حين تصبح الحرب سوقًا

حين تصبح الحرب سوقًا

21-09-2026 01:23 AM

في عالم تحكمه قواعد النظام الرأسمالي — الطلب والعرض، وأسعار الفائدة، وحركة رأس المال، والمنافسة، والاحتكار، وإعادة توزيع الموارد وفق ميزان القوة — لم تعد الحرب مجرد مواجهة عسكرية، إنها سوق ضخمة لإعادة تسعير المخاطر والطاقة والسلاح والنقل والتأمين والتمويل وسلاسل الإمداد، والسؤال إذن ليس فقط: من يخوض الحرب؟ بل أيضًا: من يدفع تكلفتها؟ ومن يستفيد من إعادة تشكيل الأسواق؟ ومن يُخنق اقتصاده دون أن تُطلق عليه رصاصة؟

هذا التحليل لا يتناول حربًا واحدة، بل يتعامل مع الحرب الروسية–الأوكرانية بوصفها المحرّك الرئيسي لإعادة تشكيل أسواق الطاقة الأوروبية، ومع التوترات في البحر الأحمر بوصفها عاملًا في إعادة تسعير الشحن والتأمين، ومع الحصار على النفط الروسي والإيراني بوصفه أداة خنق اقتصادي تمتد إلى الصين، وهي حروب وأزمات متداخلة، لكنها تلتقي في نتيجة واحدة: إعادة توزيع الثروة والقوة.

الولايات المتحدة: القوة التي تعيد تسعير العالم

عبارة «تعيد تسعير العالم» لا ينبغي فهمها بمعنى أن واشنطن تتحكم في تسعير كل شيء، حيث أن الولايات المتحدة تمتلك أدوات استثنائية للتأثير في تسعير جزء كبير من الاقتصاد العالمي: الدولار، وسوق سندات الخزانة، والطاقة، والتكنولوجيا، والصناعة العسكرية، والتحالفات. وفي مقدمة المستفيدين من موجة التسلح وإعادة تشكيل أسواق الطاقة تقف الولايات المتحدة، وإن لم يكن ذلك يعني أن كل حرب اندلعت لتحقيق مكاسب أمريكية.

في قطاع الغاز تحديدًا، أدت الحرب الروسية–الأوكرانية إلى تغيير عميق في خريطة إمدادات أوروبا، وفق بيانات المفوضية الأوروبية، وفّرت الولايات المتحدة نحو 58% من واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز الطبيعي المسال في 2025، أي أربعة أضعاف حصتها في 2021، لكن هذه النسبة تخص الغاز المسال فقط، وليس إجمالي واردات الغاز الأوروبية، فالمصدر الأمريكي غطى نحو ربع إجمالي استهلاك الغاز في الاتحاد الأوروبي في 2025، وفي المقابل، ارتفعت صادرات الولايات المتحدة من الغاز المسال بنسبة 26% لتصل إلى 15.1 مليار قدم مكعب يوميًا، أي نحو 26% من التجارة العالمية للغاز المسال.

وفي قطاع النفط، توجد شركات مثل ExxonMobil وChevron وConocoPhillips في قلب صناعة تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة وزيادة الإنفاق على أمن الإمدادات. أما فنزويلا، صاحبة أكبر احتياطيات نفطية مثبتة في العالم بنحو 303 مليارات برميل، فتحويل احتياطياتها إلى نفوذ اقتصادي مباشر ليس محسومًا؛ فهو مرهون بالعقوبات والسياسة والاستثمارات والبنية التحتية، وفي OPEC+ تظل السعودية وروسيا من أهم الأطراف، وأي إعادة توزيع للحصص يمكن أن تؤثر في قدرة المنظمة على إدارة المعروض.

أوروبا: من يدفع الفاتورة؟

تضغط الحرب على أوروبا اقتصاديًا وأمنيًا، وتدفعها إلى زيادة الإنفاق الدفاعي وإعادة بناء مخزونات الطاقة وتنويع الموردين، ووفق SIPRI، بلغ الإنفاق العسكري العالمي 2.887 تريليون دولار في 2025، بزيادة 2.9% عن العام السابق، وهي الزيادة الحادية عشرة على التوالي، ووصل الإنفاق الأمريكي وحده إلى 954 مليار دولار، وهو أكبر من الإنفاق المشترك للدول الست التالية في القائمة، أما أوروبا، فارتفع إنفاقها العسكري الحقيقي بنسبة 14% ليصل إلى 864 مليار دولار، وهو أعلى مستوى سجله SIPRI منذ بدء إحصائه، وبذلك تصبح الحرب عاملًا يعيد توجيه الموارد من الاستهلاك والاستثمار المدني إلى الأمن والدفاع.

إسرائيل: الموقع والتكنولوجيا والممرات

ما هو مؤكد في الحالة الإسرائيلية هو الموقع الجغرافي، وقطاع التكنولوجيا والأمن، ومشروعات الطاقة، والصراع على خرائط الممرات التجارية في شرق المتوسط. فحقل ليفياثان، أكبر حقل غاز في المتوسط، يحتوي على نحو 635 مليار متر مكعب من الغاز القابل للاستخراج، ويُغذي نحو نصف استهلاك إسرائيل المحلي من الغاز، وتُقدّر احتياطيات إسرائيل البحرية الإجمالية بنحو 1,087 مليار متر مكعب، وقد صدّرت 47% من إنتاجها في 2023. وفي سبتمبر 2025، وقّعت شركة Chevron وشركاؤها في حقل ليفياثان اتفاقًا بقيمة 610 ملايين دولار لبناء خط أنابيب مدته 15 عامًا، هذا لا يعني أن إسرائيل طرف حاسم في معادلة الطاقة العالمية، لكنه يجعلها لاعبًا إقليميًا في شرق المتوسط، خصوصًا مع تراجع الغاز الروسي.


التكنولوجيا: العمود الفقري لاقتصاد الحرب

لا يمكن فهم اقتصاد الحرب دون التكنولوجيا. NVIDIA في الرقائق ومعالجات الذكاء الاصطناعي، وMicrosoft في الحوسبة السحابية، وAlphabet في البحث والإعلانات، وAmazon في التجارة الإلكترونية والحوسبة، وApple في الأجهزة، وMeta في منصات التواصل — كلها أصبحت جزءًا من البنية الاقتصادية التي تقود الأسواق الأمريكية، وفي 2026 وصلت المنافسة إلى مستويات تاريخية؛ حتى إن Apple تجاوزت مؤقتًا حاجز خمسة تريليونات دولار من القيمة السوقية، بعد أن كانت NVIDIA قد وصلت إلى هذا المستوى قبلها، والمستثمرون يراقبون بصورة متزايدة تأثير الإنفاق على الذكاء الاصطناعي في أرباح شركات التكنولوجيا.

البنوك: اللاعب الصامت في مرحلة عدم اليقين

ارتفاع أسعار الفائدة والعوائد على السندات لا يعني تلقائيًا أن البنوك تحقق أرباحًا في كل الظروف، لكنه يغيّر هوامش التسعير وتكلفة التمويل وعوائد الأصول وحجم التداول. ولذلك تصبح مؤسسات مثل JPMorgan وGoldman Sachs لاعبًا أساسيًا في اقتصاد الحرب؛ ليس لأنها «تستفيد من الحرب» بالضرورة، وإنما لأن ارتفاع المخاطر وتقلب الأصول وإعادة تمويل الديون وتمويل الشركات والحكومات كلها تزيد أهمية القطاع المالي في مرحلة عدم اليقين.

السلاح: الصناعة الأكثر وضوحًا

الولايات المتحدة لا تبيع السلاح فقط، بل تمتلك أكبر قاعدة صناعية عسكرية في العالم، وفق SIPRI، ارتفعت صادرات الأسلحة الأمريكية بنسبة 27% بين الفترتين 2016–2020 و2021–2025، لتصل حصتها إلى 42% من إجمالي صادرات الأسلحة العالمية، وصدرت أسلحة إلى 99 دولة، وقد استوردت أوروبا ما يقرب من 48% من أسلحتها من الولايات المتحدة خلال الفترة نفسها. وهنا يصبح التسلح صناعة وسوقًا وسلسلة توريد ومئات الآلاف من الوظائف.

الدين الأمريكي: القوة والضعف في آن

المفارقة الكبرى تكمن في الدين الأمريكي، فالولايات المتحدة تمول جزءًا كبيرًا من قوتها من خلال سوق سندات الخزانة. وفي السنة المالية 2025، بلغت مدفوعات الفوائد على الدين الوطني 970 مليار دولار، وهو رقم يتجاوز الإنفاق الدفاعي عند 893 مليار دولار، ويقترب من إنفاق Medicare عند 988 مليار دولار. وحاملو الدين موزعون بين مستثمرين أمريكيين ومؤسسات مالية ومستثمرين أجانب، وهنا تظهر إحدى أهم مفارقات اقتصاد الحرب: قد تخسر الدولة ماليًا من ارتفاع الدين، بينما تستفيد قطاعات من ارتفاع الطلب على الطاقة والسلاح والتكنولوجيا والتمويل.

الصين: القوة التصديرية في مواجهة فخ الطاقة والعقوبات

تقف الصين في قلب اقتصاد الحرب بوصفها أكبر مصنع تصديري في العالم، حقق فائضها التجاري رقمًا قياسيًا بلغ 1.2 تريليون دولار في 2025، مدفوعًا بتحوّل واسع نحو الأسواق غير الأمريكية، فقد انخفضت الصادرات إلى الولايات المتحدة بنسبة 29% في نوفمبر 2025، وهي السنة الثامنة على التوالي من الانخفاضات المزدوجة، لكن مساهمة الأسواق غير الأمريكية في نمو الصادرات الصينية ارتفعت من 5.4 نقطة مئوية في 2024 إلى 23 نقطة مئوية في يناير–فبراير 2026، هذا التحول يدل على مرونة الصين في إعادة توجيه صادراتها، لكنه لا يعني أنها محصّنة.

فارتفاع الفائدة الأمريكية ليس آلية ضغط دائمًا، لكنه يمكن أن يؤدي إلى زيادة الضغوط على اليوان، ورفع تكلفة التمويل الخارجي، وزيادة حوافز تدفقات رأس المال نحو الأصول الدولارية، وهذا بدوره قد يقلص هامش السياسة النقدية الصينية، ويزيد كلفة الاقتراض للشركات، ويضغط على الطلب الخارجي على السلع الصينية إذا تباطأ الاقتصاد العالمي.

الشريان الروسي–الإيراني: من يخنق من؟

قد يكون وصف ما يجري بين روسيا وإيران والصين بأنه «حرب بالوكالة» محل خلاف تحليلي بحسب السياق، لكن الأثر الاقتصادي غير المباشر واضح: النفط الروسي والإيراني يشكّل شريانًا حيويًا للصين، لأنه يخفض تكلفة الطاقة ويدعم هامش الصناعة. في ديسمبر 2025، تجاوزت واردات الصين البحرية من النفط الروسي 1.5 مليون برميل يوميًا، مقارنة بمتوسط 1.2 مليون برميل يوميًا خلال الأشهر الأحد عشر الأولى من العام. أما النفط الإيراني، فقد اشترت الصين 1.38 مليون برميل يوميًا في المتوسط خلال 2025، أي أكثر من 80% من صادرات إيران.

وتعتمد بكين في ذلك على «أسطول الظل» وآليات نقل معقدة، لكن هذا الشريان يتعرض للخنق عبر العقوبات الثانوية، فقد صعّدت وزارة الخزانة الأمريكية منذ مارس 2025 ضد مصافي التكرير الصغيرة التي تستورد النفط الإيراني، وفرضت عقوبات على شركات مثل Shandong Jincheng Petrochemical Group التي اشترت ملايين البراميل من النفط الإيراني منذ 2023. وهنا تظهر المفارقة: الصين تستفيد من النفط الرخيص، لكنها تدفع ثمن ذلك بتعقيدات مصرفية وتهديدات لعقوبات تطال بنوكها ومصافيها.

من يستفيد ومن يدفع؟

في الطاقة، يظهر الرابحون في أمريكا والخليج والنرويج، بينما تتحمل أوروبا والدول المستوردة الجزء الأكبر من الفاتورة. وفي السلاح، تتصدر أمريكا بحصة 42% من الصادرات العالمية، وتأتي خلفها شركات أوروبية تستفيد من إعادة التسليح، بينما تدفع الميزانيات المدنية الثمن. وفي التكنولوجيا، تقف NVIDIA وMicrosoft وApple في مقدمة الرابحين، بينما تواجه الصين وشركاتها الصغيرة ضغوطًا متزايدة في حرب الرقائق. وفي الشحن والتأمين، ارتفعت أقساط تأمين مخاطر الحرب في البحر الأحمر من نحو 3% إلى 7% من قيمة السفينة، ووصلت في بعض الحالات إلى 10%، مما يرفع تكاليف الشحن على المستهلك النهائي، وفي الصين، تستفيد مصافي التكرير وتجار النفط من الخام المخفض، لكن البنوك والمصدرين يتحملون وطأة العقوبات الثانوية والخنق المالي. أما الدين الأمريكي، فيستفيد حاملو السندات من العوائد المرتفعة، بينما يتحمل دافعو الضرائب والأجيال القادمة عبء الفوائد التي بلغت 970 مليار دولار في 2025.

سيناريوهات 2027: كيف قد يتشكل اقتصاد الحرب؟

استمرار الفائدة المرتفعة وتشديد الخنق. إذا أبقى الفيدرالي على أسعار الفائدة مرتفعة، فسيستمر الضغط على اليوان، وتزيد تكلفة التمويل، وتتراجع الصادرات الصينية إلى الأسواق المتقدمة، وستواصل الولايات المتحدة توسيع العقوبات الثانوية على مصافي التكرير الصغيرة، مما يرفع تكلفة النفط الإيراني والروسي على الصين. المؤشرات المرتقبة: تراجع احتياطيات الصين من النقد الأجنبي، وارتفاع علاوة مخاطر السندات الصينية، وزيادة اعتماد بكين على التسوية باليوان. في هذا السيناريو، تظل أمريكا الرابح الأكبر في الطاقة والسلاح، لكن الدين الأمريكي يواصل الضغط على المالية العامة.

خفض الفائدة وانتعاش مؤقت، إذا خفّض الفيدرالي الفائدة استجابةً لتباطؤ اقتصادي، فقد ينتعش اليوان وتتراجع ضغوط التمويل على الصين، لكن هذا الانتعاش قد لا يكون كافيًا لتعويض الخسائر الهيكلية، خاصة إذا استمرت الحواجز التجارية، المؤشرات المرتقبة: تحسن الصادرات الصينية إلى أوروبا، واستقرار أسعار الطاقة، لكن استمرار العجز الأمريكي فوق 1.5 تريليون دولار.

توسع تحالف BRICS وCIPS. بحلول نهاية 2026، بلغ عدد المشاركين المباشرين في نظام CIPS الصيني 193 مشاركًا مباشرًا و1,573 مشاركًا غير مباشر موزعين في 124 دولة، هذا لا يعني انهيار الدولار قريبًا، لكنه يعني بناء بنية موازية تتراكم ببطء. المؤشرات المرتقبة: ارتفاع حصة اليوان في التسويات التجارية، وانضمام دول جديدة إلى CIPS، وتراجع حصة الدولار في احتياطيات البنوك المركزية.

حصار بحري أوسع وأزمة طاقة، إذا اتسع الصراع في البحر الأحمر أو الخليج، فقد نشهد أزمة طاقة عالمية ترفع التكاليف على الجميع. المؤشرات المرتقبة: ارتفاع أسعار النفط فوق 120 دولارًا، وزيادة أقساط التأمين البحري إلى مستويات قياسية، وتدخل عسكري أمريكي مباشر. في هذا السيناريو، تمنح الأزمة أمريكا فرصة لتعزيز موقعها كمورد بديل، لكنها تُسرّع أيضًا توجه الصين نحو مصادر طاقة بديلة وتسوية بالعملات المحلية.


لا تتحرك السياسة الدولية بفعل الجيوش وحدها، بل بفعل أسعار الفائدة والرقائق والغاز والنفط والممرات التجارية والسلاح والديون وسلاسل الإمداد. الولايات المتحدة تمتلك مجموعة استثنائية من الأدوات: الدولار، والأسواق المالية، والتكنولوجيا، والطاقة، والصناعة العسكرية. والصين تمتلك قوة التصنيع والتصدير، لكنها تدفع ثمن ذلك بحساسية مفرطة للعقوبات وتباطؤ الطلب العالمي، وروسيا وإيران تخوضان ما يشبه حربًا اقتصادية غير مباشرة عبر أسطول الظل والممرات البرية والتسوية بالعملات المحلية، إنها حرب على الجغرافيا، لكنها في جوهرها حرب على الاقتصاد، ومن يفهم اقتصاد الحرب يستطيع أن يفهم جانبًا كبيرًا من الطريقة التي يُعاد بها تشكيل النظام الدولي.


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

نقيب أصحاب المعاصر يكشف عن سعر تنكة زيت الزيتون للموسم المقبل

بالصور .. أردنيون يعبرون عن استيائهم: أوقفوا المجزرة .. ما القصة

تفاصيل وفاة طالب اليرموك الإندونيسي .. قطار يجر سيارته مئات الأمتار

للمرة الرابعة في 2026 .. ارتفاع مرتقب على أسعار السجائر

فيديو "البقرة الراقصة" وتذاكر بـ425 دينارا .. ماذا كسبت العقبة من حفل عمرو دياب؟

إصابة 9 طلبة إثر انقلاب حافلة مدرسية في لواء بني كنانة

16 عاما من الانتظار .. انتهت بوفاة أماني الحجيجي

حادث مروع على شارع البترا بإربد .. فيديو وصور

مسيّرة حوثية باتجاه مكة .. الدفاعات السعودية تعترضها وتدمرها

عرض مغرٍ انتهى بخسارة أمواله .. قصة احتيال تحولت إلى كابوس .. تحذير أمني

الجيش يعلن عن منح هندسية في أمريكا .. التفاصيل والشروط

مشاجرة في إربد تنتهي بطعن لاعب الحسين إربد وشقيقه .. التفاصيل

كاميرات جديدة تراقب شوارع الأردن .. هذه المخالفات تحت الرصد

بالفيديو .. سرقة عجل من مركبة في الحصن

قصتان صادمتان تعيدان ملف حقوق الرجل بعد الطلاق إلى الواجهة في الأردن