عاجل

معادلة الحكم الصعبة


الكاتب : د. عمر جعوان

في العالم انواع محدودة من انظمة الحكم ، كالانظمة الدكتاتورية الشمولية ، حيث يكون الحاكم فيها حاكم على كل شيء يقود الجيوش ويعين القضاة والولاة والوزارات ، يكون للمسؤولون في تلك المواقع مسؤولين امامه عن كل قول وكل فعل ، من غير ان يكون لهم فيها صلاحيات الا التي على هواه ، وهو ربما يتحكم بالامور مباشرة او من خلال زمرة تحيط به وتاتمر بامره ، والزمرة في هذه الحالة مسؤولة عن ابقائه في الحكم ليبقى هو مسؤول عن بقاء اوضاع الزمرة وما لها من مصالح والتي غالبا ما تكون مصالح مادية بحته.


يقابل ذلك النظام نظام اخر وهو المعروف بالنظام الديمقراطي ، هذا النظام مبني على مفهوم بسيط جدا وواضح يقول " الديمقراطية هي حكم الشعب للشعب من خلال دستور يضعه الشعب ويمارس تعديله عند اللزوم وتنفيذه وكلاء عن الشعب منتخبون من الشعب " ، ومن الواضح ان الشكل النظري لهذا النظام هو معكوس النظام الشمولي الدكتاتوري ، لان الشعب فيه يقابل الحاكم في النظام الشمولي .


النوع الاول – النظام الشمولي - كان موجودا على سبيل المثال بوضوح في الدول الشيوعية قبل ان تتفكك او تتحول الى نوع اخر من الانظمة ، حيث كان يتبنى الحاكم مفاهيم اقتصادية واجتماعية مادية ومعنوية هو ومن حوله ، ويطالب دوائر الاعلام ان تستمر ليلا نهارا في التهليل والتكبير لما يقول ويفعل ، وتستمر في ذلك الى ان يصدق الناس بل ويقتنعوا بصدق الحاكم ومصداقيته الممتدة طالما هو في سدة الحكم ويجب ان يعرف الناس ويعتنقون ويقتنعون بان زعيمهم هو الزعيم الملهم الذي لا يضل ولا يخطئ، وانه موجود اصلا ليعلم الناس ويرشدهم الى الدروب التي توصلهم الى تحقيق مصالحهم التي لم يكونوا يرشدوا الوصول اليها قبل ان يدلهم عليها . ولعل ما كان ينفع في ذلك ايضا حجب الاعلام والمعلومات خارج دائرة سلطته عن الوصول للناس خوفا على ما اعتنقوه من مفاهيم من ان تتلوث بالافكار التي يعتنقها اخرون في العالم ، مع التاكيد دائما على استخدام مصطلحات فيها نشوة لمن يستعملها مثل مصطلحات الطلائع والنخبة عن مجموعته ومصطلحات الانتهازية والتخلف والعمالة عن من هم خارج دوائره.


اما النوع الثاني من الانظمة – النظام الديمقراطي – فقد كان موجودا في اوائل ايام المدنية القديمة كالدولة اليونانية القديمة والتي هي صاحبة المصطلح اصلا ، وحتى في الدولة الرومانية القديمة لانها كانت ملاصقة تاريخيا وجغرافيا بل بديلة ووريثة للدولة اليونانية القديمة ، وفي هذه الايام فان كثير من الدول في العالم تعلن رسميا بانها دول ديمقراطية ، ككثير من الدول الاوروبية والولايات المتحدة وحتى اسرائيل ! تعلن هذه الدول انها دول ديمقراطية وانها محكومة بممثلين عن الشعب وياخذون القرارات باسم الشعب ولصالح الشعب !!


الغريب في الحالتين ان كل نظام يدعي بانه يمثل مفاهيم اجتماعية وسياسية واقتصادية ، الاصل فيها انها مناسبة لحكم الشعوب في كل زمان ومكان، ويدعي كل نظام ان ما لديه هو الانسب ، ولما كان هناك اختلاف كبير في واقع الانظمة الحاكمة حول العالم وحتى التي هي من نفس النوع ، اذا فهناك مشكلة .


 وبما ان الامر متعلق بحكام ومحكومين اذا فالمشكلة تقع في احد شقي المعادلة – اما المشكلة في الحاكم او في المحكوم – كما ان هناك مشكلة اخرى هي ان الانظمة في العالم ليست والتي هي من نفس النوع ليست على نهج واحد ، فانظمة الحكم في اوروبا مثلا مختلفة بينها كما انها مختلفة مع الولايات المتحدة والتي من المفترض ان تكون متماثلة الى حد التوحد ، اذا فهناك مشكلة عند احد المكونين اما ان تكون المشكلة في الحاكم او في الشعب المحكوم ...وهذه معادلة صعبة لكن لا بد لها من حل .


في الفكر الشمولي يقوم الحاكم بفرض ما يريده من فكر على المحكومين كما يراه هو ومجموعته ، ويمارس كل اشكال الترغيب والترهيب على الناس لكي يتبنوا افكارة ووسيلته في ذلك هي السلطة بكل مكوناتها ، فالجيش الذي يقوده ، والشرطة التى تعمل تحت امره والقضاء الذي يعين افراده والوزارة التي يضعها والاعلام  ووسائل الدعاية في الدولة تكون كلها مسخرة لفرض قناعته واراءه وتطلعاته وحتى اساليبه على الناس ، ومن يعترض يحاكم بتهمة جاهزة دائما هي الخيانة والعمالة للخارج وحديثا اضيفت تهمة الارهاب ايضا لمن يختلف مع الحاكم ، والغريب في الامر انه يعي في داخله ان هناك من يختلفون معه في الفكر والاسلوب ، وحتى لا يكون الاختلاف حقيقيا يقوم هو بصناعة مجموعات تختلف معه بقرار منه ، وتتبنى فكرا مخالف له في الفروع فيقوم بالتنكيل بها ظاهريا فيرتدع العامة من الناس ويفهموا بان حتى الاختلاف القشري مع النظام يؤدي بصاحبه للهلاك ، فلا يقترب الناس من مثل تلك الافكار والمعتقدات .


هذا الاسلوب من الحكم عمره قصير لانه يختلف مع الفطرة في الحياه ، وفي المعاملات ، فالانسان على وجه الارض تحكمه الفطرة والغريزة والمعتقد ، وتساهم الحضارة والثقافة في صقلها وتثبيتها وان اي قوة تخالف ذلك لا تستطيع الاستمرار طويلا  في ان تتحكم بالبشر ، والتاريخ القديم والحديث شاهد على ذلك.


اما في المذهب اليمقراطي فالحقيقة الناصعة تقول انها لن تستطيع ان تحكم وان تكون صالحة للزمان والمكان الا اذا كان الشعب – معظم الشعب – فاهما معنى الحكم وحر لممارسة مفاهيمه ، اما وقد بينت كل الاحصائيات في العالم بان الغالبية العظمى من الناس غير معنية باكثر من الحصول على حد الكفاف من العيش ، وان ما يعنيها في الحياة هو لقمة العيش والامان المعيشي فانها سيصعب عليها ان تتعلم الاسس الديمقراطية وتتفهمها وتمارسها بل في الحقيقة هي ليس لديها الوقت لتفعل ذلك ، اذا فالاساس الاكبر في المفهوم الديمقراطي والذي هو الشعب غائب من المعادلة ، وهذا ما يجعا الحكم الديمقراطي حكما غير متوان لانه يؤدي في النهاية الي ان تنقض النخب على الحكم من خلال ما تؤسسة من مجموعات واحزاب وعندما تصل للحكم فانها تبدأ بممارسة طغيان الحاكم الشمولي بكل اشكاله والوانه.


الحقيقة ان الذي يجعل المعادلة متوازنة ثلاث متغيرات ، الحاكم والنظام الذي يتبعه ، والشعب بكل مكوناته ، والفكر الذي يجمع بين الحاكم والمحكوم .


لا شك ان الشيوعية فكر متعدد الاركان والقواعد ، اذ لديه قواعد اقتصادية  واخرى اجتماعيه متعددة وفكرية ، ولا ينقصه الا شيء واحد فقط وهو تبنى قواعد تاخذ بعين الاعتبار فطرة الانسان وغرائزة بطريقة منتظمة بحكمها فكر انساني شامل يصلح لكل زمان ومكان، وعند تبنى تلك القواعد فانه بالتاكيد سيقوم بتعديل زوايا قواعده الاقتصادية والاجتماعية لتلائم فطرة الانسان واحتياجاته المضبوطة.


اما بالنسبة للديمقراطية فاساسها الحرية والمعرفة والثقافة ، وبالقدر الذي تتوفر تلك المتطلبات لمعظم الناس سيكون للديمقراطية حظ اوفر في تحديد شكل النظام و السلطة في المجتمع ، يبقى عندها شيء واحد ايضا يصعب – من وجهة نظري – تحقيقة ، وهو الجواب على السؤال التالي : ان نحن انشأنا في الوطن ديمقراطية فعلية مبنية على الحرية الفهم فهل ستلتقي ديمقراطيتنا مع ديمقراطية الامريكان والاوروبيين وسيكون لنا نفس الفرصة والامكانية والحق عندهم مساو لما لهم عندنا ؟


الحل للمشكلات الناجمة عن اختلاف الانظمة في العالم هو ان يقوم مجموعة من المتطوعين الذين يعلمون ببواطن الامور وليس لهم مطامع شخصية الا في رضى ضمائرهم ، بالتعرف على الفكر الانسب للشعوب الذي يحمله القاصي والداني على الارض والذي يحترم الفطرة ويعنى بتهذيب وصيانة الغرائز ويضمن للانسان الحرية في العبش الكريم من خلال تحديد وتوضيح الحقوق المشروعة لكل انسان ، ثم يقوموا بوضع اسس لنظام حكم يضمن لكل لانسان حريته وكرامته وحقوقه بالتساوي مع الاخرين ، ويقوموا باهداء هذا النظام لاي سلطة قائمة في اي مكان في الدنيا لا مانع لديها من سماع كلمة الشعوب المناسبة وتبنيها ، لحظتها سيهاجر كل الناس قلبا وقالبا ليكونوا رعية طوعية طائعة لهذه السلطة .