" رحلة الملايين إلى الذات العتيقة"

" رحلة الملايين إلى الذات العتيقة"

17-05-2026 12:51 AM



تخيل مكاناً على وجه هذه الأرض، تسقط فيه أسماء البشر، وتُمحى فيه ألقابهم، وتتلاشى ثرواتهم في لمح البصر؛ مكان يرتدي فيه الملياردير والفقير الثوب نفسه، ويقفان في الصف نفسه، ويهتفان بالكلمات نفسها، في مشهد يبدو ضرباً من الخيال ، لكنه يحدث كالأمل السنوي المثير في بقعة جغرافية واحدة تختزل جهات الأرض الأربع. إنها شعيرة الحج؛ الظاهرة الإنسانية الأكثر عمقاً، والتي لا تتحدى الجغرافيا فحسب، بل تخلخل القوانين الصارمة لعلم الاجتماع وبنية الطبقات البشرية. والسر في انصهار هذه الشرارات البشرية المتباينة، القادمة من شتى الثقافات والمنابت، يكمن في ما يطلق عليه علماء الاجتماع "الفوران الجماعي"؛ حيث تسقط الامتيازات الفردية فجأة، وتتهاوى رتب الطبقية، لتولد من رمادها قوة جماعية عظمى تعيد هندسة التضامن البشري عبر عملية تجريد كبرى للقيم، يُنتزع فيها الإنسان من أنانيته، ويُشحن بطاقة أخلاقية متجددة، ليعود إلى مجتمعه كائناً مختلفاً يحمل نفعاً يرمم العلاقات المحلية التي أفسدتها مادية الحياة.
هذا التحول لا يحدث مصادفة، بل هو مخاض وجودي عنيف يمر عبر ثلاث عتبات سرية، تبدأ بعتبة الانفصال الخطير حين يقرر الإنسان خلع "أمان" حياته اليومية المعتادة، فيهجر ملابسه المفصلة التي تشي بمركزه ونفوذه، معلناً انقطاعه التام عن العالم الذي يعرفه، ليلج العتبة الثانية وهي عتبة التلاشي التام، حيث يستوي الجميع في لباس أبيض موحد تنمحي فيه الفوارق العرقية والمادية، فلا فضل لملك على مملوك، بل رابطة إنسانية عفوية تتجاوز كل التراتيب الاجتماعية السائدة، وصولاً إلى عتبة العودة بالهوية الجديدة والارتداد إلى المجتمع الأصلي بكينونة روحية مختلفة تماماً، متوجة بلقب "حاج". هذا اللقب يتجاوز كونه كلمة عابرة ليمثل "رأس مال رمزي" باذخ يمنح صاحبه وجاهة ونفوذاً معنوياً وتقديراً رفيعاً في بيئته، فضلاً عن حيازته لـ "رأس مال اجتماعي" عابر للقارات يتيح له شبكة علاقات ممتدة تعيد تموضعه في حقل العلاقات الاجتماعية.

وحين يتحرك الحاج وسط هذه الأمواج البشرية، فإنه لا يطوف بحجارة صماء، بل يتشابك مع رموز مكثفة مشحونة بالإرث والفيض الروحي، من طواف وسعٍ ورميٍ لجمار الأنانية، ليثمر هذا التحرك الجماعي الحاشد وعياً ذاتياً عنيفاً يعيد صياغة الهوية الفردية. وفي هذا الفضاء الممتد، تتأسس أركان فريدة للعلاقات البينية بين الحجاج؛ إذ تتحول مكة إلى مختبر لغوي وإنساني مدهش، تلتقي فيه ألسنة الأرض ولغاتُها المتعددة، لتذوب عوائق التواصل اللفظي أمام بلاغة المشهد الروحي. إن علاقة الحجاج ببعضهم البعض لا تُبنى على الكلمات، بل على سيميائية الإشارة، وتقاسم مشقة السعي، وتبادل الابتسامات العابرة للقارات، واقتسام شربة الماء؛ حيث تصبح "التلبية" الموحدة هي اللغة الأم للجميع، ويغدو العطف على الضعيف، وإعانة العاجز، وإفشاء السلام هي الأركان الأخلاقية الحاكمة التي تصهر بابل اللغات في لغة وجدانية واحدة، تؤكد أن وحدة المقصد قادرة على صهر تباين الألسن.

وتتجسد هذه الوحدة الوجدانية في أدق تفاصيل العيش اليومي المشترك هناك؛ فحيثما التفتّ تفترش القلوب مائدة كبرى عنوانها الإيثار والتكافل البسيط. يرتوي الجميع من ماء زمزم البارد الذي يغسل وعثاء الأبدان قبل الأرواح، ويتشارك الحجاج على اختلاف هوياتهم كسر خبز "التميس" الساخن الذي يحمل طعم الأرض والبركة، في حين تتسابق سواعد الخير لتوزيع وجبات الطعام المجانية على ضيوف الرحمن في مشهد تتلاشى فيه صور الحاجة وتتجلى فيه أبهى صور الوفادة والتراحم. وفي خضم هذه اللوحة البشرية الفائقة، تبرز إنسانية أبطال المشهد الخفيين؛ رجال أمن الحج الذين يفيضون حنواً وعطفاً، فيمسحون على رؤوس الصغار، ويرشون رذاذ الماء البارد لتلطيف الهجير، ويحملون الضعفاء بكل رفق، جنباً إلى جنب مع خدام بيت الله وعمال النظافة الذين يواصلون الليل بالنهار صامتين لتبقى البقاع طاهرة نقية، لتقابلهم جموع الحجاج بفيض من التصدق والدعاء المتبادل والامتنان الصادق الذي يربط القلوب برباط أخوي يعلو فوق الرتب والمناصب، ويجعل من تلك الأرض مساحة حقيقية لسمو الروح الإنسانية.

وفي عمق هذا التلاحم، تلتقي الأعين بملحمة من البر تفيض دمعاً وبشراً؛ حيث يبرز كبار السن كأيقونات النور والبركة في هذه الرحلة، محفوفين بقلوب وأبناء نذروا أنفسهم لخدمتهم. في الممرات الممتدة والأنفاق الطويلة الصاعدة والهابطة التي تربط أماكن السكن بالحرم، يتسابق الأبناء في دفع عربات آبائهم وأمهاتهم بحبٍّ يغالب المشقة، وصبرٍ يرتجي القبول. ولا يقف المشهد عند حدود البنوة فحسب؛ بل يتجلى التضامن الإنساني العفوي في أبهى صوره حين يزدحم النفق، إذ تتهافت سواعد الغرباء من الحجاج، متطوعة بلهفة بالغة للمساعدة في دفع العربة، ويتناوبون عليها في تسابقٍ محمود، كأنما يتنافسون على التقاط كنزٍ روحي، فيتحول النفق الإسمنتي الجاف إلى شريان مفعم بالرحمة والتكافل اللذين يتجاوزان مشقة الطريق وظلمة الأمكنة.
ولا يكتمل جلال هذا الفضاء إلا بهيبته السمعية والبصرية التي تأسر الحواس؛ فالحرم الشريف يعيش على إيقاع سكينة لا تنام، حيث تتداخل أصوات العصافير ليلاً ونهاراً في تغريد علوي دائم يشارك الحجيج تسبيحهم تحت السقوف وبمحاذاة المآذن، بينما يحلق حمام الحرم الآمن في أسراب وادعة، يهبط بين الجموع ليلتقط حبات القمح والهدوء التي يوزعها عليه الحجاج بفرح طفولي. وفي زوايا المسجد، تنتشر حلقات الذكر والقرآن كواحات نورانية تجمع شتات الأرواح، وتتلاقى فيها القلوب الصامتة والمستمعة، يعززها ذلك الكرم الفياض في توزيع المصاحف المجانية على الحجاج لتبقى رفيقة دربهم وهداية رحلتهم. وحين يخطو الحاج خارجاً من أبواب الحرم يمتد النسك إلى ثقافة بصرية شعبية تضج بالحياة؛ حيث تبسط الأسواق والبسطات العفوية ظلالها، ليقبل الحجاج بشوق على شراء هدايا العودة التي تحمل عطر المكان، من مسابح ملونة، وسجادات صلاة منقوشة، لتتحول هذه المقتنيات البسيطة إلى ذكريات مادية ملموسة تخلد أعظم رحلة في العمر وتنقل بركتها إلى الديار البعيدة.

بيد أن هذا الطقس في زمن العولمة العاصف، حيث يعمل كدرع لحمايته من التغريب الثقافي، لا يفلت تماماً من مخالب الواقع؛ إذ ترصد العين الساعية للنقد تحدياً مثيراً يتمثل في صراع "المقدس" مع "المادة"؛ حيث بات الحج المعاصر يشهد سوقاً سياحياً ضخماً يطرح جدلية خفية حول كيفية تأثير "الحج الفاخر" بموازاة "الحج الاقتصادي" على فكرة المساواة المطلقة الكامنة في أصل الشعيرة، ورغم هذا التمايز المادي، يظل الحج هو الحدث الاجتماعي الكلي الذي يسد رمق الروح في تطلعها نحو المطلق، ويرفع أذان الحرية والمساواة الكاملة ليدك معاقل العصبيات، تجسيداً للبيان النبوي الصاعق في حجة الوداع بأن ربكم واحد وإن أباكم واحد ولا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى.

إنها رحلة المجاهدة الكبرى التي يتخلى فيها الإنسان عن ترف العيش و رتابة المألوف، ويتحمل وعثاء السفر مشحوناً برغبة الانعتاق والولادة البكر التي تلخصها العبارة الشريفة في العودة بيضاء كاليوم الذي ولدته فيه أمه. وأما الذين حُبسوا بأجسادهم عن مكة، فقد اخترقوا الأبعاد بأرواحهم؛ فمع بزوغ الهلال، تطلق الحناجر البعيدة عبارة تفيض بغامض الشوق واليقين:

"لبيك ربي وإن لم أكن بين الحجيج ملبياً، لبيك ربي وإن لم أكن بين الزحام ساعياً وطائفاً"، وهي كلمات تختزل كيف أن الحج في منتهاه ليس انتقالاً بالأجساد، بل هو ارتحال قلب مشتاق، ينشد المساواة، ويلتمس الوحدة تحت ظلال الكعبة الطاهرة.
وحين تُطوى الخيام، وتصمت التلبيات المدوية، وتبدأ وفود الرحمن بالرحيل، لا ينتهي الحج بانتهاء مناسكه، بل يبدأ مخاضٌ من نوع آخر؛ مخاض الحنين الشاخص إلى تلك البقاع. يغادر الحجاج مكة وفي عيونهم بريق الطمأنينة، وفي قلوبهم ندبة الشوق الجميل التي لا تبرأ أبداً. فالذي تذوّق طعم التجرّد من ألقاب الأرض فوق تلك الرخام الأبيض، واستنشق هواء الفجر المخلوط بأنفاس الملبّين، لا يملك إلا أن يترك قِطعة من روحه معلّقة بأستار الكعبة. إنها رحلة العمر التي تولد في النفس رغبة سرمدية في العودة، عودةٌ تتجدد مع كل نداء، ولهفةٌ تتأجج مع كل فجر؛ ليبقى الدُعاء الخفي الذي تلهج به الأفئدة عند عتبات الوداع: "اللهم لا تجعله آخر العهد ببيتك الحرام"، لعل الأقدام تطأ تلك الأرض مراراً وتكراراً، وتعود الأرواح لتغتسل في حياض السكينة كلما ضاقت بها سبل الدنيا وعالمها المادي المزدحم.




تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد