عاجل

النواصرة :الدرس الذي تعلمه الطلبة من الإضراب أهم من الحصص الصفية

بدأت الحرب - د.عباس البرق

 بدأت الحرب - د.عباس البرق
وصلتني الكثير من رسائل الواتس اب الخاص بي صورة عن خطاب لرئيس ووالد احدى المجموعات العالمية موجه الى جميع افراد موظفيه لهذا العام 2019 ، يخبرهم عن حرب و أزمة عالمية قادمة ، رغم اني لست أحد موظفي تلك المجموعة لكنني استمتعتُ في قراءة الخطاب علما أني لم أرى أي ارقام او حقائق بقدر ميله للسرد القصصي او مقدمة لسياسة جديدة داخل تلك المجموعة حيث لا وجود لانهيار للدولار ولا الدينار فى المدي المنظور.
 
وبحكم عملي دكتور أستاذ مشارك فى التسويق الدولي ، كل من ارسل لي صورة عن هذا الخطاب سألني عن رأيي فى حقيقة الطرح وموعد الحرب القادمة بالتاريخ والساعة والاسلحة المستخدمة وهل الطائرة الجديدة اف 35 جاهزة للمشاركة ومدى سهولة الحصول على اس 400 لحماية مقر سكنه ، ناهيك عن استفساراتهم كيفية تأمين ثرواتهم "اشتري ذهب ام لا، التحويل للدولار ام بيزو !" علما للحقيقة اغلبهم مدينون واصحاب قروض متعثرة وايجارات متراكمة.
 
فطبيعتنا الاجتماعية الشرقية تفرض علينا المشاركة حتى ولو لم نكن جزء من المعضلة ، فالبعض يشارك او يراقب ومنا ينتظر خارطة الطريق والقوة الدافعة من القراءة الصباحية للبرج والطالع ، لقراءة مستقبله للايام القادمة وما فيها من إشراقات وانتكاسات.
 
ووصل البعض في ارسال رسائل صوتية عن ضرورة شراء ذهب وامتلاك بعض العملات بل ابعد من ذلك فى تأمين طعام يكفي مدة الحرب القادمة. مالقصة وما الحل؟ سالخص الوضع بقصة حقيقية دارت احداثها 6 فبراير من عام  1999 قبل وفاة جلالة المغفور له الملك الحسين الأول ملك المملكة الاردنية الهاشمية طيب الله ثراه ، حضر زميل أثناء عملي فى احد المصارف البنكية يحمل كامل ثروته 1000 دينار اردني وحدثني عن مشاعر القلق على قيمة الدينار فى حالة وفاة الملك طيب الله ثراه ، فقرر ان يحولهم الى دولار امريكي بسعر 0.710 اضافة لدقع عمولة البنك وعمولة فرق عملة فى عملية التحويل ، وبعد وفاة جلالة الملك رحمه الله اعاد تحويل 200 من دولار الي دينار وذلك لحاجته بسعر 0.708 اضافة للعمولات المذكرة سابقا ، ثم كرر المحاولة لمبلغ اخر على نفس الوتيرة فى التحويل من دولار الى دينار حتي اخر المبلغ. نكلفة تلك العمليات افقدت 3.8% من القيمة الاجمالية للثروة فى الوقت الذي لم يتعرض الدينار لاي هزة سوى الهزة والاضطراب العقلي الذي نضج فى عقل الزميل.
 
لا تخف من عطسة امريكا فهي لن تعطس ولن يصاب العالم بالنيومانيا ، وان اردنا الخوف فلنحذر من الهزة العقلية فى عقولنا. فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية ادرك العالم خطر القتال بين القوي التي تملك السلاح النووي فكانت كل الحروب التى شهدناها وما زالت اما بين قوي وضعيف او بين اقوياء لكن بالوكالة على ارض خارج حدودهم. قاسترح لن نحتاج الى اس 400 ولا اف 35.
 
اذن ماذا يحدث وما القادم؟ 
الكثير ينتظر الحرب منذ عدة سنين ولكن لا نرى حربا ولا سلماً حتى أصيب العالم بالسكري من هذه الوضعية. انها حرب اقتصادية باردة لدول بدأت تشق طريقها لتحجز مقعد فى الصف الاول ومن يجلس هناك لايريد لها ان تشاركه الصف، والعملة هي اسلحة المعركة . وبالاخص الدولار الامريكي الذي اصبح أداة ضغط على بقيّة العالم. الدولار هو العملة الاحتياطية العالمية فهو يمثل 84.9% من معاملات الصرف الأجنبي اليومية على الرغم من أن معاملات أمريكا التجارية الخاصة بها أقل من نصف هذه النسبة وذلك لأن دولاً غير أمريكا تتعامل بالدولار في أمورها التجارية! قد بلغ الدولار 64% من مجموع احتياطي البنوك العالمي ، اليورو 20% بينما لم تتعد مساهمة الين الياباني والجنيه الإسترليني الـ5 %  واخيرا اليوان الصيني بنسبة تقل عن 1%.
 
فقد أصبحت أمريكا قادرة على معاقبة الدولة المستهدفة اقتصادياً ومالياً كما يحدث فى ايران، ليس هذا فحسب، بل أيضاً على ثني البلدان الأخرى عن التجارة مع البلد المستهدف. لكن الدول التي يمكن أن يحسب لها أثر فاعل في التأثير في إزاحة الدولار عن موقعه هي روسيا والصين.
 
استخدام "قانون مواجهة أعداء أمريكا من خلال العقوبات"، الذي صدر في آب/أغسطس 2017، فى فرض العقوبات الامريكية ضد روسيا. أدى هذا إلى قطع صلة البنوك الروسية الكبرى بالدولار، وانخفض الروبل بنسبة 18٪ مقابل الدولار في الوقت الذي تستخدم فيه روسيا الدولار في 58٪ من ديونها، أي تقترض ما يقرب من نصف قروضها بالدولار، ولذلك أصبحت روسيا في مأزق. بل حتي الروس أنفسهم غير مطمئنين بأن الروبل يصلح كنقد عالمي بدل الدولار. لذلك يعتقدون شراؤهم المعدن الاصفر هوالملاذ الامن فنرى اسعار الذهب تعلو تارة وتنخفض تارة.
 
أما التنين الصيني فهي أكبر دولة في العالم احتياطها وحائزةً للسندات الامريكية بالدولار يجعلها تقدم رِجْلاً وتؤخر أخرى في العمل الجاد لزعزعة الدولار، فالولايات المتحدة اغرقت الصين بالدولار فى الوقت الذي اعتقدت فيه الصين هذا هو قمة الذكاء.. فهي تعي بأنها ستكون المتضرر الأكبر عالمياً من اهتزاز الدولار، وبهذا فإن الصين أقل جرأة من روسيا وأكثر حذراً في مسعاها للحد من هيمنة الدولار. 
 
لهذا تحاول الصين تبني الفكر الالماني والياباني بعد الحرب العالمية الثانية وحرمانها من انتاج السلاح وتكوين جيش قوي فى تحولها الى صناعة تغزو كافة اسواق العالم حتى من فرضوا عليها الاستسلام. لكن ادراك الامركيين لن يجعلهم يلدغو من نفس الجحر مرتين ، ولم الانتظار فلنبدأ فى تغيير قواعد اللعبة من خلال استهداف الصناعات الصينية وردت الصين باللعب فى عملتها من خلال الاستفادة من عوائد الفائدة على الدولار الذي بحوزتها وكان الرد ايضا من اميركا فى انزال سعر الفائدة وتغيير قيمة الدولار ... وهكذا تدور الحروب الجديدة دون اقلاع اي طائرة او طلقة رصاصة. 
 
لن تسمح امريكا للصين بتبني الفكر الياباني او الالماني فى الاستمرارية بدخول سوق الصناعة العالمي اكثر. فلن يكون هناك تويوتا او مرسيدس اخرى صينية ، بل سينتشر الوباء بدون ان تعطس اميركا وسيبدأ العالم بفقدان قيمة عملاته ولن يكون الذهب الملاذ الامن.
 
وستبدا كل الدول محاولة تأمين احتياجاتها بنفسها لتعلن انتهاء عصر العولمة. سيقل التبادل التجاري ، وسيرتفع التضخم لاعلى مستوياته مع عدم توفر السيولة وستنقرض الطبقة الوسطي لتصبح قصص كان ما يا كان. فلا الذهب ولا العقار ولا العملات ستملك القيمة التى تملكها الان ، وسيتجرع الكل جمهورا ومشاركين طعم المعركة فالكل واردها.
 
وعندما يشتبك الجندي بيده لا قيمة لكل الاسلحة التي يملكها. سنبتعد عن جودة المنتج ونبحث عن الوفرة فى مراحل الانحدار للسلعة ، وتستبدل نسبة البطالة بنسبة العمالة ، وسيبقى العالم في شقاء مالي واقتصادي ، وافضل ما يمكن ان تقوم به شعوب دول لا تصنع هو تقليل المصروف والتقشف لحد الكفاف حتى تنتهي تلك المعركة والسنين العجاف بخسارة احد الطرفين ، في المركز الاول مقعد واحد فقط. 
 
د.عباس البرق
استاذ التسويق الدولي المشارك