الرميكية ضيعت مملكة العبابيد بالأندلس

 الرميكية ضيعت مملكة العبابيد بالأندلس
الكاتب : د. أحمد عويدي العبادي
اعتماد الرُّمَيْكِيَّة (488 هـ / 1095 م، وهي جارية (أي تباع وتشترى من سوق الجواري)، لرميك بن حجاج فنسبت إليه الى يومنا هذا، وذكر السيوطي في كتابه (نزهة الجلساء في أشعار النساء) ان المعتمد اشتراها وهو ولي للعهد ثم تزوجها، ورافقته طيلة حياته حتى نفيه على يد المرابطين إلى أغمات ووفاتهما هناك، حيث توفيت قبله بأيام قليلة ودفن واياها في حجرة واحدة ومعهما أصغر أبنائهما. 
 
    وهي أم أولاده الملوك: (الرشيد والمأمون والراضي والمؤتمن، وأختهم الشاعرة بثينة). ولبثينة قصة مأساوية ولكنها جميلة جدا حيث تم سبيها عند سقوط اشبيلية، وبيعها كجارية واشتراها عربي مسلم فأحسن اليها وتزوجها (ربما نشير اليها في مقالات قادمة بعون الله تعالى)
 عُرِفَت الجارية الرميكية التي أصبحت اميرة ثم ملكة، بمهارتها في الشعر والحديث، وبراعتها باستعمال النكت والفكاهة فيهما، فأسرت قلب صاحبنا المعتمد بن عباد بأغلال النعومة والطراوة، وكانت مشهورة بالجمال، وتصنف ضمن الشاعرات الاندلسيات.
    وكما يقول ابن خلكان في كتابه: وفيات الاعيان ان الرميكية غلبت على المعتمد وافرط في الميل اليها، وتحولت من سرية الى زوجة (الى ملكة) هي ام أبنائه لازمته بقية حياته وسعادته وشقائه. 
   , والقصة من أساسها كما يرويها ابن خلكان: عندما كان المعتمد بن عباد اميرا وليا لعهد والده المعتضد في اشبيلية بالأندلس, اذ ذهب يتنزه ذات يوم ومعه وزيره الشاعر أبي بكر ابن عمار في أحد متنزهات إشبيلية المطلة على نهر الوادي الكبير, رأى النسيم يحرك صفحة الماء برفق وجمال, فهاجت مشاعره فقال: «صنع الريح من الماءِ زَرَد" وطلب من وزيره الشاعر ابن عمار أن يرد عليه (يقصد أن يكمل رفيقه بيت الشعر) ، إلا إنَّ بديهة ابن عمار خانته تلك المرة فكانت بطيئة، فسكت طويلاً ولم يكمله،
     وفي هذه الأثناء كانت بقربهما جارية حسناء رقيقة جميلة تغسل الملابس في النهر، فقالت: «أيُّ درعٍ لقتالٍ لَو جَمَد»، فتعجَّب المعتمد من ذكائها وسرعة بديهتها وانتباهها اليه ومن جمالها، فسألها واخبرته انها ليست متزوجة وأنها جارية لرميك بن حجاج واسمها اعتماد الرميكية نسبة الى سيدها الرميكي. فذهب المعتمد إلى صاحبها واشتراها منه وأصبحت سرية له / أي جارية من عرض الجواري الكثيرات من ملك اليمين، ثم تزوجها في وقت لاحق، ففضلها على زوجاته ومحظياته. 
 
  كان لقب المعتمد بالأصل هو "المُؤَيَّد بالله"، لكن بعد زواجه من الرميكية غيَّر لقبه إلى المعتمد على الله شغفا بها وتيمُّناً باسمها "اعتماد" لفرط حبه لها وسيطرتها عليه. والرميكية هنا نسبة إلى قوم هجناء. وهي سبة استخدمها عمر بن لجأ في هجاء جرير فقال: (أتفخـرُ يا جـريرُ وأنـتَ عـبـدٌ * من الرَّمكِيّةِ اقتُضبَ اقتِضـابـا).
   وهنا تبدأ الفصول القاتلة في تاريخ مملكة بني عباد بالأندلس، عندما تزوج ولي العهد جارية غير معروفة الحسب والنسب والاصل بما يخالف اعراف العرب في انتقاء الزوجات لأنهن سينجبن الامراء والحكام والملوك ويشاركن في إدارة الدولة ويحملن القاب الامارة والالقاب السنية ويشاركن في الحكم والقرار، وكلما كانت محصنة الأصل كلما ساهم ذلك بالحفاظ على العرش والدولة والوطن واستمرار الحكم واستقراره.
    الا ان المعتمد (للأسف الشديد) لم يلقي بالا لهذه القواعد السياسية والتاريخية امام عواطفه وشهوته، أمام حبه لهذه الجارية التي نصب الشيطان حبائله كلها في شخصها، فدفع الثمن لاحقا ودفع معه بنو عباد الاندلس الثمن حيث ضاع ملكهم تفرقوا في البلاد الى يومنا هذا بسبب فرط حبه للرميكية، غير معروفة الأصل. وتوزعوا في الأميركتين والاندلس وشمال افريقيا والأردن . 
 
    كانت اعتماد الرميكية هذه أقرب زوجات المعتمد وأحبهن إليه، وهي لا تبالي من تعدد الزوجات والجواري والمجون طالما انها كانت السيدة الأولى وأصبحت الملكة وبقيت نساء المعتمد وجواريه الاخريات على حالهن من حيث الألقاب والمكانة، والكل يرجع اليها. وكان يغدق عليها الأموال لإرضاء رغباتها التي لا تجف ولا تتوقف. 
((ومع الأيام صارت هي الآمرة الناهية في قصر اشبيلية ومملكة بني عباد، وكان لسمو مكانتها وتمكن نفوذها يطلق عليها لقب "السيدة الكبرى" تماماً مثل السيدات الأوليات (السيدة الأولى او العليا) في هذا الزمان وما أكثرهن!
    كانت اعتماد أديبة شديدة البراعة في نظم الشعار مولعة بعقد مجالس الشعر والأدب تبرز للرجال وتجالسهم في هذا المضمار، وكانت مشهورة بالبذخ الشديد والإنفاق على مجالس اللهو والعبث الفارغ، ولها في ذلك أخبار ونوادر شهيرة، منها "يوم الطين".
 أصبح تأثيرها على المعتمد بالغ الخطر، وعظيم الضرر، فقد غلبه عشقها، وأسره هواها، فصار لا يقطع أمرا دونها، ولا يخطو خطوة إلا برأيها، فكانت غالب قراراته وخطواته بإشارة منها واسترضاء لها. وفي ذلك كان دمار ملك بني عباد والعرب في الاندلس 
 
    وقد ضجر (علنا) بنو عباد ومعهم أهل اشبيلية من تدخلاتها وأثرها السيئ على ملكهم ومملكتهم، خاصة وأنها قد ورطت الملك المعتمد في الخلاعة والمجون ومجالس البطالة واللذة، وغلب على أحواله الاستهتار والمجاهرة بالمعاصي وتعطيل الصلوات وهجر الجمع (مفردها الجمعة) والجماعات.
    ثم بلغ الأمر مداه بتدخلها في محالفة الأسبان الصليبيين ضد مملكة المرابطين وزعيمهم "يوسف بن تاشفين" فعندها ضج أهل اشبيلية وقرطبة من تصرفات ملكهم الطائش وزوجته المستهترة المسيطرة وكانت تتحكم بالبلاد والعباد، فكتبوا إلى "يوسف بن تاشفين" يطلبون منه نجدة الأندلس قبل السقوط بيد الأسبان الصليبيين
   من الواضح ان الرميكية عمدت الى السحر والشعوذة للهيمنة على المعتمد من جهة، واغرقته في الملذات من جهة أخرى، فكانت عونا للدهر والاعداء عليه وليس عونا له على الدهر والاعداء. 
  ومنذ ان كان المعتمد اميرا عملت الرميكية والشاعر ابن عمَّار على انغماس المعتمد في حياة اللهو، وانتشر الكلام عن ذلك بين الناس، ممَّا أغضب والده المعتضد، فأمر بنفي ابن عمَّارٍ إلى أقصى شمال الأندلس، وبقي منفياً حتى وفاة المعتضد. حيث اعاده المعتمد ليكون أحد الوزراء والولاة المخلصين قبل ان ينقلب كل منهما على الاخر بسبب الرميكية ووشايات ومؤامرات منها، ويقتله المعتمد بيديه تقطيعا بالفأس، في سورة غضب صنعتها الرميكية.
   اهتم المعتمد بن عباد بالشعر كثيرا، حيث كان يقضي الكثير من وقته بمجالسة الشعراء، وقد ازدهرت إشبيلية في عهده، فعُمِّرت وشيدت. وفي خلال فترة حكمه. كما ظهر في عهده شعراء معروفون مثل أبي بكر بن عمَّار وابن زيدون وابن اللبانة وغيرهم.
ومن أشهر قصص تبذيره لأجل إرضائها يومٌا أرادت فيه أن تسير على الطين، فأمر المعتمد بأن يسحق لها الطيب وتغطى به كل ساحة القصر، ثم تصبّ الغرابيل، ويصبّ ماء الورد عليهما، وقد عُجِنَ ذلك حتى أصبح كالطين، فسارت عليه الرميكية مع جواريها حفاة، 
  (وقد وقف الكاتب شخصيا عام 2013 على هذا المكان في قصر المعتمد في إشبيلية، وحزنت لمنظره ومئاله وكان برفقتي ابني د البشر والمهندسة عرين وامهما في رحلة تجولنا فيها في ربوع الاندلس التي يحفظها ابني البشر جغرافيا وتاريخيا وطرقا كما احفظ اسمي من ثلاث مقاطع). 
  والقصة ان الرميكية رأت نساء بادية اشبيلية الفقيرات يبعن اللبن ويمشين بالطين حفاة من اجل لقمة عيشهن فحسدتهن على الفقر والشقاء (الذي الت اليه في خواتيمها) وطلبت من المعتمد ان يصنع لها طينا تمشي به كالبدويات اللواتي يبعن اللبن.
وفي يومٍ بعد هذه الحادثة اختلفت معه وغضبت، فقالت له: «والله ما رأيتُ منك خيراً قط!»، فقال لها: «ولا يوم الطين!»، ويقال انها خجلت منه واعتذرت.
 
وقد خلد (من الخلود) المعتمد يوم الطين وهو في سجنه عندما رأى الرميكية حافية القدمين تطأ الطين الحقيقي فقيرة ترتدي الاسمال البالية تغزل للناس من اجل كسب الحد الأدنى من لقمة العيش، فقال في ذلك شعرا مخاطبا نفسه:
 
فيما مضى كنت بالأعياد مسروراً فسائك العيد في أغمات مأسوراً
ترى بناتك في الأطمار جائعةً         يغزلن ‏ للناس ما يملكن قطميراً
برزن نحوك للتسليم خاشعةً      أبصارهنَّ‏ حسيرات مكاسيراً
يطأن في الطين والأقدام حافيةً        كأنها لم تطأ مسكاً وكافوراً
أفطرت في العيد لا عادت إساءتُه فعاد فطرك للأكباد تفطيراً
قد كان دهرك إن تأمره ممتثلاً فردّك الدهر منهياً ومأموراً
من بات بعدك في ملكٍ يسرّ به فإنَّما بات في الأحلام مغروراً
 
ويُروَى أنها رأت يوماً الثلج في قرطبة يهطل شتاء وكانت في جولة مع المعتمد، وكان ذلك نادر الحدوث في اشبيلية جنوب الأندلس، فبكت بشدة، ولما سألها المعتمد عن سبب بكائها، قالت له بوقاحة لا تليق الا بالجواري قليلات الاصل: «إنك طاغية جبار غشوم، انظر إلى جمال ندف الثلوج البارقة اللينة العالقة بغصون الأشجار، وأنت أيُّها الناكر للجميل لا يخطر ببالك أن تُوفِّر لي مثل هذا المنظر الجميل كل شتاءٍ ولا تصحبُني إلى بلدٍ يتساقط فيه الثلج كل شتاء».
 
    فقال لها المعتمد: «لا تحزني ولا تستسلمي لليأس يا سلوة النفس ومنية القلب، فإنِّي أعِدُكِ وعداً صادقاً أنك سترين هذا المنظر الذي أدخل على قلبك السرور كل شتاء»، ثم أمر بزرع أشجار اللوز على جبل اشبيلية، لتظهر عند طلوع أزهارها كأنها مُغطَّاة بالثلوج.
    وقد أثارت نزوات الرميكية المتكرِّرة هذه سخط علماء ووجهاء دولة بني عباد، وأصبحوا يرون أنها هي منبع ضعف الدولة لأنها تجر الملك المعتمد الى التهتك والمجون واللهو بدل العمل على بناء الدولة وقوتها امام ألفونسو السادس في قشتالة المجاورة.
    وبالتالي فهي لا تقل عن الأعداء خطراً على بيضة المسلمين، وهي العدو الداخلي الذي يسهل للعدو الخارجي من خلاله القضاء على الدولة واحتلال الأرض. وقد دعمت ايمانه بالتنجيم والمنجمين، ولذلك كان يعقد آمالاً كبيرة على نبوءات منجّمه أبي بكر الخولاني. 
 
 إزاء ذلك كله أفتى فقهاء المسلمين بالأندلس بما فيهم فقهاء مملكة بني عباد ليوسف بن تاشفين امير المرابطين في المغرب العربي، بجواز القضاء على ملوك الطوائف بما فيهم ابن عباد وضمِّ إمارات هؤلاء الملوك إليه بالقوة. وكان من ضمن ما أشاروا إليه من مبررات في فتاواهم تبذير الرميكية وجر زوجها المعتمد إلى حياة الترف واللهو والاسراف والبطر.
 تزامن ذلك مع مؤامرة داخلية حيكت ضده في عاصمته بإشبيلية بسبب تصرفات وسيطرة الرميكية على مقاليد الحكم، وكانت هذه المؤامرات تهدف لتسليم المدينة/ اشبيلية، لقوات يوسف بن تاشفين امير المرابطين وكان المعتمد يحاول وضع عيونٍ لمراقبة المجريات، لكنها لم تكن كافية وخرجت اشبيلية عن السيطرة وعندما يئس ترك إدارة المدينة لابنه الرشيد.
 
استجاب المرابطون لنداء مسلمي الأندلس وعبرت جيوشهم البحر ووصلوا إلى عاصمته إشبيلية، ضمن محورين: واحدٌ من جهة الغرب -يفصله نهر الوادي الكبير وأسطول للمعتمد عن المدينة -والثاني من الشرق، وبدأ يضيق الخناق على المعتمد. 
، وأسقطوا ملك "المعتمد بن عباد" في عام 484 هـ (1091م) وانهوا مملكة بني عباد الاندلسية، وأخذوا الملك أسيرا هو وزوجته "اعتماد الرميكية" وانتزعوها من العز والقصر المنيف في اشبيلية، إلى بلاد المغرب، ليتم سجنهم بتهمة الخيانة العظمي للإسلام والمسلمين في سجن أغمات. 
، وعادت اعتماد إلى الذل والفقر والملابس الخشنة وشظف العيش، كما بدأت، فلا قصور ولا ضياع ولا مجالس لهو وخمر وشعر ومجون، بل بيت صغير بجدران صخرية، ونفقة ضئيلة لا تكفي لإعالة فرد واحد، وانزوت أيام عزها، وولت ليالي سيدة اشبيلية الكبرى أو الأولى، فلم تحتمل إلا قليلاً فذبل حسنها وانطفأ بريقها وضاع بهاؤها، وماتت ودفنت في قبر في أغمات، وصارت عبرة للأوليين والأخريين، ولا نقول هنا الا: رحم الله المعتمد ورحمها وغفر الله لهما.
 
    نقول: وعند وصولهم إلى المغرب قرَّر يوسف بن تاشفينَ نفيهم، ومعهم عدد اخر من ملوك الطوائف إلى سجن أغمات، حيث قضى المعتمد آخر أيام حياته في الأسر بظروفٍ مزرية ومعاملة سيئة.
 
    وممَّا ساهم في إساءة معاملته -على عكس أمراء بني زيري -أن ابنه عبد الجبار حاول شنَّ ثورة على المرابطين بعد سقوط إمارة بني عباد.  فتم نقل المعتمد إلى أغمات لإبعاده عن سواحل الأندلس، بحيث لا يكون الفرار عليه سهلاً، ولا الثورة على ابن تاشفين.
 
   اما الزيريون أو بنو زيري فهم سلالة حاكمة صنهاجية أمازيغية من منطقة المغرب الأوسط (الجزائر حالياً)، حكمت في شمال أفريقيا الجزائر وتونس وأجزاء ليبيا ما بين 971-1152م، ومناطق من الأندلس.
واتخذوا عدة عواصم ابتداء من مدينة آشير منذ عام 971 م، ثم القيروان منذ عام 1048 م، ثم المهدية منذ عام 1057 م.
    وقد أثار سجن المعتمد وإساءة معاملته من طرف امير المرابطين الكثير من انتقادات المؤرخين إلى زعيمهم يوسف بن تاشفين، وجذبت إلى المعتمد تعاطف الكثير من الأدباء والشعراء وكتاب التاريخ.
عانى المعتمد بن عبَّاد في سنتيه الأخيرتين بالأسر من المرض والكرب بسبب ما أصابه، ويقول الفتح بن خاقان في كتاب القلائد عن أيامه الأخيرة: «ولم تزل كبده تتوقَّد بالزفرات، وجلده يتردَّد بين النكبات والعثرات، ونفسه تنقسم بالأشجان والحسرات، إلى أن شفته منيته، وجاءته بها أمنيته»، فتوفّي في أغمات بتاريخ 11 شوال عام 488هـ (أكتوبر 1095م)، عن عمر 56 سنة.
 
اما المؤرخ الفتح بن محمد بن عبيد الله بن خاقان ابن عبد الله القيسي الإشبيلي، أبو نصر (480 -528 هـ = 1087 -1134 م): فهو كاتب ومؤرخ، من أهل إشبيلية. ولد ونشأ فيها. وكان كثير الأسفار والرحلات، قال عنه ابن خلكان: «خليع العذار في دنياه، لكن كلامه في تواليفه (مؤلفاته) كالسحر الحلال والماء الزلال» مات ذبيحا بمدينة مراكش، حيث أوعز بقتله أمير المسلمين، علي بن يوسف بن تاشفين. 
     ومن تصانيفه «قلائد العقيان» في أخبار شعراء المغرب، و«مطمح الأنفس ومسرح التأنس في ملح أهل الأندلس» و«راية المحاسن وغاية المحاسن» أدب، و«مجموع رسائل» ورسالة في «ترجمة ابن السيد البطليوسي» أوردها المقري في «أزهار الرياض» 
اما الرميكية زوجة المعتمد المدللة فقد كانت سببا رئيسا في ضياع ملكه باللهو والانصراف الى البذخ والنساء والاغاني وكانت نهايتها انها صارت تغزل للناس بالأجرة لكي تعيش، وتمشي حافية بالغبار والطين لا تقدر على شراء حذاء، وهذا ما نجده في قصيدة المعتمد بن عباد المشهورة كما ذكرنا أعلاه.
    ويُروَى من نكاتها أثناء إقامتهما في أغمات قولها مرَّة: «لقد هُنَّا، هنا»، وقالت له مرة عندما مرض: «يا سيّدي ما لنا قدرةٌ على مرضاتك في مرضاتك".
كانت سببا من أسباب زوال ملكه وانتهاء حياته من ملك الى اسير بالأغلال والاذلال، وبقي يرسف بالقيود الى ان وافته المنية وهو ما نجده في شعره التالي 
 
تبدلت مـن ظـل عـز البنود بذل الحـديد وثقل القيود
وكان حديدي سناناً ذليقاً وعـضباً رقيقـاً صقيل الحديد
وقد صار ذاك وذا أدهماً يعـضّ بساقي عــضَّ الأسود
 
ويجمع المؤرخون ان المعتمد وبنو عبَّاد بصورةٍ عامة عرفوا (بضم العين) بعلمهم وأدبهم، واهتمامهم الكبير بالعلماء والأدباء والشعراء خلال حكمهم لإشبيلية وقرطبة، وإغدافهم الأموال والمكافآت على البارعين منهم. ويقال إن المعتمد لم يكن ينصّب كاتباً أو وزيراً ما لم يكن شاعراً. 
وقال عنه الإمام الذهبي في كتاب سير أعلام النبلاء: «كان فارساً شجاعاً، عالماً أديباً، ذكياً شاعراً، محسناً جواداً ممدحاً، كبير الشأن، خيراً من أبيه. كان أندى الملوك راحة، وأرحبهم ساحة، كان بابه محطَّ الرحال، وكعبة الآمال». 
   وكذلك وصفه ابن الأبار القضاعي بأنه كان «من الملوك الفضلاء، والشجعان العقلاء، والأجواء الأسخياء المأمونين. عفيف السيف والذيل».
 
  ونختم مقالنا هنا ببعض الأبيات الشعرية التي نظمها المعتمد بن عباد في رثاء حاله، وأمر أن تكتب على قبره. ويذكرها خير الدين الزركلي صاحب كتاب الاعلام:
 
"قبر الغريب سقاك الرائح الغادي/      حقا ظفرت بأشلاء بني عباد
بالحلم بالعلم بالنعمى إذا اتصلت/      بالخصب أن أجدبوا بالري للصادي
نعم هو الحق فاجأني على/          قدر من السماء ووافاني بميعاد
ولم أكن قبل ذاك النعش أعلمه/         أن الجبال تهادى فوق أعواد