لطفيّة الدليمي: دليل غابة السرد

لطفيّة الدليمي: دليل غابة السرد

23-03-2026 02:28 AM

مرّ خبر رحيل الروائية والمترجمة العراقية لطفية الدليمي بخجل قبل أيام قليلة، فقد غطى عليه الدخان المتصاعد من نار الحرب المستعرة في الشرق الأوسط. وعدت بالذاكرة إلى لقاءات تعد على أصابع اليد مع هذه الكاتبة، التي كنت وما أزال معجبة بعطائها المتنوع، وإن لم يسعدني الحظ باستضافتها في أيٍّ من برامجي الثقافية، وما كلّ ما نتمناه ندركه.
قرأت الكثير من كتبها التي جاوزت الستين والمتنوعة الأجناس ما بين قصة ورواية ونقد وترجمة، وكانت الرواية مجالها الأثير إبداعا ونقدا. حين سمعت خبر وفاتها توجهت إلى مكتبتي باحثة عن بعض آثارها، فمؤلفات الكاتب حياة ثانية له تكفل له الخلود، وإن غاب الجسد الفاني، وجدتني أتناول من الرفوف واحدا من أصغر كتبها حجما، ولكنه من أكثرها أثرا فيَّ من بين مؤلفاتها، فكتاب «مملكة الروائيين العظام» ذو الـ140 صفحة الصادر عن دار المدى قبل ثماني سنوات عصارة عقود من قراءات لطفية الدليمي الروائية، حاورت فيه افتراضيا ثلاثة من أكبر روائيي القرن العشرين: نيكوس كازانتزاكي، وهرمان هسّه، وغابرييل غارسيا ماركيز، وقدمت لكل حوار بمدخل شاعري وجداني يعطينا مفاتيح شخصية الروائي المحاوَر. لذلك أعطت لكتابها عنوانا ثانيا في الغلاف الداخلي حيث سمّته «كتاب المناجيات». وقد استحوذت مناجاتها مع نيكوس كازانتزاكي على نصف الكتاب موزعة على 18 فصلا صغيرا. كما لخصت لنا في مقدمتها سبب اهتمامها بهذا الثالوث المبدع، وذكرت أثر كلّ منهم في حياتها، فمع كازانتزاكي تبعت حلمها، ولم تحفل بالحدود وكافحت بأقصى ما تستطيعه، واهتدت به في الزهد ومواصلة العمل في أسوأ الظروف، أما هرمان هسّه فقد ساندها لتستنير بوهجات الحكمة المشرقية ورهافة الروحانية الآسيوية، ولتسترشد بعظمة النور لا بضباب الفكر المتجهم، أما مع ماركيز فقد أخذت على نفسها عهدا ألا تتراجع أبدا، وتواصل ملاحقة أحلامها وتجترح أسلوبها وتهتدي بقوة الأنوثة وحدسها. ولشرح هذا التأثير أخذت لطفية الدليمي بأيدينا وأدخلتنا إلى مملكة الروائيين العظام لتسمعنا مناجياتها.

مع كازانتزاكي الزاهد

لم تخف لطفية الدليمي تأثرها البالغ بالكاتب اليوناني كازانتزاكي، فأول جملة في كتابها كانت: «في مناجياتي الممتدة مع العملاق الإغريقي نيكوس كازانتزاكي بهرتني عبارته الساحرة (توصّل إلى ما لا تستطيعه) التي كانت مفتاح سرّ حياته وكفاحه»، لذلك أفردت له أكبر مساحة في كتابها. فعرفتنا على واجباته الثلاثة: الإقرار بالوهم ومكابدة الألم واجتراح الأمل. فالإقرار بالوهم يعني أن ما نراه ما هو إلا وهم من صنع أذهاننا وبتعبير الكاتب نفسه «الشمس تشرق في رأسي، والنجوم تشع في دماغي مع الأفكار»، أما مكابدة الألم فتتمثل في أن ينزف الإنسان في الألم ويعيشه بعمق، فالسعادة في رأيه أن تعيش كل أنواع التعاسة، في حين أن اجتراح الأمل لعبور الهاوية أشبه بأن نغني، رغم أنه لا وجود لمن يسمعنا، ولا أحد يدفع أجورنا، وأن نكتب الشعر لأنفسنا ولا نعمل للآخرين. تخبرنا لطفية الدليمي أن كازانتزاكي الذي اتخذ شعار (كافحت بأقصى ما أستطيعه لبلوغ ما لا أستطيعه) بأن له أصولا عربية، فعندما استعاد أحد أباطرة الرومان جزيرة كريت في القرن العاشر، وزّع العرب الناجين من المعركة على قرى عديدة ومن ضمنها القرية التي عاش فيها أجداد كازانتزاكي لذلك يخفق قلبه جذلا كلما شاهد نخلة. يعرف القارئ العادي أن نيكوس كازانتزاكي هو مؤلف رواية «زوربا» التي استحالت إلى أيقونة سينمائية مع الرائع أنطوني كوين، ويعرف القارئ المتخصص أنه ترجم الأوديسة إلى اللغة اليونانية الحديثة بعد أن أعاد كتابتها سبع مرات في 14 سنة.

ولكننا نجهل التضحية الكبيرة وراء ذلك حيث تخبرنا لطفية أنه كان يقضي وقته كله في جزيرة أوجين، معتكفا على الكتابة والترجمة في ظروف قاسية يقول عنها، «هنا برد قارس لكنني لا أوقد نارا فلا يوجد فحم، نأكل الهندباء وقد نحصل أحيانا على كسرة خبز»، وحين ينهي روائعه ترجمة أو كتابة يتلقى مقابلها الفتات، فقد حصل على صفيحتيْ زيتون ثمنا لترجمته للإلياذة وكان يؤلف الكتب المدرسية ليعيش على مردودها القليل، وحتى زوجته إيليني كان يلتقيها عشرة أيام في السنة فقط (سمّاها ميثاق الأيام العشرة) وقد حدد ما كان يريده سلفا «هدفي ليس المجد أو الشهرة، ولا حتى الرفاهية والثرثرة المطمئنة، بل تحويل الطين إلى صرخة»، مكتفيا بورقة بيضاء وقلم ومتسع من الوقت وعزلة مكتملة وضحكات متبادلة مع شخص محبوب لتولد روائعه الجديدة. ورغم وصوله إلى منصب وزير الثقافة في بلده، وخسارة جائزة نوبل بصوت واحد لصالح ألبير كامو، الذي اعترف بأفضلية كازانتزاكي عليه حين قال، إنه يستحق نوبل مئة مرة أكثر منه، إلا أن همه كان في أن ينجز ما نذر عمره لأجله، ولعل لطفية الدليمي رأت نفسها فيه وهي تسجل لنا دعاءه المؤثر «إلهي أرجوك مدّ في عمري عشر سنوات أخر لأكمل أعمالي، فما زالت في داخلي كتب كثيرة لم أكملها بعد».

مع هيرمان هسه المعتزل

تَعتبر لطفية الدليمي الروائي الألماني هرمان هسه دليلها إلى مملكة الروح السرمدية، فالأدب عنده ليس مجرد حكايات، بل رحلة استكشافية للروح والذات، ومنابع إبداعه تشكل مروحة واسعة من الأفكار والفلسفات شرقية وغربية، فنجده متأثرا بالفلسفة الصينية، وفي الحين نفسه مستلهما فلسفة القديس فرانسيس الأسيزي الصوفية، بل كان يميل إلى أشكال تعبيرية أخرى غير الكتابة كما صرّح مرة «درست الموسيقى (كان يسميها رداء الآلهة) وأعددت نفسي لكتابة أوبرا عظيمة، ولكنني وجدت أن جميع الأوبرات كتبت قبلي، خاصة أوبرا الناي السحري لموتزارت التي قالت كل ما كنت أود قوله»، يرى في الأشجار الواعظ الأعظم تأثيرا في روحه، أعجبت لطفية بروحه التحررية من العقائد الجامدة فقد هرب من الدراسة في الدّير ليبحث عن نفسه في التجوال معتبرا أنّ «كلّ عقيدة مهيأة لتصبح فخًّا لكل روح متحررة»، وتوقفت الكاتبة عند روايته «ذئب البراري» التي يناقش فيها فكرة الصراع الداخلي بين الجانب المتمدن والجانب الفطري والوحشي الكامن في الإنسان، ينقد فيها الحضارة المادية المتمثلة في حضارة القرن العشرين التي يراها مؤقتة ويصفها بأنها «عصر العمى الروحي» لتركيزها على الاستهلاك والماديات وإهمالها للجوهر، حيث يرسم القلب طريق الخلاص الحقيقي.

ومن الحوار المفترض بين لطفية الدليمي وهرمان هسه نستكشف بعض أسرار حياته، فقد حاول الانتحار مرارا نتيجة الاكتئاب، ومرت به ظروف صعبة حين أصيبت زوجته بمرض نفسي أدخلها المصحة ومرض ابنه مرضا شديدا كاد أن يقضي عليه، وتوفي والده، فتعالج عند يانغ تلميذ كارل يونغ وحينها تعرف على التحليل النفسي الذي استفاد منه في أعماله الروائية. وتختم الكاتبة فصلها عن هرمان هسه بروايته الذهنية «لعبة الكريات الزجاجية» المسكونة بالرياضيات والموسيقى والعلوم، والتي تعبر عن رفضها للحرب بالكتابة عن الصفاء والجمال الكامنين في التأمل والموسيقى والرياضيات، حيث تراها الدليمي أحجية للزمن وكتاباً يجمع خلاصات المعرفة البشرية.

مع ماركيز الساحر

رغم أن لطفية الدليمي أطلقت على هرمان هسه لقب الساحر، إلا أن الساحر الحقيقي كان الكاتب الكولومبي النوبلي أيضا غابرييل غارسيا ماركيز، فرغم أن المؤسس الأول للواقعية السحرية هو خوان رولفو في روايته «بيدرو بارامو»، إلا أن ما فعله ماركيز في أيقونته «مئة عام من العزلة» جعل من الواقعية السحرية موضة الرواية الحديثة، رغم أن ماركيز بعكس الإجماع العالمي كان يعتبر «خريف البطريك» إنجازه الأدبي الأهم، وذكر كم عانى في إيجاد جملتها الافتتاحية المذهلة «انقضت العقبان على القصر الرئاسي». وللطرافة والمأساة معا عانت أيضا لطفية من تشابه الأسماء في عائلة بوينديا فرسمت على ورقةٍ شجرةَ نسب العائلة المشؤومة بالونين الأحمر والأسود وتركتها في قلب نسختها التي لا تدري مصيرها بعد أن اقتحم منزلها «جنود المارينز ثم الإرهابيون وبعض الشواذ من أبناء البلد وسرقوا ودمروا ما وقع تحت أيديهم وأهانوا الكتب ووطؤها بأحذيتهم».

وترى الكاتبة أن الساحر ماركيز زاوج بين عالم الشرق أي عالم ألف ليلة وليلة والعالم اللاتيني عالم العزلة الغرائبي أي بين مئوية ماكوندو وألفية شهرزاد، بل ترسم لنا مسير ألف ليلة وليلة في رحلتها الطويلة حتى وصلت إلى ساردي الواقعية السحرية، فحين سكتت الساردة الأولى -أي شهرزاد- وغابت في سبات طويل كأنه الموت، «حتى أيقظ ألف ليلة وليلة رحالة غرباء صحبوها إلى بلاد الغال فأعاد لها مترجمها الأول أنطوان غالان صوتها ليتأثر بها غوته وبورخيس في قصصه العجائبية، ومن بعدهما كويلو وأندريه جيد وآخرون». وكما وصفت لنا الدليمي معاناة كازانتزاكي مع ضيق اليد، كذلك فعلت مع ماركيز الذي أفلس وجاع وتسول في عربات المترو ونام على مقاعد محطات القطار متجنبا البوليس في باريس، ولكن عبقريته جعلت رؤساء العالم يعجبون بكتاباته، مثل كلينتون وأصبح يتنافس مع الزعيم الكوبي كاسترو في القراءة، رغم يقينه بأن هذا المجد ليس ما يغذي الفن، بل الإبداع يولد من رحم المعاناة «إن قصص الحياة السعيدة لا تدفع عالمنا إلى الأمام، بل إن ما يحرضه ويجدده وينقذه من التحلل والفناء تلك القصص والأحداث التي تقترن بالمآسي».
من جزيرة أوجين في اليونان إلى مكتبة توبنغن في ألمانيا وصولا إلى مدينة ماكوندو المتخلية، سافرت بنا الروائية العراقية لطفية الدليمي في كتابها «مملكة الروائيين العظام» في صحبة الثلاثي كازانتزاكي وهسه وماركيز رغم وعورة الطريق وصعوبة المنحدرات الخطيرة ونجحت في أن تكون الدليل الماهر في غابة السرد الذي يحفظ متاهتها، ويغرينا بالتوغل فيها محاولين مثل كازانتزاكي ولطفية الدليمي أن «نكافح بأقصى ما نستطيعه لبلوغ ما لا نستطيعه».

شاعرة وإعلامية من البحرين



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد