عن الذكاء العاطفي - رلى زيد الكيلاني

عن الذكاء العاطفي - رلى زيد الكيلاني
"تقول الأبحاث بأنه يعتمد 20 % من  نجاح الشخص في حياته على نسبة الذكاء المعرفي IQ ، بينما باقي العوامل التي يعتمد عليها نجاح الشخص وتميزه هي عوامل مرتبطة  بالمهارات العاطفية والاجتماعية التي يطورها الشخص في نفسه. "
 "دانيال غولمان – 1994" 
 
إن قدرتنا على تطوير ذكائنا يتطلب كخطوة أولى أن نبذل الكثير من الجهد للتعرف على الذات وفهم احتياجاتها العاطفية، وتقبلها والتعامل معها بذكاء. والذكاء هنا لا يعني العقلانية التي تكبت المشاعر وتلغي وجودها أو تأثيرها، إنما أعني الذكاء الذي يمكننا من تسخير قدراتنا (المعرفية، التحليلية، الحسية والإبداعية) لتطوير نقاط الحساسية التي تشعرنا بالضعف، وتعزيز الثقة بالنفس للتعامل معها ومع المؤثرات الخارجية بإيجابية.  وهنا تاتي أهمية وعي المربين والأهل (الأب والأم)! فالوعي هو الذي يقوي كل زوج على تحمل مصاعب الحياة، ومشاركتها بحب، والاستمتاع بالعاطفة والرعاية. الوعي هو الذي يشجعنا على تقبل انكسار غرورنا أمام إنسانيتنا الحية، والانفتاح الصادق الذي لا يستخدم التجريح للشريك بهدف حماية الذات من المعاناة العاطفية، وبالتالي نقل هذه التفاعلات اليومية بحب وتقبل لجيل أولادنا، بهدف تطوير عقولهم وأجسادهم وعاطفتهم نحو تحقيق الشغف الحقيقي الذي تحلم به كل روح بريئة مبدعة بفطرتها ومميزة باختلافها.
 
تزداد حاجة كل منا إلى إيجاد شخص يسمع أوجاع القلب، ويرفه عن مخاوف الروح، وقد يكون ارتفاع نسبة التوتر ومسبباته والتحديات التي نعيشها في يومنا هذا سببا في ذلك، فنحن نلجأ دوما للبحث عن الأسباب خارج أسوار القلب، وقد يكون القلب فيه مرض ينشر فيروساته في الجسم والعقل! إن وجود الشخص المستمع، والحكيم المرشد لهو أمر جميل، ولكن كيف لنا أن نسمع لهذا الحكيم المرشد داخل أسوار قلب صغير بحجمه، عظيم بقدراته وتأثيره؟! المهم أن نجد الحب في قلوبنا أولا، حتى نحصل عليه ممن حولنا! 
 
من خلال عملي قبل سنوات، قمت وفريقي بنشر مبادرة "ابتسم في السيارة"!  كدعوة لتجربة أثر الابتسامة على حالتك العاطفية أثناء القيادة، والتأثير فيمن حولك بالعدوى التي ستنقلها ابتسامتك لغيرك من طاقة إيجابية تبث الراحة النفسية في كل مكان تذهب إليه. وقد أضحكني بحزن أحد الأصدقاء الذي جرب أن يبتسم لمدة أسبوع وهو يقود سيارته صباحا إلى عمله، قال بأنه حاول أن يبتسم، وقد أشعره ذلك بالراحة والمتعة، ولكنه عندما ابتسم في وجه رجل كان يقف بسيارته بجانبه على إحدى إشارات المرور، أشاح ذلك الرجل بوجهه عنه بكل برود! قال: أشعرنني أنني مجنون أو فيّ مس!! فتوقفت عن الابتسام!!
 
 هل بتنا نرفض البسمة هذه الأيام أم بتنا نخاف منها؟ !  ما هو ذلك القلب الحزين الذي قُيّد بعقل خائف ليأمر الوجه القاسي بأن يشيح عن مبادرة سلمية مشعة بالطاقة مثل الابتسامة! أستطيع أن أتخيل عقارب الساعة تقف عند مثل هذا التصرف القاسي،  القاسي ليس فقط على صديقنا، بل على صاحب ذلك القلب الضعيف الذي أدمته القيود الفكرية قبل الصعاب والمشاكل التي قد  يعاني منها! - "أخشى أن أكون قاسية في الحكم على صاحب هذا القلب"! والله يعينه!
 
نحن نطالب بالسلام العالمي، ولكننا نغفل عن السلام الداخلي في كل منا! قد يكون من أصعب أنواع السلام، في عالم بات شياطين الإنس قبل الجن هم من يملكون مفاتيح تشغيله! لذلك نلجأ للتذمر والتغاضي عن المسؤولية الشخصية، فذلك أسهل من محاولة التفكر وبذل الجهد الشخصي لإحداث تغيير لنا أو لغيرنا. ولم التغيير؟ "فالناس كلها عايشة!! وإحنا منعيش زينا زي هالناس"! فقدنا الهمة، فقدنا الإيجابية، وفقدنا حتى قدرتنا على استقبال الابتسامة وإهدائها، أملا في يوم أفضل! كلنا نشكي، وقبل ضيق الظروف نشكي، وهناك دوما مبرر لشكوانا، نشكي خوفا من الحسد، مللا من الظروف، ألما من الحروب، استسلاما للظلم!! لكن الغد لن يأتي بشمس مشرقة إن لم نسمح لهذا القلب بالانفتاح على طاقة الشمس، وكبلنا ذلك العقل ليشيح بخلايا دماغه عن التفكير في حلول!! لنبحث عن السلام الداخلي لأنه واجب علينا ومتطلب  لتغذية إيماننا وروحانيتنا!! لنبحث عن السلام في داخلنا لأنه المفتاح لقلب الموازين وإيجاد حلول أفضل لأولادنا. هذا القلب يستطيع فعل المعجزات! بالإيمان به وبطاقة الحب التي زرعها الله فينا منذ الولادة!!
 
لذلك علينا أن نبتسم! لنبستم على الأقل في عيون أطفالنا التي لم تلوثها الأحقاد وتضنيها الأتعاب!
 
وفقنا الله جميعا للوصول إلى السلام الداخلي!