رسالة النبي موسى نزلت عليه في الأردن

 رسالة النبي موسى نزلت عليه في الأردن
الكاتب : د. أحمد عويدي العبادي

 الحلقة الثالثة عشرة 

 
لقد كان طور سيناء الوارد ذكره في القران الكريم، هو الحد الغربي الجغرافي والسياسي للمملكة الأدومية قبل الغرق، وكان ما وراءها من ارض سيناء يخضع للهوية المزدوجة الفرعونية الأدومية ومسرحا للتمازج بين الشعبين والنظامين المصري والأردني الأدومي، تحقيقا لمصالحهم الاجتماعية والاقتصادية والأمنية والعسكرية والسياسية المشتركة. وبعد غرق الفرعون صارت هذه تابعة بالكامل كلها للملك حدد بن بدد والأدوميين.
وجدير بالذكر هنا ان الرسالة نزلت على موسى في الجانب الأيمن من الطور أي في الأرض الأردنية، قبل ان يدخل الأراضي التابعة للفرعون وهي غربي الطور، وكان قادما من مدين وقد انتهى من مدة الجلوى وهي عشر سنين مدة عمله في خدمة يثرون أي شعيب الحفيد: (وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (52) سورة مريم. (۞ فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (29) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَىٰ إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (30) سورة القصص .
 ولو قسمنا سيناء الى قسمين شرقي باتجاه ادوم وكنعان، وغربي باتجاه مصر الفرعونية، وكان التقسيم خطا طوليا من ساحل البحر المتوسط شمالا الى مجمع الحرين جنوبا، فان توزيع السيادة عليها بين ادوم زمن حدد بن بدد، والفرعون في مصر الشمالية والوسطى كان على النحو التالي: 
 كان نصف سيناء الشرقي ادوميا اردنيا خالصا ارضا وشعبا وهوية وسيادة وهيمنة، والنصف الغربي مزدوج الهوية أي ادوميا اردنيا وفرعونيا مصريا، ومن حق الفرعون ممارسة سيادته وقانونه عليه بدون اعتراض من الأدوميين الذين لهم الحق ذاته بالتنسيق مع الفراعنة في إدارة مزدوجة / ثنائية الهوية. وعندما غرق الفرعون انضمت بقية سيناء وجنوب ارض كنعان وشعبهما وقبائلهما امتدادا حتى شواطئ البحر الأبيض المحاذية، أقول انضموا الى الدولة الأدومية بالكامل لسائر العناوين والمعطيات، وبخاصة انهم من ثمود وانهم أصلا من الأدوميين. وسناتي على ذلك لاحقا بعون الله تعالى.
 لقد كانت حدود المملكة الأدومية من جهة سيناء الغربية الى جبل الطور حيث كان الجانب الأيمن وهو الشرقي جزءا من المملكة الأردنية  الأدومية، بينما الجزء الغربي خاضعا للسيطرة الفرعونية والادومية المشتركة كما قلنا قبل قليل ، ثم بعد الغرق تصل حدود ادوم المطلقة السيادة دفعة واحدة الى البحر الأبيض وذراع السويس ,  ذلك ان الطبيعة لا تقبل الفراغ وان المنطقة كانت تحت امرة التحالف الأدومي الفرعوني وحيث انتهت شراكة الجوانب  الفرعونية بغرق الفرعون فان من الطبيعي والتلقائي : ان تصبح المنطقة برمتها تحت امرة الملك حدد بن بدد أي ضمن حدود المملكة الأدومية, وهو الوريث  السياسي الشرعي والوحيد للفرعون في الأراضي الأدومية ومنها سيناء وسواحل البحر الأبيض المتوسط .  
    وكانت جبهة جنوب سيناء أي منطقة مجمع البحرين، محمية بالأسطول الأدومي (اسطول الملك حدد بن بدد) القوي، كما كانت القرى المقامة على البحر الأحمر تشكل خط دفاع عن المملكة الأردنية الأدومية من تلك الجهة، وكانت جبهة الشمال على جانب شرقي وادي العربة محمية بصدع عميق وهو وادي الحسا ومن بعده الدولة الأردنية المؤابية التي كانت على وئام وتحالف واتفاق مع المملكة الأدومية، وكانوا يقفون جبهة واحدة امام أي خطر خارجي.
  اما جبهة الصحراء في الجهة الشرقية الاكثر عرضة للهجوم من قبائل جزيرة العرب وشعوب الرافدين والفرس، فقد كانت هناك سلسلة من القلاع التي كانت بنيت منذ زمن الحوريين اسلاف الأدوميين، واستمرت مع الزمن والاجيال، وتم تعزيزها وتقويتها وتوسيعها وعسكرتها زمن الملك حدد بن بدد، وكانت هذه القلاع تعمل على توفير الحماية من ثورات قبائل المديانيين المستمرة وغزوات غيرهم من البدو. ‏ علاوة على ذلك، ‏ تخترق الجبال الشرقية والهضاب صدوع تحدها عموما من كلا الجانبين لكل صدع، وهي من الحجر الرملي الاحمر التي يتعذر تسلقها، ‏ وتشكل هذه الجروف ممرات جبلية ضيقة وخطرة يصعب سلوكها او تجاوزها. من هنا فإننا نجد وجاهة فيما ‏ تصفه نبوة يهوه بفم النبي ارميا الأدوميين بأنهم مقيمون بكل ثقة ‹في مخابئ الصخر ومعتصمون بمرتفع الأكمة›، ‏ وبأنهم يشبهون العقاب في عشه. ‏ —‏ ار ٤٩: ‏٧، ‏ ١٦‏. ‏
 وكانت حدودهم شرقا تهيمن على دومة الجندل والجوف وسكاكا في شمال جزيرة العرب حتى الربع الخالي وتمتد الى تخوم الفرات، وكانت مملكة سبأ الشمال الأردنية جزءا من مملكة الأدوميين ثم امتدت لتهيمن على جزيرة العرب وبلاد الرافدين وغربي البحر الامر فضلا عن الأردن واراضي ادوم السابقة. 
   وكانت الجبهة الشرقية رخوة تارة ومستعصية تارة أخرى حسب قوة الملك المحلي في أي ركن من المملكة الأردنية الثمودية. لكنها كانت زمن الملك حدد بن بدد جبهة قوية وامتدت الى شمال البادية السورية وحوران وتم تأسيس بصري الشام وأطلقوا عليها الاسم تيمنا ب بصيره العاصمة الأساس للآدوميين. كان ذلك زمن الملك حدد بن بدد. وتم تأسيس مدينة أدوماتو أي ادوم الجديدة او ادوم الشرقية وهي الني صارت سبأ والتي قامت فيها مملكة سبأ وأشهر ملوكها هي الملكة بلقيس.  
كانت القبائل الأدومية الثمودية الأردنية العربية في الأصل قبل تأسيسها للمملكة او تحويلها الى مملكة، أقول كانت خاضعة لحكم شيوخ القبائل المحليين، ‏غير انها نُظمت لاحقا ضمن ممالك محلية صغيرة لكل قبيلة مملكة او امارة، ولكنها كانت تقف عاجزة امام المخاطر الداخلية والخارجية والبينية وضعف عناصر البقاء، وقامت قبيلة ادوم الكبرى وهي التي كانت عاصمتها بصيرا الطفيلة بالسيطرة على سائر القبائل واوجدوا نظاما ديموقراطيا فريدا من نوعه يصلح حتى لعصرنا بعد خمسة وثلاثين قرنا. وهو اختيار الملك من بين مجالس الولايات، بعيدا عن الوراثة، حيث كان يتم انتخاب/ اختيار الأفضل والاقوى، وهو النظام الذي نقلته الإمبراطورية الرومانية في اختيار الاباطرة بعيدا عن الوراثة.
    وقد ضمن هذا النهج استمرار المملكة الأدومية الاف السنين. ‏ وتشير سلالة الملوك المتعاقبين الى ان الحكام انتموا الى قبائل فرعية متعددة ومناطق مختلفة لكنهم جميعا أدوميون اردنيون ثموديون عرب، ولم يسمحوا لغريب ان يستعبدهم او يحكمهم، ‏ وبالتالي لم تستأثر بالعرش عشيرة معينة تولت الملك، لأنها لم تصل اليه بالوراثة أصلا وانما بالاختيار والانتخاب والتوافق بين مكونات المجتمع الأدومي. ‏ (سفر التكوين ٣٦: ‏١٥-‏١٩، ‏ ٣١-‏٤٣‏)
كان لهلاك جيوش فرعون وإنقاذ اسرائيل العجائبي عند البحر الاحمر اصداء في ادوم، ‏ مما ادخل الرعب في قلوب الأردنيين ان بني إسرائيل يؤيدهم الله بنصره، وادخل التحدي ف يعدم السماح لهم بالدخول او الاجتياز، وأيضا جعل الملوك الأدوميين والشعب الأدومي يتمسك بقيادة الملك حدد بن بدد الذي عالج مشكلته مع بني إسرائيل بالحكمة والقوة والدهاء وجميع الاساليب السلمية والقتالية بدهاء وكفاءة منقطعة النظير.
 كما كان الرعب سائدا أيضا في كل منطقة كنعان وما حولها (فلسطين فيما بعد). ‏ قارن (‏سفر الخروج ١٥: ‏١٤، ‏ ١٥‏) ‏ والرعب نفسه كان سائدا أيضا في مملكة المصريين المنافسين في وسط وجنوب مصر، واما بقياي الفرعون فانهم لم يلحقوا ببني إسرائيل خوفا من العقاب الالهي واكتفوا انهم دخلوا بلاد ادوم في مواجهة الملك حدد بن بدد وشعبه وجيشه.0 وللحديث بقية بإذن الله )

آخر الأخبار

أكثر الأخبار قراءة