إسرائيل و«فتوحاتها الدفاعية»!

إسرائيل و«فتوحاتها الدفاعية»!

10-04-2026 12:05 AM

لا بدّ أن الإسرائيليين يشعرون بفخر كبير. فبأيّ معيار، راكمت دولتهم حصيلةً استثنائية من الدمار عبر منطقة تضمّ ما يقارب 130 مليون نسمة. أفكّر فقط في اللحظة الراهنة، في السنوات الثلاث الأخيرة، وفي تلك المجتمعات التي تكبّدت مباشرة وطأة غضب إسرائيل: غزّة، والضفّة الغربية، والقدس الشرقية، ولبنان، وسوريا، وإيران. في الأراضي الفلسطينية المحتلّة، وجنوب سوريا، وجنوب لبنان، تستطيع إسرائيل أيضا أن تتباهى بـ»فتوحاتها الدفاعية»، أو بمحاولاتها في هذا الاتجاه. وأقول محاولات، لأنها لا تزال تكافح للسيطرة على جنوب لبنان الذي استهدفته للاحتلال.
تعبير «الفتح الدفاعي» هو من نسجي. صحيح أنّه متناقض، لكنّ إسرائيل امتلكت دائما موهبةً فريدة في تطبيع التناقضات ـ مثال ذلك «الديمقراطية اليهودية». لذا لا يسعني إلا أن أُسلّم بالأمر الواضح: للدول الخاصة، استثناءات خاصة، ومصطلحات خاصة. والحقّ أنّ هذا الامتياز الخاص ليس من صنع إسرائيل وحدها، بل إنّ للغرب نصيباً وافراً من الفضل في صياغة الإجماع الدولي الذي يدعمه. غير أنّ الفضل يعود إلى جرأة الدولة اليهودية في توظيف هذا الإذعان توظيفا استراتيجياً، وتحويله إلى ذريعة دائمة للعنف باسم البقاء.
من هذه الزاوية، لا يمكن لجميع حروب إسرائيل إلا أن تكون دفاعية، وكيف لجيش دولةٍ أن يدافع عن فتوحاته ومستعمراته في مواجهة من جرى إخضاعهم، أو احتلالهم أو تهجيرهم، إن لم يكن ذلك بمزيدٍ من الفتح والإخضاع؟ لقد سمعنا قادةً صهاينة وإسرائيليين يردّدون ذلك عبر العصور: لو أنّ السكّان الأصليين خضعوا فحسب، لما كان هذا النزيف الذي لا ينتهي ضرورياً. هذا هو منطق الصهيونية السياسية، وقد جُرِّد إلى جوهره العقائدي. وكان من الحتمي، تبعا لذلك، أن ما انطبق على فلسطين سينطبق أيضا على المشرق وما بعده. لقد تحوّل الطموح الصهيوني، حين تُرك لإملاءاته الخاصة، إلى فخٍّ لأبنائه، نبوءةٍ تحقق ذاتها: سيطرة أو فناء. في هذا الكون المعتم من الثنائيات الزائفة، تكون الرهانات وجودية ـ إمّا أن تقتل أو تُقتل. لكن يا ليتهم كانوا وحدهم العالقين. لقد وجدنا أنفسنا نحن أيضا أسرى هذا القفص الذهني، بأدوارٍ مفروضة وسيناريو محفورٍ في الحجر على مشاهد تأبى أن تُروَّض. المتحضّر والبربري، المحارب البطل والمتطرّف، اليهودي العائد إلى أرضه والفلسطيني المُتطفّل، اليهودي في حصن التنوير الوحيد الذي يتصدّى ببسالةٍ لجحافل المسلمين المتوحّشين عند الأبواب.
ثمة شيء بالغ الاختلال في هذا المنطق، غير أنّه، ولوقتٍ طويل، أصاب تماما تلك النغمات الحضارية الراسخة في الذهنية الاستعمارية الغربية ـ ذهنيةٌ نظرت، حتى عمق القرن العشرين، إلى اليهودي في أوروبا بالاستعلاء نفسه الذي احتفظت به لنا في المستعمرات السمراء. وليس أقلّ مفارقةً قاسية أن يجد الغرب أرضيةً مشتركة مع اليهودي الإسرائيلي في الشرق، فيما ظلّ يؤوي نزعاتٍ معادية لليهود في الداخل، من أن تُنصّب إسرائيل نفسها فارسا صليبيا غربيا في الشرق، وهي في الوقت ذاته تستدعي مظلومية معاداة الغرب البدائية لليهود على تلك الشواطئ. لكن مثل هذه المفارقات المربكة كان يمكن بسهولة شطبها من السرد. فهي التفاصيل التي تضيع عادةً في السرديات الكبرى. غير أنّه، وكما هو شأن كلّ قصةٍ محكمة النسج، لم يعد بإمكان الحكاية الإسرائيلية أن ترقى إلى مقتضيات كمالها المزعوم. وكما كتبت جاكلين روز في مسألة صهيون: «إن قصة الصهيونية متماسكة أكثر مما ينبغي، متجانسة أكثر مما ينبغي، ومثالية أكثر مما ينبغي بحيث لا يمكن أن تكون حقيقية. ومثل جميع السرديات من هذا النوع، عليها أن تدرأ ما لا تستطيع استيعابه». غير أنّ عليها أيضا أن تصمد أمام الزمن، وأن تواجه عناد الوقائع التي لا تنصاع.
وقائع كالإبادة التي يتباهون ببثّها، ونظام الفصل العنصري الذي يقيمونه في الأراضي التي يحتلونها، والتطهير العرقي الذي يمارسونه بحقّ سكّانها، والاعتداءات الجماعية المنظّمة التي يرتكبها مستوطنوهم أسبوعيا بحقّهم، والتعذيب الذي يتلذّذون بإيقاعه بأسراهم، واغتصاب المعتقلين الذي يحتفون به، وعقوبة الإعدام التي يشرّعونها لهم وحدهم، والمتعصّبون الجهلة الذين يختارونهم وزراء. حين يقفون بفخر على هذا السجلّ من الوحشية المألوفة وجرائم الحرب، يصعب أن يضعوا أنفسهم في موقعٍ أخلاقي متفوّق على أعدائهم، فضلاً عن أن يستخرجوا من سرديةٍ لوّثتها هذه الوقائع نداءً رفيعا للحرب.
في ذهولٍ مُلتبس، نجد أنفسنا نستمع إلى قادةٍ إسرائيليين وأمريكيين يستحضرون هرمجدون، ومعارك نهاية الزمان، والحروب الصليبية، وقصف «الأوغاد» إلى العصر الحجري.. وأنا أراقب، مأخوذةً حقًا بالدهشة والتقزّز من عبثياتٍ تتخلّل معارك اليوم التي لا تُحصى، لا يسعني إلا أن أتساءل: أهذه هي الكيفية التي تنحلّ بها الملاحم البدائية في الأزمنة الحديثة؟ أَنحن نشهد ملحمتنا وهي تلتقط أنفاسها الأخيرة؟ لطالما اتسمت ادعاءات إسرائيل بشيء بالغ الغرابة. بلدٌ صغير إلى هذا الحد، بتوقّعاتٍ هائلة من نفسه ومن العالم الذي داهنه كثيرا؛ إيمانٌ جامح باستثنائيته وازدراءٌ للناس الذين أصرّ على أن يُقيم في كنفهم، ثم يواصل التمدّد بينهم بلا انقطاع. يريد من أعدائه استسلاما وخضوعا كاملين، ومن أبناء قبيلته وأصدقائه طاعةً سياسيةً كاملةً، وكلّ ذلك من دون اكتراثٍ للكلفة الداخلية أو للعواقب الخارجية.
الويلُ لمن لا يعبأ بدروس التاريخ المُذلّة. والويلُ لنا نحن العالقين في قبضتهم.

كاتبة لبنانية



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

وزير الثقافة يعلن بلدة "حمود" مدينة للثقافة الأردنية لعام 2027

الذهب والنفط وفلس الريف .. "الطاقة" تستعرض تقدم مشاريعها الاستراتيجية

الصادرات الأردنية للاتحاد الأوروبي ترتفع إلى 411 مليون دينار

5 شهداء ومصابون في قصف الاحتلال مواصي خانيونس بغزة

مجمع الملك الحسين للأعمال يوقع مذكرة تفاهم مع اتحاد الرياضات الإلكترونية

انطلاق المؤتمر الفني الدولي الـ38 للاتحاد العربي للأسمدة بعمان الثلاثاء

ميتا تدخل عالم الروبوتات البشرية عبر "ماكس"

فريق الاتحاد في صدارة دوري المحترفات لكرة القدم

توقيع اتفاقية لتعزيز الاستفادة من خدمات الاستعلام الائتماني

الإحصاءات العامة تمدد أعمال التعداد لاستكمال تغطية جميع مناطق المملكة

تفاهمات 4 كتل نيابية تسبق افتتاح الدورة العادية وحسم مواقع "المكتب الدائم"

وزارة العمل: تحديد الفئات الملزمة بإصدار تصاريح العمل .. تفاصيل

ارتفاع أسعار المنتجين الصناعيين لشهر أيلول بنسبة 5.41 بالمئة

سلف إلكترونية لمنتسبي الأمن العام عبر "صندوق الائتمان العسكري"

أعضاء مجلس مفوضي البترا التنموي السياحي يؤدون القسم القانوني

مصدر طبي يكشف لـ"السوسنة" الحالة الصحية لمنفذي هجوم الكرك

"أعطل من نتنياهو" .. عبارة تقود طبيبا اردنيا إلى السجن 6 أشهر

الضمان الاجتماعي يعلن تسهيلات جديدة للأردنيين .. تفاصيل

السجن بحق 7 من قادة الإخوان بالأردن .. أسماء

إنهاء خدمات موظفين حكوميين .. أسماء

بعد اشتعال مواقع التواصل بالخبر .. حقيقة القبض على منفذي هجوم الكرك

بالفيديو .. لحظة مداهمة منفذي هجوم الكرك والقبض عليهم

ثأراً لشهداء الكرك .. الأردن ينفذ عملية جوية في سوريا .. التفاصيل

وفاة طفل تهز مركز أشعة في عمان .. وإغلاقه بالشمع الأحمر

الأردن يقبض على عشرات المتورطين .. التفاصيل

إرادة ملكية بتعيين الأمير هاشم بن الحسين مستشارا للملك

تعديلات قانون التنفيذ: ضوابط جديدة لمنع سفر المدين وآليات حديثة لسداد الديون

الأمن العام يكشف كيف اتخذ منفذو جريمة الكرك قرارهم

ما قصة أسماء محافظات الأردن؟ حكايات تختبئ خلف أسماء 12 محافظة

أردنيون أمام مهلة شهرين لتسديد التزامات مالية .. أسماء