عاشوراء في واقعنا العربي: تأملات في التحرر من شرك الانقسامات
24-06-2026 11:54 PM
مقدمة: وقفة تأمل
نقف اليوم على أعتاب عاشوراء، ليس لاستذكار الماضي، بل لفتح نوافذه على واقعنا العربي المأزوم. واقع يئن تحت وطأة انقسامات لم نعهد لها مثيلاً، مزقته العصبيات الضيقة، وأذلته الهيمنة الخارجية. نعيش لحظة تاريخية بالغة التعقيد، ليس لأن العدو أقوى، بل لأننا أكثر تشتتاً، وغاب عنا أن التحرر الحقيقي يبدأ بوحدة الصف لا بكثرة الرايات.
أولاً: دلالات التاريخ بين الخلاص الإلهي وإنذار الفرقة
في هذا اليوم، يستحضر التاريخ محطتين عظيمتين، لكن لا ينبغي خلط طبيعتهما:
· المحطة الأولى: نجاة موسى، حدث نبوي قطعي، تجلت فيه سنة الله في نصرة المستضعفين، وتمثل درساً مطلقاً بأن زوال الطغيان حتمي متى توافرت الإرادة والتضحية.
· المحطة الثانية: واقعة كربلاء، مأساة بشرية بأبعادها السياسية والعقائدية، كشفت عمق الانقسام الذي كانت الأمة قد دخلت فيه. الدرس الأعمق من كربلاء ليس عاطفياً فحسب، بل سياسي صارخ: حين تتحول الخلافات إلى استقطاب حاد، وتُترك دون إدارة حكيمة، تصبح الدماء الزكية ثمناً للفرقة، ويُستغل الأخيار في صراعات لا تخدم إلا الطغاة.
وهنا، ولكي نخرج من عنق الزجاجة التاريخي، يكفي أن نتذكر أن أولئك الصحابة الأطهار وآل البيت الكرام مضى عليهم أكثر من ثلاثين جيلاً، وليس لنا ولا للطوائف أن نحاكمهم، فالحكم فيما اختلفوا فيه مردّه إلى الله وحده، وسنة الله في الابتلاء جرت على الجميع من بعدهم. وإذا انتقلنا إلى إنسان هذا الوطن العربي اليوم، بقطع النظر عن دينه أو مذهبه، نجده مستهدفاً مهجّراً مقتلاً، يغرق في أوجاع لا تميز بين سني وشيعي. فالخلاص ليس بالانتصار لرؤية تاريخية، بل بإيجاد إطار جامع يتجاوز الأديان، ويقف على حقه في الحياة والكرامة. لست ضد هذه الذاكرة ولا مع إلغائها، بل أنا مع توحيد صف هذا الإنسان الطريد، وترك الباب مفتوحاً لخصوصيته المذهبية، شرط ألا تتحول هذه الخصوصية إلى سور يقصينا عن بعضنا.
الاعتراف بتنوع القراءات مفتاح الحوار؛ فإخواننا أهل السنة يرون في العاشر من محرم عبادة تعبدية بصيام موسى، وإخواننا الشيعة يرون في كربلاء ذروة الفاجعة الإنسانية وتجديد العهد بمبادئ العدل. لا نُساوي بين الحدثين درجياً، لكننا نستلهم من كليهما أن الانقسام هو الرأسمال الحقيقي لأعدائنا، وأن التمسك بالثوابت لا يتناقض مع الانفتاح على الآخر، بل إن التعصب للرأي هو عين الجهل بمقاصد الشرائع.
ثانياً: قراءة واقع الجرح العربي (بالأرقام والسياسة)
إذا تأملنا خريطة الوطن العربي اليوم، نجدها مرسومة بحدود الطوائف والمذاهب قبل أن تكون جغرافية جامعة. هذا التشرذم لم يأت من فراغ، بل هو نتاج تراكمات سياسية واجتماعية معقدة، وتدخلات خارجية ماهرة في استثمار النزاعات وتغذيتها. والثمن فادح وملموس:
· التجارة البينية العربية بلغت 223.2 مليار دولار في 2023، أي 8.5% فقط من الإجمالي، مقارنة بـ 58% في الاتحاد الأوروبي. هذه الفجوة تعني فقدان مئات المليارات التي كان يمكن أن تخلق ملايين الوظائف.
· في سوريا، انكمش الناتج المحلي بنحو 53% بين 2010 و2022، مع خسائر تجاوزت 442 مليار دولار. وفي اليمن وليبيا والسودان، تكررت أنماط الدمار.
· تجاوز عدد اللاجئين العرب 25 مليوناً، إضافة إلى 13 مليون نازح داخلي. هذه ليست أرقاماً، بل إنسانيات تهشّمت وأطفال فقدوا مستقبلهم.
نحن نُضخّم خلافاتنا المذهبية، ونتجاهل الكبائر الحقيقية: الفقر المدقع، والجهل المركّب، واستنزاف الثروات والطاقات. كلما ازداد تشظينا، ازداد ضعفنا أمام التحديات الداخلية والخارجية.
ثالثاً: مواجهة الحقيقة الأكثر إيلاماً (عقبة الانقسام المؤسسي)
لكن الحل لا يكتمل دون جرأة في تشخيص العائق الأعمق. لقد أسهمت بعض الأنظمة والقوى السياسية، بدرجات متفاوتة، في توظيف الانقسامات والهويات الفرعية لخدمة صراعات السلطة أو النفوذ. كما أن التدخلات الخارجية لم تكن لتجد كل هذا الأثر لولا وجود بيئات داخلية منقسمة وقابلة للاختراق.
لذا، فإن المشروع النهضوي لا يمكن أن ينطلق دون تفكيك أدوات التفرقة، وبناء دولة مدنية حديثة تحكمها المؤسسات وسيادة القانون. فالمقاومة الحقيقية للهيمنة تبدأ بإصلاح الداخل، والانتقال من منطق الهيمنة الأمنية إلى منطق الدولة المؤسسية الرشيدة، ومن إدارة الاختلاف عبر التخويف إلى إدارته عبر المشاركة والمواطنة المتساوية.
وتمثل المواطنة الجامعة حجر الزاوية في هذا المسار؛ فهي الإطار الذي يضمن للإنسان حقوقه بوصفه مواطناً لا تابعاً لطائفة أو مذهب أو عشيرة، ويجعل الانتماء للوطن مظلة تتسع للجميع دون إلغاء الخصوصيات الثقافية أو الدينية.
رابعاً: استراتيجية الخلاص (من التشرذم إلى التكامل)
إن أردنا الخلاص، فعلينا أن نتفق على أن الماضي للعبرة، والمستقبل للبناء. مشروعنا اليوم يجب أن يقوم على مسارات عملية:
أولاً: وحدة المصالح لا وحدة الذوبان
الدعوة للتوحد ليست مثالية، بل براغماتية. رفع التبادل التجاري إلى 30% خلال عقد، عبر إنشاء منطقة تجارة حرة عربية كبرى، وتكامل شبكات الطاقة والغذاء والدواء. عندما يرتبط خبز السوري باقتصاد المصري، وعمل اللبناني باستثمار الخليجي، يصبح الاستقرار ضرورة لا خياراً.
ثانياً: آليات حوارية مؤسسية لا ندوات استهلاكية
· توحيد المناهج التاريخية في مراحل التعليم الأساسي، بحيث تُروى الوقائع كتاريخ مشترك لا كتاريخ فريق على حساب آخر.
· إنشاء مجالس عرفاء من مختلف المذاهب في كل منطقة متوترة، مهمتها احتواء النزاعات المحلية ونزع فتيل الخلافات اليومية التي تستغلها الجهات المغرضة.
ثالثاً: تفكيك أدوات التفرقة الإعلامية
وضع آليات رقابية عربية مشتركة لرصد ومحاربة الخطاب التحريضي في وسائل الإعلام ومنصات التواصل، أسوة بتجارب دولية ناجحة في مواجهة خطاب الكراهية.
رابعاً: المقاومة بالاتحاد والتنمية
المقاومة الحقيقية تبدأ ببناء كيان عربي قوي من الداخل. جيوشنا متفرقة، وقراراتنا مفككة. والاتحاد في مواجهة التحديات المشتركة، مثل المياه والأمن السيبراني والتغير المناخي والإرهاب، هو الطريق الأجدى لتعزيز الاستقلال الاستراتيجي.
والحقيقة التي يعلمنا إياها التاريخ أن الأمم لا تسقط حين تختلف، بل حين تجعل من اختلافها قدراً أبدياً لا يمكن تجاوزه. فالتنوع قد يكون مصدر قوة إذا أُحسن إدارته، لكنه يتحول إلى أداة هدم عندما يُستثمر في صناعة الخصومات وإدامتها.
خاتمة: عاشوراء.. تذكر للانطلاق
في هذا اليوم، نقف لنتعظ لا لنندب. نتذكر نجاة موسى فنوقن أن الله يفتح أبواب الخلاص للمؤمنين بالحق، ونتذكر دروس كربلاء فندرك أن الانقسام حين يستحكم قد يحول الخلاف إلى مأساة.
وعليه، فإن الرسالة الأعمق لعاشوراء ليست البقاء في أسر الذاكرة، بل تحويل الذاكرة إلى وعي، والوعي إلى مشروع نهضوي. مشروع يقوم على تمييز الثوابت الجامعة من الخلافات المتغيرة، وعلى وحدة المصير، والتسامح المنتج، والمواطنة الجامعة، وبناء القوة من الداخل. حينها فقط يصبح استحضار موسى والحسين استحضاراً لقيم الكرامة والعدل والتحرر، لا سبباً لتجديد الخصومات، ويغدو الماضي جسراً نحو المستقبل لا ساحةً للصراع عليه.
مصر والجزائر… حين يصبح الحلم ممكنا
كرة القدم: حين يصبح الملعب وطناً للعرب جميعاً
استراتيجية تركيا الجديدة في الشرق الأوسط
الأردن يرسل موادا طبية ولوجستية إلى الضفة الغربية
وفاة طفل غرقا في أحد الشاليهات بمحافظة جرش
عبدالله نصيب ضمن أفضل 10 لاعبين في اعتراض الكرات بمونديال 2026
آلية اختيار أفضل 8 منتخبات من أصحاب المركز الثالث في كأس العالم 2026
منتخب قطر غادر منافسات كأس العالم 2026 بعد خسارته أمام البوسنة
سويسرا تهزم كندا 2-1 وتتصدر مجموعتها في مونديال 2026
الأردنيّة تستحدث الدّبلوم العالي في الرّعاية الصّحّيّة الأوّليّة
عاشوراء في واقعنا العربي: تأملات في التحرر من شرك الانقسامات
ترمب: أوروبا لم تدعمنا في حرب إيران رغم سحقنا لها في الأسبوع الأول
الأمين العام للنيتو: 5 آلاف طائرة أمريكية انطلقت من أوروبا خلال الحرب
اختتام اليوم الثاني من الجولة الخامسة للمفاوضات اللبنانية الإسرائيلية
تنويه للمواطنين .. توقف مؤقت لضخ المياه بهذه المناطق
تحديد هوية الشاب المتوفي في تدافع مباراة الأردن والجزائر .. صورة
انخفاض كبير على أسعار الذهب محلياً الخميس
موظفة بالسياحة تتهجم على مكتب الوزير .. التفاصيل
على نفقته الخاصة .. الملك يوجه دعوة خاصة لسيدة أردنية لزيارة المملكة
هبوط بأسعار الذهب محلياً اليوم
المدرج الروماني يفتح أبوابه للجماهير لمتابعة مباراة النشامى والجزائر
الزراعة: شحنة عجول كولومبية عابرة للعراق وليست للسوق الأردنية
تنفيذ الإعدام تباعاً بحق محكومين في السجون الأردنية
فرصة للمقبلين على الزواج .. هبوط أسعار الذهب محلياً اليوم
نداء للتعرف على هوية المتوفى بتدافع مباراة النشامى
الإدارية النيابية تبحث مع الأحزاب مسودة مشروع قانون الإدارة المحلية لسنة 2026
وظائف حكومية شاغرة ومدعوون لاستكمال إجراءات التعيين .. تفاصيل

