جيل الأمهات المكافحات


الكاتب : عبدالله علي العسولي

 من التراث 

الحلقة الثامنة والعشرون 
 
.....بدأت كعادتها نشاطا ملحوظا بعد أن انهكها وهدّ حيلها عمل يوم امس من حصيدة وتغمير ولمّ سبل القمح المتساقط هنا وهناك ..تعمل كخلية نحل, محمرّة الوجه,تركض هنا وهناك ..لا تقف في مكان واحد ’ تحضر الفطار والغداء ونار الشاي تحت انظارها خوفا من حريقة محتملة ..تلفّ شرشها على وسطها مودعة راحة صاحبات القصور المترفات امام كوندشنات الهواء البارد ..تطرد الفسفس والبرغش عن وجهها وفمها وعيونها ...هي في سباق مع الزمن ’ تعرف أن الكسل ليس من شمات نساء ذلك العصر(المعدلات) بل يدا بيد مع زوجها المتعب ايضا .
 
نامت ليلتها وقد اثقلها تعب ذلك اليوم ’لكنها عاودت نشاطها مع سماعها لاذان فجر ذلك اليوم لتقوم وتؤدي صلاة الفجر رافعة يداها الى رب السماء داعية الله الستيرة في الاهل والولد والمغفرة والتوفيق فتمسح وجهها المثقل بالتعب بيداها الخشنتين وتقوم مسرعة الى (لقن العجين الذي عجنته مساءا )فتحمله الى (فرن الزبل) المعد لنساء تلك البقعة المسكونة ’ويكون الفرن جاهزا للخبيز بعد أن تم (تزبيله ) قبل يوم وتكون حرارته جاهزة للخبيز فتسابق الوقت وتخبز عجينها وما هي الا لحظات حتى عادت الى بيت الشعر ورائحة خبزها تفتح الانفس الجائعة ويكون شرشها الاسود قد تحول الى الابيض من مخلفات نار الخبيز وتضع اللبن والزبدة امام بيت الشعر ويكون شاي الحطب قد اعلن استوائه من غليه الذي اطفأ جزءا من النار .
ويتم الفطار على عجل ليبدأ يوم اخر من برنامج عمل مرهق لكنه ممتعا بالنسبة لها.
 
...وينسلّ الجميع الى حقل الحصاد وتحمل معها قربة الماء التي ملئتها من نبع الواد بعد صلاة الفجر ...
 
انها امي يا ساده ..التي لم تعرف عيد أم ولا تعرف صالونات المكياج ولا حفلات الصالات ولا عيد ميلادها الذي لم تعرف تاريخهه حتى ماتت ..
 
اليست هي وجيلها جيل المكافحات اللواتي يصارعن الحياة من اجل الحياة والبقاء ..اليست من الجيل الذي شق الصخر والصعاب ليحصل على اساسيات العيش البسيطة ..اليست هي وجيلها اللواتي لم يجدن (يوم اتعدّ عنه ).
 
لم يسكنَّ البيوت الفاخرة ولا ركبن السيارات الفارهه ولا تلذذن بأطايب المأكولات ولم يلبس الالبسة الفاخرة ...كل همهن تربية اولادهن على مكارم الاخلاق والعمل من اجل البقاء ومساعدة رجالهن على مصاعب الحياة .
 
عليها وعلى جيلها شأبيب  الرحمة  والغفران