الشباب الأردني: حين تصبح الهجرة قرارًا اقتصاديًا

الشباب الأردني: حين تصبح الهجرة قرارًا اقتصاديًا

31-05-2026 01:56 PM

لم يعد الحديث عن هجرة الشباب الأردني مجرد ظاهرة اجتماعية عابرة، بل تحوّل إلى مؤشر اقتصادي عميق يكشف خللًا في بنية السوق والعمل والإنتاج. فالشاب اليوم لا يغادر وطنه بدافع المغامرة أو البحث عن تجربة جديدة، بل بدافع حسابات دقيقة، تقارن بين ما يقدمه له الداخل وما يعده به الخارج. نحن أمام جيل لا يهرب… بل يختار.
في الظاهر، تبدو المشكلة مرتبطة بارتفاع معدلات البطالة، لكن هذا التشخيص يبقى قاصرًا. فالأخطر من البطالة الصريحة هو ما يمكن تسميته بـ"البطالة المقنّعة"، حيث يعمل آلاف الشباب في وظائف لا تمت لتخصصاتهم بصلة، وبإنتاجية منخفضة، ودخل لا يكفي لتأمين حياة كريمة. هنا، يصبح العمل ذاته فاقدًا لقيمته الاقتصادية والاجتماعية، ويتحوّل إلى مجرد وسيلة للبقاء لا وسيلة للتقدم.
المعادلة الاقتصادية التي يواجهها الشاب الأردني اليوم معقدة: دخل محدود، مقابل تكاليف معيشة متصاعدة، في ظل غياب واضح لمسار وظيفي مستقر. فالمشكلة لم تعد في إيجاد وظيفة فقط، بل في غياب الأفق. ماذا بعد الوظيفة؟ هل هناك فرصة للنمو؟ للترقي؟ لتحسين الدخل؟ هذه الأسئلة، حين تبقى بلا إجابات، تدفع الشباب إلى البحث عن بيئات أكثر وضوحًا وعدالة.
من هنا، يمكن فهم الهجرة بوصفها قرارًا اقتصاديًا عقلانيًا. الشاب يقارن بين دخل محتمل في الخارج واستقرار وظيفي وفرص تطور مهني، وبين واقع محلي لا يوفر له الحد الأدنى من الطمأنينة الاقتصادية. إنها عملية "مفاضلة" واضحة، تحكمها الأرقام لا المشاعر. لذلك، فإن تصوير الهجرة على أنها ضعف في الانتماء أو تراجع في الحس الوطني، هو تبسيط مخلّ يتجاهل جوهر المشكلة.’
الأخطر في هذه الظاهرة ليس فقط خروج الشباب، بل نوعية الخارجين. فغالبًا ما تكون الهجرة انتقائية، تستقطب الكفاءات والأكثر تعليمًا وتأهيلًا، ما يعني أن الاقتصاد المحلي يخسر رأس ماله البشري الأكثر قيمة. نحن لا نخسر أيدٍ عاملة فقط، بل نخسر استثمارًا طويل الأمد في التعليم والتدريب، ونُفرغ السوق من طاقاته القادرة على الابتكار والإنتاج.
هذا النزيف الصامت ينعكس تدريجيًا على بنية الاقتصاد، حيث تتراجع القدرة على خلق قيمة مضافة حقيقية، ويزداد الاعتماد على قطاعات منخفضة الإنتاجية. كما تتأثر منظومة القيم الاجتماعية، حين يشعر الشباب بأن الجهد لا يقابله عائد، وأن الكفاءة ليست معيارًا كافيًا للنجاح.
المسألة إذن لا تتعلق برغبة الشباب في المغادرة، بل بضعف الحوافز التي تشجعهم على البقاء. فالدول التي تحتفظ بشبابها ليست تلك التي ترفع الشعارات، بل التي تبني بيئة اقتصادية عادلة، توازن بين الجهد والعائد، وتفتح مسارات واضحة للتطور. حين يشعر الشاب أن مستقبله يمكن أن يُبنى داخل وطنه، لن يفكر في الرحيل، مهما كانت الإغراءات الخارجية



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد