عاجل

المبادئ الثلاثة


الكاتب : د. عمر جعوان

في ظل تزاحم المتغيرات السياسية في الوطن ، ومن خلال متابعة الاحداث من شرق الوطن الى غربه ، فقد اصبح لزاما على كل ذي ادراك ان يجلس مع نفسه لحظة ليتأمل ويفهم وياخذ قرار .


 يستطيع الواحد منا ان يتأمل فيما يجري حوله على اوسع نطاق ، وقد اضحى هذا ممكن من خلال جلسة او جلسات امام المحطات التلفزيزنية المتعددة ولو كل يوم نصف ساعة وعلى مدى ايام محدودة بحيث تتجمع لديه حصيلة معقولة من المعلومات عن الاحداث المحيطة.


وعندما تتجمع لديه المعلومات فانه قطعا سيتفهم مجرياتها واماكن حدوثها بل واماكن الاعداد لها ، وان كانت لديه خلفية ولو بسيطة عن مصادر معلوماته من حيث التوجه والتمويل والهدف الاكبر وراء وجود ذلك المصدر اصلا ، فانه سيفهم الى اين تسير الاحداث من حوله خصوصا اذا تمكن من الربط بين الحدث واسبابه ونتائجه والى اي مدى حقق ذلك الحدث غاياته .


وعندما يستطيع الواحد منا فهم ما يدور من حوله فانه سيتخيل ببساطة ماذا سيتم حوله لاحقا وعليه حينها ان يقرر على اية محطة يقف بانتظار قطار المرحلة القادمة والى اية وجهة ومحطة مستقبلية يتجة.


فلنأخذ مثلا موضوع شائك مثل موضوع القاعدة ، واعلم مسبقا ان الغوص في بحر هذا الموضوع المعقد صعب للغاية الا ان الامثلة الكبيرة والملموسة تسهل توضيح الفكرة وتساهم في فهمها.


فالذي تابع نشأة القاعدة تاريخيا يلاحظ انها نشأت في افغانستان عندما كانت البلاد تحت جناح الاتحاد السوفييتي ، وبدأت نشاطها في مقارعة الوجود السوفييتي فكريا وعمليا وعسكريا في افغانستان ، وكان الشعار المرفوع حينها هو الحرب ضد الالحاد والشيوعية ، الا ان الذي حدث لاحقا ان الاتحاد السوفييتي كله سقط وتلاشت حمايته للوضع في بلاد الافغان وتبدلت المظله من المظلة الشيوعية السوفييتية الى نقيضها الفكري والعملي تماما وهو مظلة الراسمالية وبالحماية الامريكية ، ولكن وبقيت القاعدة ، واستمرت الحرب هناك وانقلبت القاعدة لتحارب الامريكان واصدقائهم ، فعلى ماذا يدل ذلك ؟.


بالرغم من اختلاف وجهات النظر في موضوع نشأة القاعدة مكانا وسببا ودعما وشخوصا، الا ان الذي حدث انه وعلى مدى عمرها استطاعت القاعدة اجتذاب العديد من العاملين مباشرة والمناصرين حول العالم، اما العاملين فيها فان مادفعهم لذلك لا يعدو ثلاثة اسباب ، اما الارتزاق او الهروب من واقع مؤلم او الحافز الديني الذي تبنته القاعدة وهو الاكبر والاهم ، فبطرح البعد الديني الجهادي في ادبيات القاعدة اجتذبت الكثير الكثير من المؤمنين بالجهاد وسيلة لتغيير الاوضاع الى ما يريدة الخالق في دنيا عبيده.
وهنا مكمن الخطر العظيم ، فالجهاديون يعتبرون ان مفهوم القاعدة في التعامل مع الاوضاع المتردية دينيا وسياسيا واقتصاديا هي الطريقة الشرعية للتغيير والقاعدة اداتها ، واعداء المفهوم الجهادي يريدوا ان يستدلو بافعال القاعدة ونشرها وتضخيمها على خطورة وسوء الفكر الجهادي وبالتالي دعوة الناس للابتعاد عنه وعن ابعاده واصوله ، والدليل على ذلك ان الذين ينادون بهذا التوجه يقولون دائما بان هدفنا هو كسر فكر ومفهوم الارهاب  والجهاد عند اهل القاعدة وليس هدفنا الدين نفسه ، الا ان كثيرا ما يفهم انهم ضد الدين كله لكنهم يبدأون بالتعامل على هذا الشكل العدائي مع مفهوم الجهاد اولا.


والنتيجة المباشرة لهذا العرض هي انه لا فرق في انتشار القاعدة بين العامة من الناس ان كانت اصل القاعدة جهادي حقيقي ام ان وراء الاكمة ما ورائها طالما ان الشعار المرفوع هو شعار جهادي ، وان معركة الاخرين ضد عناصر وفكر القاعدة ستمتد الى اي بعد زمني ومكاني محاولة لتحقيق اهدافها المعلنة والمخفية. وكلا الفريقين سيستمر في كل محاولاته لتحقيق اهدافه .


لكن هناك ثلاث نتائج خطرة خرى لهذه المعركة الكبيرة والتي لا بد من الانتباه لها والوقوف عندها وهي تكمن في التالي:


اولا : ابتعاد الناس عن الدين


لقد ابتعد الناس في تعاملهم مع الموضوع مباشرة او باسلوب غير مباشر عن مجمل قواعد الدين واصبح المفهوم القتالي والجهادي هو الاول والاخير عند العديد من العامة مما اثر سلبا على مكانة العناصر الاخرى في عقل العامة او على الاقل دفعها للخلف ، فضعف الوازع الديني في الشارع وفي الاعلام وفي التعليم  وهذه نتيجة خطرة .


ثانيا : ابتعاد الناس عن القضية المركزية في فلسطين


حينما انشغل الناس بشكل يومي بل ودائم في المعارك المحتدمة بين طرفي القضية المطروحة – القاعدة وجذورها وامتداداتها واشباهها و المتصدين لها شرقا وغربا وعربا -  ابتعد الناس عن القضية المركزية في فلسطين فضعفت المواجهه واستفحل الطرف الثاني في فلسطين  وتطاول على احد ثوابت عقيدة الامة في الاقصى ، وهذا يجعل من الربط بين ضرب عنصر الفكر الجهادي في الدين  وضرب موقع الاقصى وفلسطين في العقيدة الاسلامية شيء ممكن ويبدو منطقيا ، خصوصا عندما يلمس المتابع قوة العلاقة وتوحد التوجه  بين اولئك وهؤلاء، وفي ابسط الاحتمالات فان التركيز الزائد على القاعدة واستقطابات حربها ادى بالضرورة الى الابتعاد عن القضية الجوهرية في فاسطين ، وفي هذه الحالة ايضا هناك خلل اما طبيعي او مقصود.
ثالثا : تسلق غير المناسبين في الوطن سلم المسؤولية


نتيجة لانشغال الامة الطوعي والقصري في الظروف المحيطة ، ونتيجة لاشغال وقت الخواص من ابناء الامة في العمل على حماية ماتبقى من قيم ومفاهيم واخلاق في المجتمعات العربية ، وصرف معظم وقتهم في فض المنازعات الفكرية الممتدة في الربيع والخريف العربي والتي يبدو انها ايضا معارك مختلقة من اذكياء الطرف الاخر ، استطاع مجيدي التسلق في الفكر وفي الدين وفي الاعلام ان يركبوا الموجه ويتصدوا للمسؤولية من غير ان يكون لديهم القدرة والمعرفة لتلك المهمات ، فاختلط الحابل بالنابل واصبح مشاهدي البرامج التلفزيونية الباهته اكثر بكثير من مرتادي المساجد والكنائس في الوطن.


وللعودة للاصول لا بد من القول بان على الامة بشكل العام وعلى مجمل المثقفين بشكل خاص العودة لتبني المبدئ الثلاثة التي تعيد التوازن للوضع وللطريق للمستقبل ، فنحن كمؤمنين بالله وبتعاليم السماء نقول ان النصر في النهاية حتما سيكون للذين يؤمنون حقا بالله وسيكون سبحانه الى جانبهم حيث قال تعالى " وكان حقا علينا نصر المؤمنين " .


وان نضع نصب اعيننا في احاديثنا وحواراتنا ان نبدأ بالتركيز على على محور فلسطين ارضا وعقيدة ووضعا ، اذ يجتمع في محورها كل الابعاد الدينية والسياسية وحتى الاقتصادية ، وتفسير ما يدور حولنا من احداث مهما قربت او بعدت من خلال علاقتها وتاثيرها على ما يجري في فلسطين وما هو الموقف الانسب الذي يجدر بنا لتخاذه على هذا الاساس .


وان ننظر للمشايخ وائمة المساجد والاعلام بعين حذرة ناقدة ومناقشة ، اذ ليس عيبا ولا حراما ولا تخطيا للحواجز ان نقول لاي منهما لا. .