من أرض المعركة إلى منصة المستقبل .. العلمين تجمع أفريقيا
04-10-2026 10:56 PM
واللافت في كلمة الرئيس أن الاقتصاد لم يظهر منفصلًا عن السياسة والأمن، بل جاء في قلب معادلة متكاملة. فالرئيس بدأ من قاعدة أساسية مفادها أن التنمية الاقتصادية لا يمكن أن تُبنى في دول غير مستقرة، وأن الاستقرار ليس رفاهية، وإنما شرط أساسي لأي استثمار أو إنتاج أو تجارة. وهذه ليست مجرد رؤية اقتصادية، لأن المستثمر يبحث عن الأمان، والمصنع يحتاج إلى استقرار في الطاقة والنقل وسلاسل الإمداد، والمشروعات الكبرى تحتاج إلى بيئة تسمح لها بالاستمرار لسنوات طويلة. وفي أفريقيا تصبح هذه المعادلة أكثر وضوحًا، لأن القارة لا تواجه تحديات اقتصادية منفصلة عن تحدياتها السياسية والأمنية، فالنزاعات تؤثر في حركة التجارة، وعدم الاستقرار يرفع تكلفة الاستثمار، وتراجع الأمن يستهلك الموارد التي كان يمكن توجيهها إلى التعليم والصحة والبنية الأساسية، ولذلك فإن الربط بين دعم الدولة الوطنية واحترام السيادة والوحدة والحلول السلمية للنزاعات وبين التنمية الاقتصادية يحمل رسالة تتجاوز حدود المنتدى نفسه.
فلا يمكن بناء سوق قارية قوية بينما تعاني أجزاء من القارة من اضطرابات مزمنة، ولا يمكن إطلاق مشروعات عابرة للحدود من دون حد أدنى من الاستقرار والثقة، ولا يمكن الحديث عن نهضة اقتصادية أفريقية من دون بيئة سياسية تسمح للقطاع الخاص بأن يتحرك ويستثمر وينتج. لكن الرئيس لم يتعامل مع أفريقيا باعتبارها قارة تعاني فقط من الأزمات، وإنما ركز على ما تمتلكه من عناصر قوة هائلة؛ قارة شابة، وموارد طبيعية ضخمة، ومصادر متنوعة للطاقة، وأسواق واسعة، وثروات معدنية، وموقع جغرافي بالغ الأهمية، وقبل كل ذلك قوة بشرية يمكن أن تكون أحد أهم محركات الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة.
وهنا تظهر المفارقة التي تواجه أفريقيا؛ المشكلة ليست في نقص الموارد، وإنما في كيفية تحويل الموارد إلى قوة اقتصادية حقيقية. فالثروة المعدنية لا تصبح قوة إلا إذا ارتبطت بالصناعة، والموارد الزراعية لا تتحول إلى ميزة كاملة إلا إذا ارتبطت بسلاسل إنتاج وتصنيع، والطاقة لا تصبح قوة اقتصادية إلا إذا دعمت الإنتاج، والشباب لا يتحولون إلى قوة دافعة إلا إذا حصلوا على التعليم والتدريب وفرص العمل، والأسواق الكبيرة لا تصبح قوة تفاوضية إلا إذا ارتبطت بحركة تجارية واستثمارية حقيقية.
وهذا تحديدًا ما يجعل تركيز الرئيس على القطاع الخاص ذا أهمية خاصة، فالدول تستطيع أن تضع القوانين وتبني البنية الأساسية، لكنها لا تستطيع وحدها صناعة الاقتصاد. الشركات هي التي تستثمر، والمصانع هي التي تنتج، ورواد الأعمال هم الذين يبتكرون، والمؤسسات المالية هي التي تمول، وعندما تعمل هذه الأطراف داخل شبكة واحدة من المصالح تصبح فرص التكامل الاقتصادي أكبر. ومن هنا يمكن فهم الفكرة الأساسية لمنتدى «العلمين – أفريقيا للأعمال»، الذي أقره الاتحاد الأفريقي ليُعقد بصورة دورية كل عامين في مدينة العلمين، باعتباره مساحة تجمع الحكومات والقطاع الخاص والمؤسسات المالية ورواد الأعمال بهدف دفع التجارة البينية وتعزيز الاستثمار وبناء شراكات عابرة للحدود.
وهذه النقطة مهمة للغاية، لأن أحد التحديات التي تواجه الاقتصاد الأفريقي ليس فقط غياب الفرص، وإنما ضعف التواصل بين أصحاب الأعمال داخل القارة. قد تكون الفرصة موجودة في دولة أفريقية، ورأس المال موجودًا في دولة أخرى، والخبرة موجودة في دولة ثالثة، والسوق موجودة في دولة رابعة، لكن غياب المنصة التي تجمع هذه العناصر يحول دون تكوين مشروع مشترك. وهنا يصبح المنتدى محاولة لبناء جسر اقتصادي داخل القارة، لكن الجسر الحقيقي لن يكون في قاعات المؤتمرات وحدها، وإنما في ما سيحدث بعدها، فالقيمة الحقيقية لأي منتدى اقتصادي لا تقاس بعدد الكلمات والجلسات، وإنما بعدد الشركات التي تبدأ التعاون، والاستثمارات التي تدخل حيز التنفيذ، والمصانع التي يتم إنشاؤها، والسلع التي تتحرك عبر الحدود، وفرص العمل التي يتم توفيرها.
وهذا يقود إلى قضية أخرى شديدة الأهمية، هي اتفاقية التجارة الحرة القارية الأفريقية. فالاتفاقيات وحدها لا تصنع التكامل؛ التكامل يحتاج إلى طرق وموانئ وشبكات نقل وتمويل ومعلومات وقواعد واضحة، ويحتاج قبل ذلك إلى أن يؤمن القطاع الخاص بأن السوق الأفريقية ليست مجرد فكرة سياسية، وإنما فرصة اقتصادية حقيقية. فكيف يمكن لشركة صغيرة في دولة أفريقية أن تعرف الفرص المتاحة في دولة أخرى؟ وكيف تصل إلى شريك مناسب؟ وكيف تحصل على التمويل؟ وكيف تنقل منتجاتها؟ وكيف تدخل سوقًا جديدة دون أن تتحمل تكاليف تجعل المنافسة مستحيلة؟ هذه التفاصيل هي التي تحدد في النهاية ما إذا كان التكامل الأفريقي سيظل شعارًا سياسيًا أم يتحول إلى واقع اقتصادي.
ولذلك فإن الاهتمام بالشركات الناشئة والمشروعات الصغيرة والمتوسطة يحمل دلالة تتجاوز حجمها الاقتصادي الحالي. فأفريقيا قارة شابة، ومستقبلها الاقتصادي يرتبط بدرجة كبيرة بقدرة شبابها على التحول من مستهلكين إلى منتجين، ومن باحثين عن وظائف إلى أصحاب مشروعات ومبتكرين. والتكنولوجيا يمكن أن تكون إحدى الأدوات التي تساعد القارة على تحقيق هذه النقلة، خصوصًا أن الاقتصاد الرقمي يسمح للشركات الصغيرة بالوصول إلى أسواق أكبر، ويوفر فرصًا جديدة في التجارة والخدمات والتمويل والابتكار، ويمنح الشباب مساحة للمنافسة تتجاوز الحدود الجغرافية التقليدية.
لكن الابتكار يحتاج إلى تمويل، والمشروعات تحتاج إلى رأس مال، ولذلك فإن وجود المؤسسات المالية الأفريقية والإقليمية والدولية في قلب المنتدى ليس تفصيلًا بروتوكوليًا، وإنما جزء من المعادلة الأساسية. فأفريقيا تحتاج إلى أن تتحول الفرص الاستثمارية إلى مشروعات، والمشروعات الصغيرة إلى شركات قادرة على النمو، والمشروعات الكبرى إلى محركات للتنمية، خصوصًا في قطاعات الطاقة والبنية الأساسية والتصنيع والنقل والتكنولوجيا.
وهنا تبرز مصر في المشهد باعتبارها دولة ذات موقع جغرافي واستراتيجي يربط بين أفريقيا وآسيا وأوروبا، وتطل على البحر المتوسط والبحر الأحمر، وتمتلك موانئ وشبكات نقل وبنية أساسية يمكن أن تدعم حركة التجارة بين القارة والأسواق العالمية. لكن الرؤية المصرية، كما ظهرت في كلمة الرئيس، لا تقوم على فصل المصلحة المصرية عن المصلحة الأفريقية، وإنما على الربط بينهما؛ فكلما زادت حركة التجارة والاستثمار داخل أفريقيا، اتسعت فرص التعاون أمام مصر وغيرها من الدول الأفريقية.
ومن هنا يمكن فهم استضافة العلمين لهذا المنتدى في إطار أوسع؛ فمصر لا تستضيف فقط اجتماعًا اقتصاديًا، وإنما توفر مساحة يمكن أن تلتقي فيها المصالح السياسية والاقتصادية والاستثمارية الأفريقية. وتزداد أهمية هذا المشهد مع انعقاد فعاليات أفريقية رفيعة المستوى في العلمين خلال هذه الفترة، بما يجعل المدينة نقطة تجمع للمسارات السياسية والاقتصادية والتنموية للعمل الأفريقي المشترك.
وفي خلفية كل ذلك يقف عالم مختلف عن عالم العقود الماضية. فأزمات الطاقة والغذاء والأسمدة، واضطراب سلاسل الإمداد، وارتفاع تكاليف النقل، والتوترات الجيوسياسية، كلها أثبتت أن الاقتصاد لم يعد مجرد ملف داخلي، وإنما أصبح جزءًا من الأمن القومي للدول. وأفريقيا، التي كثيرًا ما تحملت آثار أزمات لم تكن طرفًا في صناعتها، أصبحت أمام ضرورة بناء قدر أكبر من قدرتها الذاتية على الإنتاج والتجارة والتمويل والتصنيع.
ومن هنا يصبح التكامل الاقتصادي الأفريقي أكثر من مجرد هدف تجاري؛ إنه أحد أدوات تعزيز قدرة القارة على حماية مصالحها. فالقارة التي تنتج جزءًا أكبر من احتياجاتها، وتتبادل السلع والخدمات فيما بينها، وتبني سلاسل إنتاج مشتركة، وتطور مصادر طاقتها، وتستثمر في التكنولوجيا، ستكون أكثر قدرة على مواجهة الصدمات الخارجية وأقل تعرضًا لتقلبات الأسواق العالمية.
وعندما تحدث الرئيس عن إمكانية أن يكون القرن الحادي والعشرون «قرنًا أفريقيًا بامتياز» إذا أحسن الأفارقة العمل المشترك، فإن المعنى الحقيقي لهذه العبارة لا يكمن في حجم الموارد التي تمتلكها القارة، وإنما في قدرتها على تحويل هذه الموارد إلى قوة جماعية. فالقرن الأفريقي لا تصنعه الثروات وحدها، وإنما تصنعه الصناعة والتكنولوجيا والتعليم والاستثمار والبنية الأساسية والتجارة وسلاسل الإنتاج والقدرة على بناء شراكات تتجاوز الحدود.
وهنا تعود العلمين مرة أخرى إلى قلب الصورة. فالمكان الذي شهد مواجهة عسكرية كبرى في القرن الماضي أصبح اليوم مسرحًا لحوار حول التنمية والاستثمار والتكامل، وهذه ليست مجرد مفارقة تاريخية جميلة، وإنما صورة تعبر عن تحول أعمق في مفهوم القوة نفسه. فالقوة في عالم اليوم لا تقوم فقط على القدرة على المواجهة، وإنما أيضًا على القدرة على الإنتاج وامتلاك التكنولوجيا وبناء الأسواق وجذب الاستثمار وإنشاء شبكات المصالح.
ومن أرض المعركة إلى منصة المستقبل، تبدو العلمين وكأنها تختصر رحلة كاملة من الماضي إلى الحاضر، ومن الصراع إلى التعاون، ومن إدارة آثار الأزمات إلى محاولة صناعة الفرص. ويبقى الاختبار الحقيقي أمام هذه الرؤية هو ما سيحدث بعد انتهاء المنتدى: هل تتحول اللقاءات إلى شراكات؟ وهل تتحول الشراكات إلى مشروعات؟ وهل تتحول المشروعات إلى إنتاج وفرص عمل؟ وهل تستطيع التجارة البينية الأفريقية أن تتجاوز حدود الطموح السياسي إلى واقع اقتصادي يشعر به المواطن؟
هذه هي الأسئلة التي ستحدد قيمة التجربة. لكن الرسالة التي خرجت من العلمين تبدو واضحة: أفريقيا تمتلك مقومات القوة، ومصر تطرح منصة للحوار الاقتصادي حول كيفية توظيف هذه المقومات، والقطاع الخاص مدعو إلى أن يكون في قلب عملية التنمية، بينما يظل الاستقرار شرطًا أساسيًا لأي نهضة مستدامة.
وفي النهاية، ربما يكون المشهد كله أكثر تعبيرًا من أي خطاب؛ أرض كانت ذات يوم ساحة للحرب أصبحت اليوم منصة للعمل والبناء والاستثمار. وهكذا تتحول العلمين من ذاكرة للصراع إلى عنوان للمستقبل، وتتحول أفريقيا من قارة تتلقى تداعيات الأزمات إلى قارة تبحث عن أدوات صناعة مستقبلها بنفسها.
من أرض المعركة إلى منصة المستقبل.. العلمين تجمع أفريقيا.
من الأجهزة اللوحية إلى البيانات .. مخاوف تتصدر مشهد تعداد الأردن .. ما القصة
المعلم .. حين كانت للكلمة هيبة
إطلاق رابط التسجيل لمهرجان الزيتون الوطني
من أرض المعركة إلى منصة المستقبل .. العلمين تجمع أفريقيا
بلاغ عن انفجارات قرب ناقلة قبالة اليمن
قطع أراضٍ سكنية بانتظار الأردنيين .. من يحق له الاستفادة
انطلاق فعاليات أيام عمان لفنون الدمى
من فكرة انطلقت من اليرموك إلى قضية وطنية
جولة تفقدية لمشاريع التنمية في قرية وادي رم
اتفاقية لزراعة 200 فضلة أرض في عمّان
الحكومة تعيّن 99 شخصًا في وظائف قيادية
بـ11 ميدالية ملونة للأردن .. إسدال الستار على آسياد ناغويا الأحد
وقائع مروعة تهز الأردن .. تفاصيل تقشعر لها الأبدان
متى يصل أول منخفض جوي إلى الأردن؟ أحدث الخرائط تكشف ما ينتظر المملكة
القوات المسلحة تفتح باب الانتساب والشروط للذكور .. رابط
من هو مساعد طيار فلاي دبي؟ القصة الكاملة من حادثة الطعن الى الهبوط
السوسنة تتتبع نزاع «بن العميد» في الأردن والكويت .. القصة الكاملة
مقتل الأردني محمد الحشايشة في شيكاغو .. تفاصيل اللحظات الأخيرة داخل متجره
تنكة الزيت قد تتجاوز 100 دينار .. وارتفاع مرتقب لأجور العصر
مزاعم بضرب الأردن من إيران .. وطهران تنفي
بعد اختراق FBI .. الأردن يطيح بعضو بارز في مجموعة قرصنة وابتزاز رقمي
وسم 2030 بلا نقاب يشعل الجدل .. ما القصة ومن أطلق الحملة
إرادة ملكية وتغييرات إدارية موسعة في التربية والضرائب .. تفاصيل
هآرتس: وثيقة إسرائيلية تصنف مصر والأردن "عدوتان"
حشد 100 ألف جندي .. السعودية تجهز ضربة عسكرية واسعة للحوثيين
طالب يعتدي على معلم بالمنشار بعد ملاحقته إلى المسجد في الزرقاء
