بلقيس الأردنية في النقوش الاشورية والمسمارية

بلقيس الأردنية في النقوش الاشورية والمسمارية
الكاتب : د. أحمد عويدي العبادي

 الحلقة الخامسة 

 
    نجد في أحد النقوش المسمارية الآشورية، في بلاد ما بين النهرين، ذكرا للإمبراطور الاشوري (سرجون الثاني) 724 -75 قبل الميلاد، انه تسلم إتاوة من ملكة (أريبي) (أي ملكة العرب / أي ملكة ادوماتو/ او سبأ /او الجوف / او دومة الجندل الأردنية، وكلها أسماء صحيحة لنفس المسمى من المكان والشعب والدولة / المملكة).  ويبقى اسم بلقيس يعني (وهج الشمس): إذا بزغت من المشرق متوجهة صافية جميلة، وهي كذلك في سائر الفصول لأنها تطل على بادية فسيحة ومفتوحة كما هي السماء مفتوحة، وأصبحت بلقيس عقدة تاريخية وعقيدة دينية عبر التاريخ وبلغت بذلك مبلغا لم تبلغه ملكة من قبلها ولا من بعدها الى يوم القيامة. 
 
وحيث ان أدوماتو / الجوف ارض مفتوحة وهي بادية منبسطة بشكل اجمالي فإنها منفتحة لأشعة الشمس ووهجها مجرد بزوغها من المشرق، وليس غريبا بعدها ان تسمى ملكة الجوف انها وهج الشمس عند قوم كانوا يعبدون الشمس الها. وأنها وهج الأرض مثلما الشمس وهج السماء، وان اقتران اسمها بالشمس يعني اقترانها بالإله الذي يعبدونه (وجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (24) أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (25) اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ۩ (26) النمل. فكما نقول عبد الله وعبد العزيز على انهم عبيد لله سبحانه، فان بلقيس كانت بالنسبة لقومها تعكس صورة الاله وهو الشمس وتعتبر صنوها على الأرض وجزءا من وهجها وشعاعها، فهي شبيهتها بالحسن وهو ما درج العرب عليه من تشبيه المرأة الجميلة او الملك بالشمس والقمر، وكما قال النابغة الذبياني في مدح الملك النعمان بن المنذر ملك الحيرة 
 
فإنك شمس والملوك كواكب    إذا طلعت لم يبد منهن كوكب 
 
وقول المتنبي يصف حبيبته بالشمس في سطوعها ونقاوتها، وجمالها الأخاذ، مما هو واضح في قوله.
 
كأنها كالشمس يعيي كف قابضه   شعاعها ويراه الطرف مقتربا
 
وقول الشاعر "ابن عينيه " قبله في قوله:
 
وقلت لأصحابي هي الشمس نورها   قريب ولكن في تناولها بعد 
 
ومن خلال البحث الدقيق فإنني أرى ان بلقيس قد بلغت بمملكة سبأ مقاما عظيما من القوة وسعة الرقعة والازدهار والحضارة، وان هيمنتها امتدت من الحبشة الى الصين وبلاد فارس والاناضول في اسيا الصغرى، لتشمل بذلك سبأ الجنوب أي اليمن وجزيرة العرب برمتها وبلاد ما بين النهرين بما فيها اشور، وهذا ما برهنت عليه الحفريات الاثرية والنصوص التاريخية والمنحوتات، رغم محاولات السرقة والتحريف والاكاذيب التي مارسها من الأجانب والعلماء المرتبطين بالصهيونية. 
 
    فقد تشكلت الدولة السبئية وشعبها ومواطنيها ليس من ذرية سبأ فحسب بل من لفيف من قبائل العرب في سائر انحاء جزيرة العرب والأردن والرافدين، وكان العنوان السياسي هو سبأ الذي يتضمن كيانات سياسية واجتماعية وقبلية ولغات واعراق واديان متعددة. وان شمولها شرقي افريقيا يلقي الضوء على هجرات القبائل العربية الى الحبشة واثيوبيا والصومال لأنهم هاجروا من ديار الى ديار داخل المملكة الواحدة، وقد أدى ذلك الى تواصل هذه الهجرات في عصور لاحقة لأنها كانت معروفة لدى الشعب العربي عند طرفي البحر الأحمر.
 
   وكان اخرها هجرة المسلمين عند نجاشي الحبشة في القصة المعروفة في السيرة النبوية الشريفة زمن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. كما ان تاريخ غربي البحر الأحمر فيما يسمى شرق افريقيا ليس معزولا عن تاريخ جزيرة العرب،  كما ان اسم سبأ كان العنوان السياسي للدولة الذي تحول الى هوية سياسية قومية يشمل تعدد الهوية الوطنية ولكنها بمجملها ضمن الهوية القومية العامة وهي السبئية ضمن الهوية الام وهي الدولة الأردنية الأدومية، وكانت مملكة سبأ تشمل أراضي شاسعة واعراقا ولغات مختلفة ومتعددة.
 
ونحن نرى ان وجود اسم بلقيس في سائر انحاء جزيرة العرب وشرقي افريقيا والرافدين وبلاد فارس والصين والاناضول (كما سياتي) العائدة الى فترة ألف سنة قبل الميلادي وما بعدها، انما تعود كلها الى الملكة بلقيس سبأ الشمال مدار بحثنا هذا، ثم تمت تسمية العديد من الملكات في عصور لاحقة (وربما متزامنة بتسمية ملكات فرعيات) باسم بلقيس سبأ تيمنا ومحبة بها في ان واحد. 
 
   وكانت الدولة السبئية بنظامها التمثيلي قد نشأت في البداية عن إتحاد لأغلب قبائل عرب الجزيرة تحت سيادة وقيادة قبيلة بني سبأ ولم يقتصر كيانها على سكان وقبائل اليمن او الاردن او الجزيرة فقط إلا في مراحلها المتأخرة عندما انحسرت دولة سبأ الشمال وظهرت دولة سبأ الجنوب كوليدة بديلة لمملكة سبأ الام كما كانت تدمر وليدة وبديلة عن دولة الانباط الام. واستمرارا لها ولتاريخها 
 
  .ونظراً لأهمية هذا التاريخ الحضاري المديد وعظمة أثره في الأمم والشعوب التي عاشت في تلك العصور القديمة... فقد كانت أكبر مشاريع الصهيونية العالمية في المنطقة العربية هو تزوير التاريخ العربي القديم ونهب اثاره لإخفاء الحقيقة في ان العرب شعب لها حضارته وان الأردنيين كان لهم شان في التاريخ لا تريد الصهيونية والمتصهينون ان تظهر الدلائل الحضارية اننا كنا شعب عظيم ووطن كبير واسع وعظيم وصاحب خضارة وانبياء. 
 
وقد تركز هذا النكران والاخفاء فيما يتعلق بأثار جزيرة العرب لأن هذه الاثار تبرهن ان العرب أقدم من بني إسرائيل بألاف السنين، عرقا ومانا ومكانا وانجازا ولغة وكرامة، وهو امر يدحض أوهام الصهاينة وعبيدهم ومطاياهم، ويبرهن ان القدس ليست لهم وقد سبقهم العرب اليها بأكثر من الفي سنة. وقد اثبتت الحفريات الاثرية نظريتنا هذه. 
 
وما دام الشيء بالشيء يذكر فلا بد من الإشارة هنا ان حدود الدول القديمة كان يرتبط بقوتها وقدرتها على الهيمنة والاحتلال والاحتفاظ بالأراضي بعد احتلالها، وان الحواضر والقلاع كانت الأهداف الرئيسة للاحتلال والهيمنة عسكريا وسياديا وجباية الضرائب لان لكل حاضرة او قلعة / حامية مجال من الأرض للإنتاج لديمومة الحياة والثروة. وقد كانت الأراضي تأتي ضمن عدة دوائر من الهيمنة انا السيطرة المباشرة او غير المباشرة او الخواصر الرخوة وهي التي تكون بعيدة عن الحواضر وليس فيها قوة ولا قيادات قادرة على السيطرة وإقامة مملكة او سلطنة او الغلبة على اية قوة خارجية تأتي للاحتلال.
 
   وانما هم مع الأقوى ومن السهل احتلالهم وهم يدفعون الضرائب لمن يطلبها من أصحاب القوة لان همهم العيش بأمان وسلام ليس الا. وبناء عليه فان مساحات وبلدان شاسعة كانت خواصر رخوة في أطراف الممالك الأردنية القديمة وتشكل مخزنا للهجرات القبلية اليها مثلما كان الخال في شرقي افريقيا بالنسبة للدولة الأدومية الأردنية ومنها مملكة سبأ الأردنية الأدومية، وهذا ما ينطبق على الخواصر الرخوة لسبا في اشرو وشرقي الحبشة وقلب جزيرة العرب
 
• فقد عثرت بعثة أمريكية برئاسة المدعو "ألبرت جام" ثم الصهيوني "ويندل فيليبس" ومجموعة من الأمريكان على نقوش باسم الملكة بلقيس في منطقة تمنة اليمنية وغيرها من المناطق الأثرية ثم في مأرب .. / اليمن، ولكن هذه الجماعة والبعثة المشبوهة أخفت وسرقت الكثير من النقوش المسندية الخاصة ببلقيس وبغيرها من الملوك السبئيين. (كالملك باران وشمس عاد وأبناءه وغيرهم). إلا أن ويندل فيلبس قد اعترف بوجود واحد فقط من هذه النقوش، فيما يخص النقوش الخاصة بالملكة بلقيس. ثم بعد ذلك ادعى أن البعثة أضاعته.
ومن الملفت للنظر أن ويندل فيلبس هذا قال عن اسم بلقيس في النقش ((أن هذا الاسم يذكرنا بالملكة الأشورية الزائرة للملك سليمان)), وذلك يبرهن على نظريتنا ان الملكة بلقيس كانت في شمال جزيرة العرب بجوار بلاد ما بين النهرين / بلاد اشور, وانها كانت صاحبة هيمنة على اشور المجاورة وسائر أجزاء جزيرة العرب وبلاد الرافدين ومن وراءهما, وان نسبتها الى مناطق متعددة وشعوب متعددة انما كان بسبب سعة مملكتها وضمها للعديد من الأعراق والشعوب واللغات والأديان في ذلك العصر.
ولا شك ان كلام فيليبس هذا ليس عبثياً لولا وجود الدليل الاثري بين يديه، لأنه مغاير لكل المصادر التاريخية غير الأثرية التي لم يسبق لها الحديث عن ملكة اسمها بلقيس بوصفها ملكة "أشورية زائرة لسليمان" إطلاقاً، ما يعني أن كلام فيلبس هذا جاء بناء على ما توصل اليه هو من معلومات موجودة في الاثار المسروقة من قبلهم، وان المعلومات الأثرية تبرهن ان هيمنة الملكة بلقيس كانت تطال اشور أيضا وتتجاوزها الى عمق بلاد فارس والاناضول والصين.
     وهذا يشير بلا شك إلى توفر نصوص مسمارية أشورية بحوزة المستر ويندل فيلبس تحدثت عن هذه الملكة كملكة على أشور وبابل مضافا الى سبأ، ولهذا وصفها فيلبس هذا بأنها ملكة آشورية.  وكذلك وصفها الشاعر السوري نزار قباني انها اشورية حيث يقول شعرا، وان كان يخاطب زوجته التي كان اسمها بلقيس أيضا لكن هناك تطابق بين واقع الشاعر في حينه وبين مجريات التاريخ من قبل، بما يمكن اسقاط بلقيس زوجة نزار على بلقيس الملكة السبئية 
 
بلقيس! أيتها الشهيدة       والقصيدة والمطهرة النقية
 
سبأ تفتش عن مليكتها...  فردي للجماهير التحية 
 
يا أعظم الملكات!            يا أعظم الملكات!
 
يا امرأة تجسد كل أمجاد      العصور السومرية
 
وحيث كانت الدول في العالم القديم تقوم بالقوة وتنتهي بالقوة، فان بلاد ما بين الرافدين بلاد قوية وعميقة وشعبها جبار وعظيم عبر التاريخ، وحيث ان الشعب القوي يفرز القياد القوية، فانه قد ظهرت قيادات اشورية وبابلية وجيوش جرارة قلبت الموازين وصارت سبأ الأردن تدفع الجزية إليهم بعد ان كانت تتقاضاها منهم، حيث انقلبت الموازين لان الأيام كالعملة يداولها الله سبحانه بين الناس (وتلك الأيام نداولها بين الناس). كما ان حدود تلك الدول كانت رخوة بين مد وجزر لا تثبت على حال وانما مرتبطة بمدى قوة الملك وجيشه وفلسفته بالحكم ومشروعه السياسي او العسكري او الاقتصادي. وفي النهاية كان هدف أي دولة هو توسيع رقعتها وزيادة غناها وقوة جيشها وكثرة شعوبها وارتفاع مدخولها المادي، كما كانت سنوات الهيمنة تتبدل ولا تثبت على حال. 
 
كما ورد ذكر هذه الملكة في آثار بابل وأشور والتاريخ المصري القديم باسم (نيكليس) وورد اسمها في بردية مانلتو (280 ق. م) الخاصة بأسماء ملوك مصر بلفظ (نيكوسيس) وذكرها المؤرخ اليهودي يوسفوس ضمن الملوك الذين حكموا مصر وكذلك مما يفهم من كلام هيرودوت عن هذه الملكة أنها كانت ملكة لمصر وأشور وبابل. ولعل الاسم المذكور هو تحريف للاسم الحقيقي (بلقيس) ... حيث يقول هيرودوت ((كان اسم تلك الملكة المصرية مطابقاً لاسم ملكة بابل). ولا نستبعد أيضا ان يكون هناك تشابه بالأسماء والتسميات. وفي جميع الحالات فان هذا يبرهن على ان مملكة سبا كانت في شمال جزيرة العرب بجوار بلاد اشور وبابل وأقرب الى مصر من بلاد اليمن.
 
 وكما ذكرنا سابقا في هذا البحث فإننا نجد في نصوص مسمارية (متأخرة من القرن الخامس ق. م تقريبا) من أشور وبابل يرد ذكر ملكة اسمها (سمور -مات/ سميراميس) ألحق بها العديد من الأساطير كما هو الحال بالملكة بلقيس من اساطير. ويلاحظ الدارس وجود شبه كبير بين ما تذكره الروايات التاريخية العربية من أخبار ومن أساطير وخرافات عن بلقيس هذه الملكة العظيمة وميلادها الأسطوري من أم من عالم الجن وأحداث من حياتها. وبين ميلاد وحياة تلك الملكة التي يسميها هيرودوت (سميراميس). ومن الواضح ان الاساطير التي قيلت وحيكت حول الملكة بلقيس هي نفسها حيكت على الملكة الاشورية سمور مات / سميراميس.
 
ومن الواضح أن أصل هذا الاسم (سميراميس/سميرميس/ سمورميس.) هو أن الشطر الأول هي لفظة (سمير/ سمور/ سمار/ سُمر/ سومر. حيث يكون اللفظ حسب اللهجات المتعددة في بلاد اشور في تلك العصور من التاريخ القديم) أما الشطر الثاني (ميس) فربما تكون زيادة طرأت عليه بانتقال اللفظ من لغة لأخرى او من لهجة الى أخرى، ذلك ان الياء (أو الواو) وكذلك السين في آخر الكلمة تأتي لاحقة في اللغة اليونانية تضاف للأسماء مثل اسم (فينوس كديموس.)، فالياء أو الواو والسين هذه لاحقة ليست من أصل الاسم. وأما الميم بعد الراء في (سمورم -يس) فما هي إلا زيادة جاء بها بعض المؤرخين اليونان ولا سيما هيرودوت لأن هذه الملكة التي أشار إليها هيرودوت باسم (سميرميس) هي -كما هو متعارف لدى الدارسين -نفسها (سمور -مات) ملكة بلاد أشور التي يقرأون اسمها في النقوش المسمارية (سمور -مات) معكوساً أي يبدأ من الشطر الثاني (سمور) ثم الشطر الأول (ماتُ matu) والأصل أنها (مات –سمور).
 
    أما كلمة (ماتُ/ماتو) الشطر الثاني في (سُمور -مات) فهذه ليست من أصل أحرف الاسم بل هي كلمة تعني في الآشورية (ملك) أو (ملكة) وقد وردت كلمة (ماتُ/ماتو=mat / matu.) في الكتابات المسمارية كثيراً بهذا المعنى ولكن يتم ترجمتها دائماً من قبل المستشرقين وتلامذتهم على أنها تعني (بلاد) والحقيقة أنها ترد كثيراً كذلك بمعنى (ملك أو ملكة).
 
  ونحن نرى اسم سميراميس او سمير ما تو، انما يرتبط باسم المملكة الأدومية وهي سبأ الأردن واسمها ادو ماتو أي ارض ادوم الجديدة أي مملكة ادوم الجديدة.
 
    وبناء على ذلك يمكن القول إن الاسم في النقوش المسمارية ربما يقرأ هكذا (ماتُ سومر) فيكون الاسم الذي يقرؤونه في النصوص المسمارية بلفظ (سمور -مات) ليس الاسم الشخصي لهذه الملكة لأن معناه هو (ملكة سومر). أي أنه لقب لها فقط وليس اسمها الشخصي، وبالتالي فإننا امام ملكة اشورية اسمها بلقيس وهي ملكة سومر او اشور ولقبها (سمور= مات). حيث يحدد الدارسون لتاريخ بلاد الرافدين لهذه الملكة (مات سومر= سمورمات= سميراميس) زمناً متأخراً [القرن الخامس ق. م تقريباً]. أي انها جاءت بعد بلقيس بقرون طويلة. وربما يكون هذا اسم لملكة أخرى أسنها بلقيس أيضا ولقبها سمور – مات 
 
    اما ما ورد من ذكر بلقيس في الوثائق المصرية بلفظ (نيكليس) [، وأنها كانت ملكة مصر في بدايات القرن التاسع ق. م] فهو تحديد مقارب لزمن الملكة الأردنية بلقيس ملكة سبأ المعاصرة لسيدنا سليمان أي أواخر القرن العاشر ق.م. وبذلك فان هذا برهان على رأينا ان هناك عدة ملكات سميت بلقيس في عصور متأخرة، وربما في وقت متزامن مع بلقيس الأردنية، وان رقعة الدولة الأردنية كانت واسعة زمنها.
 
• وكما الحال في اليمن، فان الأمر كان مشابها له في إيران حيث توجد الى يومنا هذا ((بقايا مباني قديمة يطلق عليها اسم (تختي بلقيس) أي (قصر أو عرش بلقيس) تقع هذه البقايا الأثرية في إيران ما بين تبريز وهَمذان جنوب شرقي بحيرة أرميا.)) [المصدر: رولف بير -(ملكة سبأ) وعنه زياد منى (بلقيس امرأة الألغاز) صـ 113] وهذه المعلومة الأثرية تنسجم مع ما سجله المؤرخون العرب الأوائل عن قيام العرب السبئيين في عهد بلقيس بغزو بلاد فارس والصين وغيرها.
 
 وما دام الشيء بالشيء يذكر فقد كانت قبيلة همدان ( تتألف من قبيلتي باقيل وحاشد ) من اكبر القبائل العربية في جزيرة العرب زمن الملكة بلقيس وكانت همدان  منتشرة في  سائر مناطق جزيرة العرب , كما استوطنت جموع منهم  بلاد فارس , حيث لازال  اسمهم (همذان) يطلق على إقليم كبير من ايران يقع في شمال غرب إيران , وهناك رواية مفادها (( أن الملكة  بلقيس حين التقت بسيدنا سليمان عليه السلام وقد أعلنت إسلامها قال لها نبي الله : أنه لابد للمرأة المسلمة من زوج ، فقالت: إن كان ولا بد فبذي بتع قيل همدان/ أي زعيم او ملم / مجمع قبيلة همدان وكانت هذه القبيلة من رعيتها ومن شعب مملكة سبأ الشمال  )). وان كانت هذه الرواية ليست مؤكدة عندي، وانا أرى انها تزوجت من أحد قاربها في دومة الجندل ولم تذهب الى سبأ الجنوب بحثا عن زوج. 
 
وبعد فتوحات بلقيس في بلاد فارس، واصلت فتوحاتها وسيطرتها الى بلاد الاناضول في تركيا، حيث توجد قرية قديمة على تل خرائب يطلق عليها اسم (قرية بلقيس) وفي تركيا أيضاً توجد منارة قديمة يطلق عليها (بلقيس منار شتي) يعني منارة بلقيس.
 
ومن المعلوم أن العديد من الملوك السبئيين غزوا إلى بلاد أسيا الوسطى وبنوا هناك العديد من المستوطنات العربية، بل ان الهمداني ذكر مقتل أحد ملوك سبأ الأردنية أخر أيام حياته في تلك البلاد وهو الملك المشهور في الروايات العربية باسم (تبع الأقرن) صاحب الفتوحات الواسعة. من هنا نفهم علاقة العرب بآسيا الوسطى منذ فجر التاريخ وفي زمن بلقيس وما قبلها وما بعدها. وقد بنيت مدينة أو مستوطنة خاصة بهذه الملكة هناك وسميت باسمها وهي قرية بلقيس ومنارة بلقيس في تركيا كما ذكرنا. 
 
      وبناء عليه فان الملك الاشوري سرجون الثاني (من 722 -705 ق. م) ملك بلاد الرافدين قد تسلم الاتاوة أيضا من الملك بتع امر (أي عمر أو عامر السبئي) (الأردني). فيما ذكر (سنحاريب) 705 -681) قبل الميلاد، أنه عندما شرع في بناء بيت (أكيتو، وهو معبد كانت تقام فيه طقوس راس السنة عند البابليين وعلى مدار اثني عشر يوما بعدد أشهر السنة) تسلم هدية من (كرب ايل) ملك سبأ اليمنية، من بينها أحجار كريمة، وانواع من الطيوب الفاخرة وذهب وفضة. وهي السلع التي كان التجار السبئيون (الأردنيون) يجلبونها من بلادهم ومن بلاد الجنوب، الى فلسطين وسوريا وطور سيناء، كما تذكر التوراة والكتب الكلاسيكية. وهذا يدل على ان سبأ الجنوب قامت وازدهرت بعد افول او ضعف نجم سبأ الشمال وأنها كانت دولة غنية أيضا، وان الملوك كانوا يقبلون الهدايا وهي في حقيقتها جزية يدفعها الضعيف للقوي لقاء عدم الاعتداء عليه. 
 
      كان الشعب الأردني السبئي ينتخب الملك انتخابا وبخاصة زمن الدولة الأدومية والثمودية من قبلها، وكلاهما عمرت طويلا من القرون، حيث لا نجد تكرارا للأسماء والعائلات في الحكم او على العرش، وانما يأتي الاسم منقطعا عما سبقه ويلحقه، من حيث تسلسل الدم والعائلات والاسماء lineage line (خط النسب).   ولا بد من القول ان توحيد اليمن في جنوب جزيرة العرب كان في زمن الملك “كرب ايل وتر " مكرب وملك مملكة سبأ الجنوب باليمن التي قامت بعد مملكة  سبا الشمال الأردنية، والذي انطلق لتوحيد اليمن من عاصمته مدينة صرواح مارب بالقرن السابع قبل الميلاد، أي بعد مرور اربعة قرون على قيام مملكة سبأ الأردنية في الشمال. وبذلك كانت المملكتان متصلتان من حيث اللغة والعرق والثقافة وان اختلفتا من حيث المكان والزمان وأسماء الملوك.
 
( انتهت الحلقة الخامسة وللحديث بقية)