كيف يصيغ قانون العفو العام معادلة السلم المجتمعي

كيف يصيغ قانون العفو العام معادلة السلم المجتمعي

06-08-2026 04:05 PM

في خضم التجاذبات النيابية والحقوقية الحامية التي تتصدر المشهد المحلي وحديث الساعة في الشارع الأردني حول قانون العفو العام المرتقب، يقف المشرّع أمام اختبار حقيقي لإيجاد معادلة تضمن الأمن والسلم المجتمعي دون غلق أبواب الرحمة والإصلاح، تمهيداً لرفعه إلى المقام السامي؛ ليتوّج بمكرمة ملكية سامية من لدن جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، تجسد ما عهده الأردنيون من مكارم الهاشميين في فتح صفحات جديدة من الأمل والفرج, وكان رئيس جمعية السلم المجتمعي، الدكتور بلال السكارنة، قد دعا مؤخراً إلى ضرورة اقتصار العفو الشامل على الجرائم البسيطة التي لا تمس الأمن أو حقوق الآخرين، مشدداً على أن الجرائم الخطيرة , وعلى رأسها قضايا المخدرات , ينبغي ألا تشملها أي عفو، نظراً لخطورة تكرارها من قبل المكررين والتجار. ورغم أهمية هذا الحرص الوطني، إلا أن الاقتصار على الجرائم البسيطة فقط قد يفوت فرصة استراتيجية لبناء منظومة إصلاحية ذكية تتعامل مع جذور المشكلة لا مع ظاهرها فقط , وإن فلسفة العقاب الحديثة تفرق بوضوح بين الجريمة المنظمة والمكررة، وبين الكبوات الأولى التي يقع فيها الشباب أو الغافلون الواقعون في فخ الفراغ والبطالة. وفي هذا السياق، تطرح قضايا معقدة ,مثل الترويج لأول مرة أو الحالات التي تتضمن عنصر "الاستجرار" من قبل الأجهزة الأمنية وتطرح تساؤلات ملحة حول مدى ملاءمة العقوبة المشددة المطلقة لكل الحالات دون تمييز , وفي مقاربة عميقة لواقع النصوص التشريعية وتطبيقاتها، يبرز موقف رئيس محكمة أمن الدولة الأسبق، القاضي العسكري العقيد د. محمد العفيف، الذي يجمع بين صرامة الردع والتنبيه إلى الإشكالات التطبيقية للقانون؛ إذ يؤكد من جهة على أن:"دور محكمة أمن الدولة تجسد في تغليظ العقوبات المشددة ومنع الكفالات بقضايا المخدرات والإرهاب، والذي شكل رادعاً لتلك الفئات ولكل من تسول له نفسه الإقدام على أي فعل يخل بالقوانين والأنظمة." لكنه في المقابل يضع الإصبع على الجرح التشريعي محذراً من الجمود في تكييف الأفعال؛ حيث أشار بوضوح إلى أن القانون الحالي النافذ قد أوقع إشكاليات كبرى بعدم تفريقه الحقيقي بين التاجر المحترف والمروج والمتعاطي، لدرجة أن نقل أو تقديم "حبة مخدرة واحدة" لشخص آخر قد تُكيّف قانوناً على أنها جريمة "ترويج" تقود إلى محصلة عقابية قاسية بالأشغال المؤقتة تماثل أحكام ترويج الكميات الهائلة، وهو ما يعكس ثغرة تستوجب المراجعة لئلا تفتك النصوص القاسية بالشباب المغرر بهم بدلاً من ردع التجار الحقيقيين, وفي نفس الوقت نجد ان هذا الطرح القضائي الرصين يتقاطع مع ما ينبه إليه الخبراء الحقوقيون؛ إذ يؤكد المحامي عبد الكريم الشريدة، رئيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان والمتخصص بقضايا أمن الدولة: "إن حماية حقوق الإنسان والسياسة الجنائية تقتضيان مراجعة آليات التعامل مع بعض القضايا للحد من تمزق النسيج الوطني، وتجنب التوسع في التشريعات المقيدة دون التمييز بين الأبعاد الإنسانية وحالات المغافلة وبين الجريمة المنظمة، لضمان استقامة ميزان العدالة والحريات." وان المصلحة الوطنية تقتضي فتح مسار للعدالة الإصلاحية في التشريع المرتقب يشمل الجرائم الكبيرة المرتكبة للمرة الأولى , بما فيها الترويج البسيط الناجم عن التعثر الأول وقضايا الاستجرار , شريطة إخضاعها لضوابط واضحة تضمن التوبة وتمنع التكرار:ويمكن اقتراح الاتي :
الضابط الإجرائي
الغرض التشريعي
آلية التنفيذ

إسقاط الحق الشخصي
صون السلم الأهلي
اشتراط الصلح والتنازل الكامل من المجني عليهم قبل الشمول

فترة الاختبار والردع
ضمان الردع الخاص
وضع المشمول بالعفو تحت تعهد عدلي ورقابة شرطية تُلغي العفو في حال ارتكاب جرم جديد

التأهيل والإدماج الإجباري
تحقيق التوبة الفعلية
إلزام المتورطين لأول مرة ببرامج خدمة مجتمعية ورعاية لاحقة للتأكد من التعافي والاندماج



وختاما فإن حماية المجتمع لا تتحقق فقط بالسجون وتغليظ العقوبات العمياء التي تساوى فيها حبة الدواء المخدرة بالكميات التجارية الضخمة، بل بقدرة الدولة على استعادة أبنائها الذين ضلوا الطريق للمرة الأولى وفق معايير دقيقة تميز بين المفسد والمبتلى.
سيما وإن قانون العفو العام المأمول والمطروح على طاولة القرار اليوم ليس صك براءة للمجرمين أو الفاسدين الذين يجب الحزم معهم باحترافية، بل هو فرصة مشروطة للتوبة تحت عين القانون ورعايته. ونحن نترقب صدور هذا القانون ورفعه إلى السدة الهاشمية، فإن الشارع الأردني يتطلع إلى نص شامل ومُنصف، يسطر أبهى صور الفرج، ويمس كل بيت متضرر، ليظل المواطن الأردني كما كان دوماً، مفاخراً بوحدته الوطنية ومكارم قيادته الهاشمية التي تجمع بين هيبة السيف وعدل الرحمة. والله ولي التوفيق.




تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

بعد انتشار فيديو مؤثر لها .. آخر تطورات قضية نور برغل

بعد مقتل نور طعنا في عمّان .. عائلتها تصدر بيانا وتوضح الحقائق

النواب يقر 27 مادة .. والحكومة توضح تعديلات تملك غير الأردنيين

فيديو يهز إربد .. سائق يفر بعد الاستيلاء على 50 ديناراً وشاب يسقط أرضاً خلال مطاردته

نور برغل .. ماذا بعد عطوة الاعتراف وكيف سيحدد القضاء التهمة؟

خبر سار من الحكومة .. مدعوون لاستلام آلاف الدنانير .. أسماء

قطعت جثة والدتها ووضعت رأسها بالثلاجة لأنها أفشلت زيجاتها

هزة أرضية تضرب مصر ويشعر بها سكان العقبة

لديك مخالفات سير؟ تعرّف من يشمله خصم الـ30% وكيف يُحتسب المبلغ

إيران تحدد أهدافاً عربية إذا هاجمت أمريكا منشآت الطاقة

كم دقيقة يستطيع الإنسان تحمل الشمس عند 38 أو 40 درجة مئوية؟

تفسير رؤية الخنزير في المنام

مكافحة المخدرات تحذر: متعاطي "الكريستال" قد يتحول إلى خطر على نفسه ومحيطه

شاهد .. ضحية الكريستال: المخدر شيطان دمّر حياتي

15 حالة إصابة بتسمم غذائي في الهاشمية والزرقاء تغلق مطعماً احترازياً