص البشرية.
يتجلى لنا هذا التمييز بجلاء بين صوتين تم من خلالهما نقل النص القرآني والحديثي. هذان الصوتان هما: القارئ بالنسبة للقرآن الكريم، والراوي بخصوص الحديث النبوي. إن القارئ هو من سمع من الرسول الآية، أو السورة، كما أنزلت عليه. أما الراوي فهو من يروي الحديث عمن سمعه منه متصلا بالرسول الكريم. وكان المسلمون يكتبون القرآن الكريم، ولم يكتبوا الحديث النبوي بأمر من الرسول كيلا يختلط بالقرآن الكريم. وكان طبيعيا أن يتعدد قراء القرآن الكريم وفق ما أقرأهم إياه الرسول في حياته، وأن تتعدد روايات الحديث تبعا للرواة الذين سمعوه مرفوعا إلى الرسول بعد وفاته، من عدة رواة انتهى إليهم هذا الحديث أو ذاك. ومن هنا يبرز لنا الفرق بين القارئ والراوي. ولهذا السبب كان من الضروري بروز علوم القرآن، ومن بينها علم القراءات، وعلوم الحديث التي تشدد في أصناف الرواة وأنواعهم ودرجة الثقة التي يمكن أن يحظوا بها في تدوين الحديث.

لقد تعدد متلقو القرآن الكريم مباشرة من الرسول (صلى الله عليه وسلم) لأنهم كانوا من قبائل شتى. ولذلك تعددت القراءات القرآنية. «عن عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ (رضي الله عنه) قال: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَاسْتَمَعْتُ لِقِرَاءَتِهِ، فَإِذَا هُوَ يَقْرَأُ عَلَى حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ، لَمْ يُقْرِئْنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَكِدْتُ أُسَاوِرُهُ فِي الصَّلَاةِ، فَتَصَبَّرْتُ حَتَّى سَلَّمَ، فَلَبَّبْتُهُ بِرِدَائِهِ، فَقُلْتُ: مَنْ أَقْرَأَكَ هَذِهِ السُّورَةَ الَّتِي سَمِعْتُكَ تَقْرَأُ؟ قَالَ: أَقْرَأنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقُلْتُ: كَذَبْتَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَدْ أَقْرأَنِيهَا عَلَى غَيْرِ مَا قَرَأْتَ، فَانْطَلَقْتُ بِهِ أَقُودُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقُلْتُ: إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ بِسُورَةِ الْفُرْقَانِ عَلَى حُرُوفٍ لَمْ تُقْرِئْنِيهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَرْسِلْهُ، اقْرَأْ يَا هِشَامُ، فَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَذَلِكَ أنْزِلَتْ، ثُمَّ قَالَ: اقْرَأْ يَا عُمَرُ، فَقَرَأْتُ الْقِرَاءَةَ الَّتِي أَقْرَأَني، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ، إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَاقْرَؤوا مَا تَيَسَّرَ مِنْه».

تعددت مواقف العلماء المسلمين واختلفت من الأحرف السبعة، وتباينت مواقفهم من تفسيرها، وصنفت عشرات الكتب التي تدقق فيها، وفي علاقتها بالقراءات السبع أو العشر، من لدن المسلمين والمستشرقين قديما وحديثا. فبعضهم رآها متصلة بأنواع الخطاب القرآني ومقاصده، واعتبرها غيرهم لهجات بعض القبائل التي أقرأها الرسول، سورا وآيات من القرآن الكريم وفق طريقة خاصة بتلك اللهجات التي تختلف في ما بينها في الفتح، والإمالة، والترقيق والتفخيم، والإظهار، والإدغام، ونحوه، أي على المستوى الصوتي، أو على ما يتصل بالمستوى الصرفي أو النحوي، من دون أن يكون لذلك أثره على المعنى. فيراها تعبيرا عن أنواع من الخلافات، التي تميزت بها القراءات السبع أو العشر.
لقد وقف المصنفون على مختلف أوجه الخلافات بين الأحرف والقراءات وعلى المستويات اللسانية كافة، بهدف كشف أوجه اللقاء والاختلاف بينها وفق مجهودات علمية دقيقة تجمع بين الرواية والدراية. وقد عمل صاحب كتاب «تسهيل علم القراءات من طريق الشاطبية والدرة والطيبة» (2009)، وعبر حوالي 750 صفحة على تجميع مختلف الآراء القديمة والحديثة. ونستشف من عمله هذا أن الباحثين الإسلاميين لم يكونوا يخافون من الاختلاف، لأنهم كانوا يرومون حقيقة التنزيل، فكانت نقاشاتهم مبنية على وضوح الرؤية ونبل المقصد. ولا شك في أن هذه المجهودات كشفت على أصالة القرآن الكريم، وأن ما وصلنا من قراءات وأحرف، هي مما كان متداولا زمن الرسول، ولم يتأت هذا لأي نص غيره من النصوص.
إن راوي الحديث لم يختلف عن قارئ النص القرآني. لقد بذلا معا من الجهد مما لم يبذله رواة الشعر العربي، أو التراث العربي في مختلف المجالات، وإن استفادوا منهما في تدوين التراث. ولهذا السبب ظل القرآن الكريم والحديث النبوي موضوعي علوم تتطلب منا تجديدها وتطويرها بالاستفادة من العلوم الجديدة خدمة لهما بما يتلاءم مع العصر.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

الاستهلاكية العسكرية تعلن توفر زيت الزيتون التونسي في اسواقها

مهم للباحثين عن عمل .. مدعوون للامتحان التنافسي والمقابلات الشخصية

تفاصيل تحبس الأنفاس لإنقاذ الطفل عبد الرزاق من بئر بعمق 30 مترًا .. فيديو

وظائف شاغرة ومدعوون للاختبار التنافسي في الحكومة

إطلاق موقع إلكتروني لمراكز الخدمات الحكومية

إعلان نتائج القبول الموحد لمرحلة الدبلوم المتوسط في الكليات اليوم

حزب الإصلاح: الهوية الجديدة للحزب الوطني الإسلامي في الأردن

نتائج فرز طلبات الإعلان المفتوح لوظائف بالصحة .. رابط

مجلس أمناء البلقاء التطبيقية يقر الخطة الاستراتيجية للأعوام 2026-2030

الأسرة النيابية تطلع على دور نقابة العاملين في قطاع المياه والزراعة

بدء تقديم طلبات إساءة الاختيار والانتقال بين التخصصات والجامعات

منخفض جوي بارد يؤثر على المملكة مطلع الأسبوع المقبل

سلامة الغذاء… مسؤولية دولة ووعي مواطن

نهاية ماسنجر .. ميتا تعلن إيقاف الموقع ودمجه مع فيسبوك

اليرموك: قروض ومساعدات لـ 300 طالب بقيمة 100 ألف دينار