من روائع مسلم بن الوليد

من روائع مسلم بن الوليد
الكاتب : شريف الترباني

مسلم بن الوليد الشاعر العباسي الذي مازج بين القديم والجديد ؛ فأخرج لنا جمالا باهرا وصورا رائعة غير مسبوق بها .

 
ومما اختص به هذا الشاعر وصف الخمر وإعطاؤها صفات وصور تجعلك أمام قامة عظيمة في البديع والبيان ، وصدق الإمام الذهبي إذ قال في حقه : ( حامل لواء الشعر ) .
 
ومما اختص به هذا الفحل  ؛ معرفته القوية لفرق الخوارج كالأزارقة وغيرهم ؛ لأنه عايشهم ومدح الأمراء الذين دكوا حصونهم ، كالأمير ( يزيد بن مزيد الشيباني ) و ( داود المهلبي ) ...
 
وقد وصف هذا الشاعر حرارة الخمر وسطوتها بالحقد القاطن قلوب الحرورية الخوارج على أهل السنة والجماعة ، وهو وصف لم يسبق إليه !
 
وهذا المقال أريد أن أبين فيه وصفا وجمالا جاء به مسلم بن الوليد يدلل على عبقريته وفحولته في الشعر وفنونه ...
 
فاليوم دار نقاش في قاعة المحاضرة التي يديرها الدكتور الفاضل ( محمد الشريدة ) المدرس في الجامعة الأردنية حول أبيات لمسلم بن الوليد :
 
صفراء من حلب الكروم كسوتها
...... بيضاء من صوب الغيوم البجس 
 
مزجت ولاوذها الحباب فحاكها
...... فكأن حليتها جني النرجس
 
وكأنها ، والماء يطلب حلمها
....... لهب تلاطمه الصبا في مقبس 
 
جهلت ، فدارى جهلها ؛ فتبسمت
....... عن مشرب لون الشهولة أعيس 
 
ففي هذه الأبيات يصف أصل الخمر  ( الكروم ) وهو العنب ، وكذلك أصل الماء الذي خالطها و هو ( الغيوم البجس ) .
 
ومقصدنا هو تبيان فحولة الشاعر وقدرته على إيجاد الصور الجديدة التي لم يهتد اليها أحد قبله في البيت الثالث والرابع حيث ابتكر صورة أثناء امتزاج الماء بهذه الخمر العاتية !!
 
صور الماء رجلا حليما عاقلا يستلطف الخمر ويداريها وهي الجاهلة المستشيطة الطاغية .
 
فالخمر لهب أحمر تتلاعب به ريح الصبا وهي من أعتى الرياح وأقواها ، ومهبها من ديار نجد ، وهي التي يسميها العوام : ( الشرقية ) .
 
فلما داخل الماء أجزاء الخمر الطاغية المتجهمة ، طالبها بالحلم والتحلم ، والابتعاد عن هذا الغضب الذي يعتريها ...
 
وهذه الخمر جاهلة ( جهلت ) فهي خارجة عن القصد والحق ، ومرتكبة للشطط والتعسف ...
 
فقام الماء بمدارتها حتى تبسمت ؛ والتبسم علامة التحلم واكتساب الحلم الذي سعى إليه الماء وطلبه من هذه الخمر المتجبر ...
 
وبعد اكتساب الحلم أصبح لونها لون الشهولة وهو بياض خالطته الحمرة .
 
فالماء رجل حليم يطلب من الخمر التعقل والتحلم ،  وهذه هي عملية المتزاج الحاصل بين الخمر والماء .
فهل سبق ابن الوليد بهذه الصورة ؟
 
وقد جاء وصف هذه الخمر العاتية مبثوثا في ديوانه يؤكد طيشها وكبرها ،  الذي طالبها الماء أن تتركه وتتصف بالحلم  :
 
خرقاء يرعش بعضها من بعضها
...... لم تتخذ غير المزاج حليلا
 
فهي خرقاء عاتية ؛ أجزاؤها يخشى بعضها من بعض ؛ وذلك لقوتها وسورتها .
 
وهي نفور لم تتخذ زوجا وحليلا الا الماء الذي مازجها وخالطها .
 
وجاء أيضا أنها تعطي الحليم إن  شربها الكبر والجهل : 
 
إذا ما تحساها الحليم أخو النهى
...... أسر بها كبرا وأبدى بها كبرا .
 
وهذه العاتية لا تعشق الا العتاة  أمثالها التاركين للفرائض والعبادات :
 
أخص الندامى عندها ، وأحبهم
..... إليها الذي لا يعرف الظهر والعصرا !!

آخر الأخبار

أكثر الأخبار قراءة