عاجل

عبيدات يصرح بشأن الوضع الوبائي ويحذر .. تفاصيل

انتهاء الدور العابر للأوطان !

الكاتب : محمد الرميحي

 فى طريق دول المنطقة العربية الى النضج علامة مميزة هى الإقرار بان الدور العابر للاوطان قد انتهى ،ذلك هو الدرس الذى لم تستوعبه بعض الحركات السياسية العربية او بعض الدول فى المنظومة العربية او دول الجوار ، فى النصف الثانى من القرن العشرين شهدت المنطقة حالتين تكاد تكونان متناقضتين، الاولى هى الاستقلال من نير الاستعمار، سواء البريطانى او الفرنسي، و الثانية قيام بعض الدول المستقلة بسبب ظروف وعناصر مختلفة بمحاولة التطلع الى التأثير فى الجوار ، ولعب دور نشيط فى تقرير مستقبل الاخرين كما تراه. كل المحاولات باءت بالفشل ، سواء محاولات الدولة التى أرادت ان تمد تأثيرها الى الخارج ،او للتنظيمات السياسية العابرة للحدود. 

 
البعض لم يستطع حتى الان الاعتراف بذلك الفشل ، فاخذ يسعى من جديد للعمل على التأثير فى الآخر والنظر فوق رأس الانظمة القائمة . المثال الذى امامنا واضح المعالم وغنى بالدلالات ، فى حال التنظيمات مثال حركة الاخوان المسلمين التى ارادت ان تكون عابرة للدول، ووثقت ذلك فى صلب ادبياتها، انها فى هدفها الاخير ترمى الى اقامة دولة الخلافة !، ودخلت جراء ذلك الهدف الضبابى فى معارك خسرت فيها الاوطان و الشعوب وقتا ثمينا وفرص تنمية مهدرة، ونحن نشهد اليوم بدأ انحسار ذلك التمدد بدءا من حركة النهضة فى تونس الى جماعة الاخوان فى الاردن،وقبل ذلك فى الكويت،ولكنها صحوة متأخرة ومترددة ، هذه على الصعيد المعلن، اما على الصعيد العملياتى فان ذلك الارتباط مازال موجودا ومخفيا سعيا وراء الهدف الوهمى ،ولكنه فى نهاية الامر سوف يصدم بالواقع وسوف تجبر الحركة على تقليص ذلك الدور العابر للحدود، بسبب قرب نضج الدولة الوطنية.
 
مشكلة الانسان بشكل عام، والانسان السياسى على وجه الخصوص، انه لا يتعظ بسرعة من النجارب الفاشلة، فهذه تركيا مثلا ترغب بان تمد نفوذها من خلال تنظيمات او دول تتعاطف مع أجندتها السياسية الى الخارج ، هذا الطموح يفعل فعلين متسقين فى نفس الوقت، الاول يضعف الدولة بحد ذاتها من الداخل ،والثانى يثير مقاومة من الخارج، تقلص او توقف ذلك التمدد، ايران مثال آخر مشهود، فقد قامت بمحاولات مستميته للتمدد الايديولوجى واللوجيستى فى الخارج، الا انها تواجه مقاومة من العناصر الحية فى تلك المجتمعات التى تمددت فيها ، كما تواجه مقاومة تتعاظم فى الداخل نتيجة ذلك التدخل، الذى يستنزف الموارد ويوهن الجسم الوطني. الظاهرة الملاحظة ان بعض الدول و بعض المنظمات السياسية ظلها اطول من قامتها ، وهى تعتقد بشكل وهمى ان الظل هو القامة، وقد تساعدها ظروف ما لاعتبار ذلك الظل اساسا تبنى عليها سياساتها ، و فى وقت ما تفاجئ بأنه مجرد ظل لا اكثر ،ولكن ربما بعد فوات الاوان، وبعد تكبدها ( دول ومنظمات) اثمانا باهظة تأكل فى الاساس من راس مال شعبها فى التنمية والاستقرار. كلما اقتنعت هذه المنظمات وتلك الدول إن قدرتها على الفعل خارج أوطانها قاصرة ومحدودة ومؤقته وغير مرغوب فيها، اختصرت معاناة شعوبها .
 
امامنا مثالان صارخان عايشناهما فى هذا الجيل ، و هما من ضمن امثلة مشابهة تكررت فى فضائنا العربى ، الاول لقد ادى تدخل نظام العقيد معمر الغذافى فى الجوار الى كوراث سياسية واقتصادية، زحفت الى نفسه شخصيا وأورثته العظمة والغرور، حتى وصوله الى حتفه مقتولا ومن ثم تفتت ليبيا الى جزر و التى يعانى شعبها اليوم الأمرين من جنون العظمة وشهوة التوسع التى أفقدت ليبيا ثرواتها واستقرارها ، اما المثال الاخر فهو عراق صدام حسين، الذى اعتقد فى وقت ما ان تمدد نفوذه قد يؤهله الى إحتلال دولة وشعب آخر ، مرة أخرى تحت شعارات وهمية،فعاد بالخيبة على شعبه، واوصلت أعماله شخصه الى منصة الاعدام ،والوطن العراقى والعراقيون اليوم مازالوا يعانون تبعة ما جره عليهم حلم التوسع وتوهم الظل ان القامة! على الصعيد الدولى هذا ما حصل للاتحاد السوفيتى ذى القامة الكبيرة، بمحرد ان قرر التوسع فى الجوار ، فتحت على مشروعه كل قوى التحرر الوطنى مقاومة ورفضا ، حتى فى بلد فقير ومعزول هى افغانستان، ومازال ذلك الجرح مفتوحا،ولكن بعد انهيار إمبراطورية كانت الثانية فى القوة والمنعة فى العالم ! وهم القوة قد يقود الاوطان و المنظمات الى التهلكة، خاصة ان كان ذلك الوهم يرغب ان يتمدد خارج الاوطان، بعض اوهام القوة او كبر الظل، ليس لها مشروعا حتى سياسى اقتصادى اجتماعي، هى فقط ترغب فى توسيع تأثيرها لا غير ، وهنا الطامة الكبري، لانها فى اطار تحقيق ذلك الوهم تضطر ان تتعاون مع الافاقين والكذابين والمرتزقة ، فتقامر برصيدها المالى أو السياسى فى مشروع واضح الخسران. كثيرا من مثل هذه المشاريع تصدم بالحائط الصلد،وهو قيم وامال الدولة الوطنية.
 
لقد خسر العرب زمنا وموارد بسبب بعض طموحات قليل من البلاد والتنظيمات بالتوسع المعنوى أو المادي، أو بسبب طموح بعض تنظيماتهم السياسية بمد ظلها بعيدا ،حتى لو كان على ضلال وفى مشروع وهمى ! تلك واحدة من معوقات الفكر السياسى العربى الذى عانينا منه ولا زلنا نعاني، وفى خضم تلك المقامرات خسرنا كثيرا ولم يكن هناك رابح. نحن الان ( كعرب) فى مرحلة الانتقال من التنافس الاستحواذى تحت مشروع فكرى او سياسى، الى التناقم بين الدول الوطنية، وكلما سرعنا فى مرحلة الانتقال تلك، كسبت شعوبنا استقرارا وخيرا ، البعض مازال فى اخر شريط أحلامه (دول ومنظمات) ان يستمر فى وهم تضخيم الظلال الممدمر ، الذى يفقد الاوطان فرص النمو، ويزيد من المعاناة ، لم يتعلم بعضنا من التجارب المريرة و المدمرة التى دفعت فيها الشعوب أثمانا غالية ، وبعضها لا زال يدفع، نتيجة وهم التمدد الى الخارج .
 
هذه المرحلة الانتقالية لا يمكن ان نمر بها بالتمنى او الدعاء ، انها مرحلة تحتاج الى عقول، و تحتاج الى اصرار لاجتيازها ، وقبل ذلك تحتاج الى فهم واضح ان زمن الادوار العابرة للاوطان قد انتهي، تحت اى شعار براق او مصالح مستترة. تلك فى تقديرى هى ما ترغب فيه الشعوب العربية، وما المعارك التى نخوض صد التوسع من دول ومنظمات الا عنوان للمرحلة المرجوة التى هى مرحلة العقلانية،والبعد عن الاستقواء بشعارات او مغريات لا تغنى ولا تسمن! لقد ازف الوقت للنظر فى خيار افضل واجدى ،هو تركيز الموارد والجهود للسير فى طريق التنمية ، فنحن فى عصر ( ماتت فيه الايديولوجيا)!