عويدي يكتب : سنرى النعوش في كل قرية وعشيرة

بقلم المؤرخ المفكر د. احمد عويدي العبادي

بادئ ذي بدء لست مع أي طرف ضد أي طرف وانما مع بلدي الاردن واهلي الاردنيين وامن الاردن، كما انني لست مع التطرف ولا الارهاب ولا العنف ولا الاقصاء ولا التهميش لأي طرف او جهة ضد أي طرف، وأؤمن ان من حق الجميع ان يتكلم ويعبر بما شاء بالأسلوب الحضاري، لان ذلك هو ما يمنعهم من التطرف والارهاب، وعلى الجميع ان يلجأ الى الحوار وليس القتل والتدمير.

      كما ان الحرب الاعلامية والجوية، التي يخوضها التحالف الدولي برئاسة الولايات المتحدة الاميركية، ضد داعش والنصرة والمقاومة السنية، تحت عنوان محاربة الارهاب، لا تزداد الا توسعا واشتعالا في كل يوم في المنطقة برمتها، بل وتزيد المتعاطفين مع هذه التنظيمات، ومزيدا من المنخرطين في صفوفهم من كل انحاء العالم.

      والكل يعرف ان هذا التحالف، يقتل الاطفال والنساء والابرياء والشيوخ السنة تحديدا، ويدمر بيوت الفقراء والبنية التحتية للأراضي العربية، ويمزق المنطقة ويدمرها بحجة الحرب على داعش، وهو في الحقيقة انما يفعل ذلك من اجل عيون الصهاينة، وليس دفاعا عنا، والا لماذا سكت عن مذابح المليشيات الشيعية ضد السنة والحوثيين ضد اليمنيين، والنظام بسوريا ضد الشعب السوري.

      ولا شك، انه ونتيجة القمع الذي مارسته الانظمة في العالم العربي، على الشعوب واصحاب الفكر والراي والكلمة، ظهرت تنظيمات سنية عابرة للحدود وهي القاعدة وداعش والنصرة، وبوكو حرام (غرب افريقيا)، والساحة مرشحة لظهور تنظيمات اخرى أكثر تطرفا، وكلها مستمدة في الاساس، من فكر الشهيد سيد قطب رحمه الله (أعدم عام 1968)، الذي اوضح ذلك في أكثر من كتاب واهمها كتابه: معالم في الطريق، فضلا عما تضمنه تفسيره للقران الكريم في ظلال القران.

  تقوم نظرية الشهيد السيد قطب على عقيدة (الحاكمية لله) (ان الحكم الا لله) وأنها إذا لم تتحقق بالوسائل السلمية والوعظ والارشاد، يجب اقامتها بالقوة. وبذلك استطاع الشهيد سيد قطب ان يشن حربا على الغرب واعوانهم وهو في قبره، وان الحوار معه كان أجدى، وما كان ليكلف شيئا، اما الان فان فكره يكلف امم الارض كلها اضعاف مقدراتها وقدراتها بشكل مستمر.

     ومن نتائج هذا الفكر ظهور القاعدة وداعش وبوكو حرام وأنصار الشريعة والنصرة وأنصار بيت المقدس وغيرهم على الطريق، وكل منهم طور فكره وبرنامجه حسب مقتضيات المرحلة والظروف المحيطة به زمانا ومكانا واضطهادا.

   واصبحت كلها تنظيمات عابرة للحدود والقارات، وتجد اصداء هائلة وبيئات حاضنة، حيثما وجد الظلم والجور وانعدم العدل، وحيثما ساد قمع حرية التعبير وحرمت المساواة وحقوق الانسان والنزاهة وتكافؤ الفرص. وبذلك صار التفاهم المتبادل عبر استخدام النار، بدلا من الحوار من قبل الأنظمة والحكومات والتنظيمات معا.

       ومن الواضح ان هدف امريكا هو حماية اسرائيل من خلال تدمير العالم العربي، وتقسيمه الى كيانات صغيرة لا يستطيع أي منها الدفاع عن نفسه والبقاء، الا من خلال العباءة الاميركية، والرضى الاسرائيلي، وبالتالي يعجز كل منها عن الهجوم على اسرائيل. ولكن التنظيمات العابرة للقارات والحدود تقول انها تريد الاطاحة بالأنظمة والقوى الكبرى، واعادة توحيد الامة والاقطار، بدل تقسيمها وتقزيمها، فضلا عن التمرد على امريكا واسرائيل ومن يسير في ركابهما من الحكام.

     من هنا انضم الى هذه التنظيمات جماعات من المضطهدين والمظلومين والمهمشين، ومن تم اعتقالهم وتعذيبهم واهانتهم، ومن هو ممنوع من حرية الكلمة والتعبير في وطنه، وما اكثرهم، فألقوا بأنفسهم في ميدان تنظيمات تتيح وتشرعن (تعطي الشرعية) لممارسة الانتقام والثأر عمليا، والقتل والذبح والتطرف بفتوى شرعية، وهي الثورة على الحاكم.

         انضمت الدولة بالاردن الى التحالف الدولي في محاربة داعش والنصرة وسط رفض شعبي أردني واضح، ونسيت انها تقحم بلادنا وشعبنا وابناءنا في حرب لا ناقة لنا فيها ولا جمل، وليس لنا مصلحة بها ولا بقتل الاطفال والنساء والابرياء، ولا تدمير البنية التحتية العربية في أي مكان، ولا جلب الانتقام الى بلادنا.

    ومن المحزن القول ان الدولة قد هيأت البيئة الحاضنة في بلادنا لكل من داعش وحزب الله وإيران وغيرهم، عندما فتحت الحدود على مصراعيها لكل من جاء من سوريا، ووزعتهم جغرافيا واجتماعيا بعناية حمقاء على سائر المناطق الاردنية، بحجة الظروف الانسانية، والنخوة القومية، وهي في الحقيقة تقول للأردنيين ان اية مطالبة بالإصلاح والتغيير ستجعل مصيركم في شتات كما السوريين.

وبذلك غضت الدولة بالاردن بصرها عن استقبال ثلاثة ملايين سوري، وهي تصر انهم مليون ونصف، فضاع الاردن والاردنيون، وستضيع الدولة، وتحول الاردنيون من بيئة حاضنة للدولة، الى بيئة حاضنة لكل من يخلصهم منها. هذا فضلا عن ان مخيمات السوريين وغيرهم انما اقيمت على احواض مائية وفيرة كبيرة ونقية جدا.

     وامريكا تعرف ان مئات الالاف من هؤلاء النازحين، هم خلايا نائمة اما لحزب الله او لإيران او لداعش او للنظام بسوريا، وهي امور تم الاعلان عنها سابقا من هذه التنظيمات والدول ولم تؤخذ جديا في الجانب الرسمي بالاردن. وانهم سيتحركون ضدنا في لحظة واحدة منظمة وحرجة، عندما تبدأ المعركة البرية والدخول المسلح الى سوريا على عمق 30-70 كيلومترا، تحت لهيب القصف السوري والكيماوي ونار جهنم الحرب، وما أشجع العرب على بعضهم، وستكون مجزرة ابنائنا فوق الارض السورية، ونحن بغنى عن هذا كله. وسوف نرى النعوش في كل قرية وعشيرة.

      وستكون المفاجأة ان الاردنيين الذين لم تحافظ عليهم الدولة ولم تحترمهم، سيتحركون ضد استمرارها، انتقاما لكرامتهم وهويتهم وعزتهم التي يرون انها اهينت جميعا، ولأنها ورطتهم فيما ليس لهم فيه خير او مصلحة.

  وامريكا تعرف ان الخلايا النائمة من داعش وحزب الله وإيران بالاردن ستتحرك، وتصبح بلادنا ساحة مستباحة للخطر والارهاب والفوضى والصراع والتناحر والتنافر والدمار.

     وبالتالي فانه لا بد من تجميع السوريين في مناطق عازلة خلف اسلاك شائكة مع الحدود السورية، يقف الجيش حائلا بيننا وبينهم، وتمنع اختلاطهم بالأردنيين، وتمنع انتشارهم في بلادنا تحت أي عنوان. والا فان الخلايا النائمة منهم ستحرق الاخضر واليابس.

  ونقول هنا: لقد استغرق القضاء على القاعدة وقتا طويلا، وظهرت داعش بديلا عنه أكثر تطرفا وجذبا للشباب في العالم، وإذا تمكن العالم من القضاء على داعش فسياتي من هو أكثر تطرفا وجذبا.

     الحل هو الحوار والديموقراطية والعدالة وحرية التعبير والمساواة واخواتها للشعوب لتجفيف منابع القوى البشرية الملتحقة بهم. والحل الامني يجب الا يقتصر على اعتقال الاردنيين لان ذلك يغذي داعش والنصرة واخواتها، وانما الحل بالحوار الوطني واحترام الاردني.

   وتجميع السوريين جميعا من سائر المناطق الاردنية، ووضعهم في مناطق عازلة على الحدود السورية ومنعهم من الاختلاط بالأردنيين، او الانتشار بينهم. لانه يتعذر تطويق الخلايا النائمة الا بحصر السوريين والعراقيين في مناطق متاخمة لحدودهم، ويتطلب تجفيف البيئة الاردنية الحاضنة لهذه التنظيمات من خلال الحوار والديموقراطية وحرية التعبير والعفو العام، وبدء مرحلة: صفر عداوة، صفر مشاكل أي حفار ودفان على ما غبا وبان، وبغير ذلك فأننا مقبلون على الكوارث.



* حصري بالسوسنة