عيد الاستقلال 80… بين ذاكرة التأسيس وطموح المستقبل

عيد الاستقلال 80… بين ذاكرة التأسيس وطموح المستقبل

24-05-2026 01:23 AM


 

في كل عامٍ يقترب فيه الأردن من ذكرى استقلاله لا تبدو الحكاية عادية وعابره بل أشبه بمرآةٍ طويلة نستعيد فيها ملامح وطنٍ كبر بالتعب وصمد بالحكمة وبنى نفسه بهدوءٍ يشبه الأردنيين تمامًا وفي الذكرى الثمانين للاستقلال تبدو الحكاية أكثر عمقًا لأن ثمانين عامًا ليست رقمًا في الروزنامة بل عمر دولةٍ تعلّمت كيف تواجه العواصف دون أن تنكسر وكيف تحافظ على إنسانها رغم قسوة الإقليم وتقلّبات السياسة وضيق الموارد.

وفي العقبة جنوب البلاد تبدو معاني الاستقلال مختلفة قليلًا أكثر قربًا من الناس وأكثر التصاقًا بالتفاصيل اليومية هنا، حيث يلتقي البحر بالصحراء وحيث تعلّم الإنسان أن يصنع من الجغرافيا فرصة لا عائقًا يصبح الوطن فكرةً تُعاش لا شعارًا يُرفع فمع ساعات الفجر الأولى حين يخرج الصيادون نحو البحر وحين تبدأ الحركة على أرصفة الميناء يمكن للمرء أن يرى كيف يتحول الانتماء إلى فعلٍ يومي صامت لا يحتاج إلى كثير من الكلام.

ومن العقبة تحديدًا تعود الذاكرة إلى البدايات الأولى للحكاية الهاشمية في الجنوب يوم استقبل أهالي المدينة الشريف الحسين بن علي بحفاوةٍ كبيرة فازدانت الطرقات بالأعلام وتعالت الهتافات ترحيبًا بقائد الثورة العربية الكبرى قبل أن يبايعه أهالي العقبة أميرًا عليهم وعلى بلاد الحجاز في التاسع عشر من آذار عام 1918 في مشهدٍ مبكرٍ رسّخ العلاقة التاريخية العميقة بين الأردنيين وقيادتهم الهاشمية وأكد أن فكرة الدولة في الأردن لم تكن طارئة بل وُلدت من رحم الوفاء والإيمان بالمصير المشترك.

ومن تلك اللحظات التأسيسية بدأت ملامح الدولة الأردنية الحديثة تتشكل بقيادة الملك عبدالله الأول بن الحسين الذي حمل مشروع بناء الدولة بإرادةٍ صلبة ورؤيةٍ سياسية أسست لمعنى السيادة والاستقلال ثم جاء عهد الملك طلال بن عبدالله أبو الدستور ليضع حجر الأساس للحياة الدستورية الحديثة ويمنح الدولة إطارها القانوني والمؤسساتي الذي ما يزال حتى اليوم أحد أهم عناصر قوتها واستقرارها وبعده قاد الملك الحسين بن طلال الوطن عبر عقودٍ مليئة بالتحديات والتحولات فحوّل الاستقرار إلى إنجازٍ وطني ورسّخ صورة الأردن كدولةٍ تعرف كيف تحمي توازنها وسط منطقة لا تهدأ.

ومع تغير شكل التحديات تغيّرت أيضًا أدوات الدولة في مواجهة المستقبل حيث يواصل الملك عبدالله الثاني بن الحسين المسيرة حاملًا مشروع تحديثٍ سياسي واقتصادي وإداري يسعى إلى إعداد الأردن لمرحلة أكثر قدرة على مواجهة التحديات وصناعة الفرص ولم يعد الحديث عن التنمية في الأردن مجرد خطاباتٍ عامة، بل أصبح يرتبط بمشاريع كبرى بدأت تعيد تشكيل المزاج العام للأردنيين خصوصًا في الجنوب حيث يتنامى الإحساس بأن المستقبل لم يعد مؤجلًا كما كان.

في العقبة ومحافظات الجنوب يبدو هذا التحول واضحًا في أحاديث الناس اليومية فمشروع الناقل الوطني للمياه لم يعد مجرد خطةٍ هندسية لمواجهة أزمة المياه بل تحول في الوعي الجمعي إلى مشروع استقرارٍ وحياة خصوصًا في منطقة يدرك أهلها جيدًا معنى العطش وقيمة الماء أما مشروع سكة الحديد الوطنية فقد أصبح بالنسبة لكثيرين أكثر من وسيلة نقل حديثة إنه مشروع لإعادة وصل المدن ببعضها وفتح أبواب الاقتصاد والاستثمار والعمل وتقليص شعورٍ طويل بالعزلة فرضته المسافات والظروف الجغرافية عبر سنواتٍ طويلة.

وهنا تحديدًا تتجلى قيمة الاستقلال الحقيقية ليس فقط في قدرة الدولة على حماية حدودها وسيادتها بل في قدرتها أيضًا على الاستمرار في بناء الإنسان وخلق الأمل وتحويل التحديات إلى مشاريع للمستقبل. فالأردنيون رغم كل الضغوط الاقتصادية والإقليمية ما زالوا يؤمنون أن هذا الوطن يستحق أن يُبنى كل يوم من جديد وأن العلاقة بين الدولة والمجتمع لم تُصنع بالمصادفة بل تنامت عبر عقودٍ من الثقة والصبر والشراكة.

ثمانون عامًا مرّت والأردن ما يزال حاضرًا في قضاياه الكبرى وفي مقدمتها القضية الفلسطينية ثابتًا في مواقفه مدافعًا عن الحق العربي دون أن يفقد بوصلته الداخلية نحو الاستقرار والبناء وهي معادلة لم تكن سهلة يومًا لكنها كانت جزءًا من هوية الدولة الأردنية التي تعلّمت أن توازن بين الثبات السياسي والبعد الإنساني.

وفي عيد الاستقلال الثمانين لا يبدو الأردن وكأنه يحتفل بالماضي فقط، بل يحتفل أيضًا بقدرته المستمرة على النهوض يحتفل بالشباب الذين ما زالوا يؤمنون بالمستقبل وبالمدن التي تكبر بهدوء وبالناس البسطاء الذين يواصلون حماية صورة الوطن بأعمالهم اليومية الصغيرة يحتفل بالعقبة التي تحولت من مدينةٍ جنوبية هادئة إلى نافذة اقتصادية كبرى تطل منها المملكة على العالم دون أن تفقد روحها الإنسانية البسيطة.

ثمانون عامًا من الاستقلال وما تزال الحكاية تُكتب وما يزال الأردنيون في الشمال والوسط والجنوب يثبتون أن الأوطان لا تُقاس بحجمها الجغرافي بل بحجم الإرادة التي تسكن أهلها.

كل عام والأردن بخير وكل عام ورايته الهاشمية مرفوعة بالعزّة والكرامة بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين وولي عهده الأمين سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني اللذين يواصلان حمل رسالة الدولة الأردنية بثباتٍ ورؤيةٍ تؤمن بالإنسان والوطن وكل عام والأردنيون أكثر إيمانًا بأن هذا الوطن يستحق دائمًا أن نكون على قدره



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

الحرب بينهم إبادة للإنسانية والحضارة: .. خلل الدول الثلاث في ارتباك المفاوضات

الدفاع المدني اللبناني يعلن استهداف مركزه في النبطية بغارة إسرائيلية

حرب الجيل السادس ومشروع "إسرائيل الكبرى": الجبهة الخفية داخل عقولنا

قراءة في كتاب ملك وشعب (34)

عيد الاستقلال 80… بين ذاكرة التأسيس وطموح المستقبل

درجات الحرارة تلامس 35 مئوية في هذه المناطق الأحد

ثغرة أمنية في هاتف ترامب تكشف بيانات آلاف العملاء

إعلام عبري: إسرائيل تخشى من اتفاق مرحلي بين واشنطن وطهران

المدينة المنورة تودع الحجاج المتجهين إلى مكة والمشاعر المقدسة

جبل عرفات يسجل أعلى حرارة عالمياً بـ48 مئوية في يوم السبت

زيت الزيتون البكر يحمي الدماغ ويبطئ التدهور الإدراكي

ترامب يعلن قرب اتفاق بشأن إيران وفتح مضيق هرمز

الأردن يعزي بضحايا انفجار منجم الفحم في مقاطعة شانشي شمالي الصين

إصابة 7 فلسطينيين باعتداءات لجيش الاحتلال الإسرائيلي جنوبي الضفة

أول وفاة عن طريق القتل الرحيم في أوروغواي