جائزة نوبل للقرن الأفريقي - د.البدر الشاطري

جائزة نوبل للقرن الأفريقي - د.البدر الشاطري
أعلنت لجنة نوبل للسلام عن منح الجائزة لهذا العام لرئيس وزراء إثيوبيا، آبي أحمد على «لجهوده لتحقيق السلام والتعاون الدولي، وخاصة لمبادرته الحاسمة لحل النزاع الحدودي مع الجارة إريتريا»، كما جاء في الإعلان من قبل مانحي الجائزة.
 
وبذلت دولة الإمارات العربية المتحدة جهوداً حثيثة لتقريب وجهات النظر. وكان للدور الذي لعبه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان أثر طيب على تحقيق السلام المنشود بين البلدين. ويتميز آبي أحمد بشخصية كاريزماتية لطيفة ومصقولة ومتسامحة.
 
وقد ساعدت خلفيته على بروز هذه الشخصية المنفتحة والتي تجنح للمساومة والتوسط. فالزعيم الإثيوبي هو من مجموعة إثنية تعرف بالأورومو وهي تشكل أكبر قومية في إثيوبيا إذ تبلغ حوالي 35% من تعداد السكان يدين غالبيتها بالإسلام.
 
وعانت هذه المجموعة من صنوف الاضطهاد من قبل الأمهريين حكام إثيوبيا والذي ضموا مناطق الأورومو إلى الإمبراطورية الحبشية عبر حروب عدة.
 
وقد تملك كثير من الإقطاعيين المنتمين للقومية الأمهرية كثيراً من الأراضي الزراعية لشعوب الأورومو، بينما تحول أهل الأرض إلى فلاحين سخرة في يد حكامهم. وقد تملكت الكنيسة والنخبة الحاكمة معظم الأراضي الزراعية، حيث عمل فيها الفلاحون كأجراء.
 
ومن المدهش أن آبي أحمد ينتمي إثنياً ودينياً إلى الاثنين. فهو مولود لأب أورومي مسلم وأم أمهرية مسيحية. ولعل تربيته في أسرة مختلفة الإثنية والديانة زرعت فيه شخصية متسامحة مع الآخر، لأن الآخر ينتمي إليهم هو، سواء أكان الآخر بالنسبة له الإسلام أم المسيحية أم الأورومية أم الأمهرية.
 
ولعل تكوينه يمنحه المقدرة على تجسير الهوة بين المجموعات القومية الإثيوبية والتي كانت متطاحنة.
 
وقد شهدت إثيوبيا والقرن الأفريقي حروباً وصراعات وثورات عدة تجعل من منطقة الشرق الأوسط واحة سلام.
 
وهي بالفعل تعاني ما تعاني منها منطقة الشرق الأوسط لجهة الموروث التاريخي والذي تنوء به المنطقة. كما أن الصراع الديني قديماً في منطقة القرن الأفريقي حيث شهدت نزاعات أساساً بين المسيحيين الأرثوذوكس والمسلمين، خاصة مع الجارة الصومال.
 
أضف إلى هذا الخليط الملتهب النزاع القومي بين العديد من المجموعات الإثنية والتي أشعلت حروباً انفصالية مناهضة للإمبراطورية الإثيوبية. والبعد الآخر في زعزعة أمن المنطقة من التفاوت الاجتماعي والاقتصادي بين عموم شعوب إثيوبيا وبين الإثنيات المختلفة.
 
ويعيش في إثيوبيا قوميات عدة تصل إلى الثمانين مجموعة إثنية. من أهمها الأورومو، آنفة الذكر، والتي ينتمي إليها آبي أحمد، والقومية الأمهرية، وهي التي كانت مسيطرة على إثيوبيا بالتحالف مع التيغري؛ والصوماليون والذين يبلغ تعدادهم ما يزيد على 6% من مجموع السكان.
 
وينتمي الأورومو والصومال إلى مجموعة لغوية واحدة تعرف بالكوشتك، بينما ينتمي الأمهرية والتيغري إلى اللغة السامية.
 
ولأن منطقة القرن الأفريقي تتمتع بموقع جغرافي استراتيجي، وتشرف على أهم المضايق البحرية وهو باب المندب ملتقى بحار عدة مع المحيط الهندي، غدت المنطقة محط اهتمام كبير من قبل الدول العظمى.
 
وقد طورت الولايات المتحدة علاقة متينة مع الإمبراطور هيلاسلاسي بسبب موقع إثيوبيا على مدخل البحر الأحمر والممتد إلى جزء كبير منه حين كانت إريتريا جزءًا من الإمبراطورية الإثيوبية. بينما قام الاتحاد السوفييتي بتعزيز نفوذه في الصومال تحت نظام محمد سياد بري.
 
وبالتالي انتقل الصراع بين القطبين الرئيسيين إلى المنطقة مما زاد في توترها. وقد اشتعل فتيل الحرب بين الصومال وإثيوبيا في 1977، أي ثلاث سنوات بعد أن أطاح العسكر بالإمبراطور هيلاسلاسي في العام 1974.
 
وقد أحس الصوماليون أن ضعف الحكومة الجديدة بسبب الأحوال السياسية المضطربة منحت لهم فرصة استرجاع إقليم أوغادين، والذي يعتبره الصوماليون جزءاً من وطنهم الذي يرزح تحت الحكم الإثيوبي.
 
وبسبب الحرب تغيرت التحالفات بين المتحاربين. فقد تسبب انحياز موسكو إلى صف إثيوبيا في الحرب تغير توجه الصومال إلى واشنطن. وأصبحت الصومال حليفة الاتحاد السوفييتي حليفة لأمريكا، وأصبحت إثيوبيا حليفة للاتحاد السوفييتي.
 
وكان لمساعدات الاتحاد السوفييتي وتدخل القوات الكوبية أن رجحت كفة الميزان لصالح إثيوبيا. وخرجت الصومال من تلك الحرب منهوكة.
 
ولم تنعم إثيوبيا بحالة الاستقرار أيضاً. فبعد أن عانت من المجاعة بسبب الجفاف وعدم قدرة الحكومة على مواجهة الكارثة، كانت تواجه حكومة منغستو هيلا مريام صنوف الحروب من المجموعات الانفصالية سواء في الشمال من قبل إريتريا والتي كانت تسعى للاستقلال وبعض القوميات الصغيرة مثل العفار، أو جنوباً من قبل القومية الأورومية.
 
إضافة إلى المعارضة المسلحة، والتي تمكنت من الإطاحة بحكومة منغستو في العام 1991.
 
وبعد التغيير في أديس أبابا بسبب تحالف الإريتريين والتغريين بزعامة الجبهة الشعبية الثورية الديمقراطية، استقلت إريتريا عن إثيوبيا عقب استفتاء في العام 1993. وانتقلت السلطة في إثيوبيا إلى حكم دستوري بقيادة ميلس زيناوي.
 
ولكن حلفاء الأمس أصبحوا أعداء، حيث اشتعلت الجبهة الإريترية - الإثيوبية في حرب ضروس استمرت من 1998 حتى 2000 حول نزاعات حدودية. وقد نجح أسياسي أفورقي، رئيس إريتريا، وآبي أحمد في تجاوز خلافاتهما في 2018.
 
هذا الميراث التاريخي للقرن الأفريقي والذي شهد كثيراً من الخطوب. ولعل جائزة نوبل للسلام تكون بادرة خير على المنطقة.