التغير المناخي وتعاقب العصور الجليدية على الأرض - م. محمد فندي

 التغير المناخي وتعاقب العصور الجليدية على الأرض - م. محمد فندي
يكثر الحديث هذه الأيام حول التغير المناخي في العالم بسبب من الانبعاث المفرط لثاني اوكسيد الكربون في الغلاف الجوي. الأمر اللذي يؤدى معه الى هطول شديد للأمطار في مناطق ضيقة نسبيا وعلى مدى وقت قصير بما يتسبب في فيضانات تحدث كوارث فيضية في اماكن مختلفة من العالم كما حصل في الأردن قبل وقت قصير ادى معه الى فقدان أرواح بشرية لأطفال كانوا في رحلة مدرسية في احدى الأودية على ساحل البحر الميت.
 
ما نطرحه هنا هو خلاصة دراسات تم التثبت منها علميا وجيولوجيا وهو ان الأرض تمر عادة بعصور اصطلح على تسميتها بالعصور الجليدية تنجم عن تغير في السلوك الدوراني للأرض حول الشمس بحيث يتسبب هاذا السلوك بانخفاض قوي لدرجة حرارة الأرض وتراكم للثلوج في مناطق خطوط العرض العليا بدئا من خط الإستواء وانتهاء بالأقطاب الشمالية والجنوبية.
 
يعتقد المؤرخون أن الشعوب السامية هاجرت جنوبا في اتجاه جزيرة العرب وشرق المتوسط الأكثر دفئا انطلاقا من أواسط آسيا الواقعة على خطوط عرض اكبر من 40 درجة قبل قرابة 20 ألف عام. قسم من هؤلاء الساميون استقر في فلسطين والأردن وتحديدا في مناطق الأغوار المنخفضة التي تمتاز بدفئ عالي نسبيا بسبب من انخفاضها الشديد عن مستوى سطح البحر. وفرة المياه والتربة الخصبة الناجمة عن فيضانات نهر الأردن على جانبيه اوجد الأرضية المناسبة للاستقرار والإرتباط في المنطقة وتشكيل اولى الحضارات عبر التاريخ الإنساني.
 
الأبحاث والدراسات العلمية الجيولوجية اثبتت أن الأرض تعرضت لآخر عصر جليدي قبل حوالي 22 ألف عام في المتوسط. اذا ما ربطنا ذلك بهجرة الشعوب السامية من أواسط آسيا جنوبا في اتجاه المناطق الأكثر دفئا في جزيرة العرب ومنطقة الأغوار الأردنية نكتشف الصلة بين هذه الهجرة وبين العصر الجليدي الأخير. معنى ذلك أن هذه الهجرة من الشمال الى الجنوب ارتبطت بالتغير المناخي اللذي اتسم بقسوة البرد في مناطق خطوط العرض العليا.
 
في كتابهما العصر الجليدي يشير جون ايمبري وكاثرين بالمر ايمبري الى تعاقب العصور الجليدية خلال فترات متفاوتة على الكرة الأرضية بحيث يتخلل الفترات الدافئة عصور جليدية صغرى تستمر من بضعة عشرات من السنين الى ما يزيد عن مائتي عام وذلك استنادا إلى الدراسات التي قام بها اليوغسلافي ميلوتين ميلانكوفيتش ونشرها في عام 1938 على ثلاثة خطوط عرض هي 15 و45 و75 اثبت فيها ان خط العرض 75 تعرض لأربعة عصور جليدية خلال 600 الف عام الماضية بينما تعرضت مناطق خطوط العرض الدنيا من 15 الى 45 الى عصر جليدي كل 22 الف عام في المتوسط خلال نفس الفترة الزمنية السابقة.
 
ميلانكوفيتش أشار في استنتاجاته الرياضية هذه إلى ان السبب الكامن وراء تعرض الأرض دوريا الى عصور جليدية في تاريخها إلى التذبذب في زاوية محور دوران الأرض حول نفسها من 23.5 إلى 54 درجة. بحيث يبتعد القطب الشمالي كثيرا عن الشمس شتاءا والعكس صحيح بالنسبة للقطب الجنوبي.
 
المؤشرات على زيادة في رطوبة المنطقة تاريخيا سواء في الأردن أو الجزيرة العربية بشكل عام نلحظها من خلال البحيرات والأنهر الجافة المنتشرة في صحراء الجزيرة العربية وبلاد الشام. معطيات دائرة الآثار العامة الأردنية تشير الى وجود أكثر من 20 الف موقع أثري تنتشر على كامل مساحة الأردن اضافة الى العثور على اسلحة حجرية بكثرة على ضفاف البحيرات الجافة المنتشرة في الأردن بما يشير الى ظروف مناخية كانت أكثر رطوبة بما هي عليه الآن.
 
آخر الدراسات تشير الى أن الأرض مقبلة على عصر جليدي رطب صغير بدءا من عام 2020 يستمر حتى عام 2035 حسب ناسا تنخفض فيها حرارة الأرض شمالا إلى ما دون -50 درجة مؤوية بحيث يترتب على هذا الأمر زيادة معدلات الهطول في المناطق العربية تتجدد معها البحيرات الجافة.
 
التحقق من عصور جليدية مصغرة تستمر من بضعة عشرات من السنين الى ما يزيد على 200 عام تم التثبت منها من خلال تركيز وجود البلانكتونات البحرية في المقاطع الجليدية العمودية المتعاقبة التي تم استخراجها بحيث كان يزداد تركيز وجود البلانكتونات البحرية في العصور الدافئة ويقل تركيز وجودها بحدة في العصور الباردة. 
 
السؤال المطروح على ضو ذلك وهو هل الأرض تجدد نفسها وتتخلص من ملوثاتها الناجمة عن الأنشطة الأنسانية أم لا، هاذا ما ستثبته لنا العصور القادمة، لكن ينبغي على البشرية تحمل مسؤولياتها بضرورة خفض انبعاثات ثاني اوكسيد الكربون لأن تبعات ذلك ستكون كبيرة على الدول الفقيرة.