استخدام الزلازل للتحايل في إجراء التجارب النووية -م. محمد فندي

 استخدام الزلازل للتحايل في إجراء التجارب النووية -م. محمد فندي
تترك التجارب النووية في أماكن مختلفة من العالم آثارا سلبية بيئية في الدرجة الأولى وسياسية في ما يتعلق بالعلاقات بين الدول. خلال العقود الأخيرة للقرن الماضي درج معهد اوبسالا في السويد على اعطاء تقارير دورية عن التجارب النووية التي تقوم بها مختلف القوى النووية في العالم والتي كانت في غالبيتها سوفييتية. حاليا تتكفل منظمة الحظر الشامل للتجارب النووية ومقرها في فيينا بهذا الأمر مستعينة بشبكة للرصد الزلزالي حول العالم وتقنيات مع برمجيات على مستوى عالي.
 
التجارب النووية سواء كانت على اليابسة او في المحيطات كما كانت تفعل فرنسا وغيرها تسببت في آثار كارثية بيئية وتوترات دبلوماسية بين الدول. في عام 1973أقدمت البيرو على قطع علاقاتها الدبلوماسية مع فرنسا على خلفية التجارب النووية الفرنسية المتتابعة في جنوب المحيط الهادي وهي ما اعتقد الكثير من خبراء الزلازل أنها كانت السبب في حدوث زلزال البيرو في 31/05/1970. يعتقد عدد لا باس به من خبراء الزلازل أن هذه التجارب النووية قد حفزت صفيحة نازكا في المحيط الهادي على الحركة شرقا متسببة في هاذا الزلزال المدمر اللذي تراوحت قوته من 7.9 الى 8.0 درجات موديا بحياة ما بين 60 الى 70 ألف قتيل وأكثر من 700 ألف جريح علاوة على خسائر مادية قدرت في عام 1970 بنحو نصف مليار دولار.
 
من المعروف أنه عادة ما يعقب أي زلزال رئيسي بزمن قصير جدا(ثواني أو أجزاء من الثانية) زلزال آخر تكون قوته أقل وفي بعض أحيان أكبر قوة من الزلزال الأول، لكن السجل الزلزالي يظهر لنا زلزال واحد مع استطالة اطول للسجل الزلزالي معتقدين بأن الأمر يتعلق بسجل زلزالي لزلزال واحد على الرغم من أن هاذا السجل يحتوي على ترددات لزلزالين أو أكثر مختلفين عن بعضهما حتى من حيث الموقع ومتباعدان زمنيا بأجزاء من الثانية الى بضعة ثواني. هذا الأمر دفع الباحثين للوقوف بشكل أكثر دقة على ألحوادث الزلزالية للوصول الى فهم أوضح لما جرى وذلك من خلال إجراء تحليل طيفي للسجل الزلزالي. مكنت هذه التقنية التي كانت في البداية يدوية ثم صارت رقمية حاليا بفضل التقدم الكبير في الأجهزة الرقمية وبرامجها من فصل هذه الحوادث الزلزالية عن بعضها وتحديد مواقعها اضافة الى قوتها،وبفضل هذه التقنية ايضا يتمكن علماء الزلازل من فصل أية تفجيرات نووية يكون سجلها محملا على السجل الطبيعي لأي زلزال.
 
في عام 1983 نشرت ورقة علمية لباحثين إثنين (Vida Knezevic & Mohammad Fandi)في دورية مرصد الزلازل الصربي في بلغراد قاما بتحليل طيفي للسجلات الزلزالية لعدد من الحوادث الزلزالية القريبة المسجلة على أجهزة قليلة التردد. تمكن الباحثان بفضل هذه التقنية من فصل مجمل الحوادث الزلزالية المندمجة في سجل زلزالي واحد عن بعضها البعض وتحديد قوة كل منها بل واعطاء موقع جغرافي تقريبي لكل منها.
 
حتى عام 2005 كان هناك ثلاث دول في العالم على أقل تقدير هي الولايات المتحدة، روسيا وإسرائيل تمتلك ما اصطلح على تسميته بالأنتين الجيوفيزيائي (Geophysical Antenna)، وذلك بهدف التحايل التقني على العالم ومنظمة الحظر الشامل للتجارب النووية في إجراء التجارب النووية. لكي نتعرف على الأنتين الجيوفيزيائي لا بد من توضيح طريقة عملة والهدف من إنشائه. الأنتين الجيوفيزيائي يتشكل من مجموعة دائرية من أجهزة الرصد الزلزالي ثلاثية المركبات بتردد حر عالي نسبيا بنصف قطر قد يصل إلى عدة كيلومترات. يتم ربط هذا الأنتين الجيوفيزيائي أو هذه الشبكة من أجهزة الرصد الزلزالي رقميا بجهاز تفجير القنبلة النووية التي تكون قد جهزت سابقا في بئر أرضية حفرت لهذا الغرض بعمق من 400 متر إلى 800 متر أو أكثر قليلا. موقع البئر المجهز سابقا للتجربة النووية يتم إختياره بعناية في منطقة معروفه بنشاطها الزلزالي كمنطقة سحالين أو شبه جزيرة كامتشاتكا أو منطقة القوقاز في روسيااو على مقربة من الأحزمة النارية في المحيط الهادي على سبيل المثال. الهدف من ذلك هو إنتظار حدوث زلزال طبيعي تفوق قوته حدا معينا يتم بعده بزمن قصير جدا وبشكل اوتوماتيكي تشغيل نظام تفجير القنبلة النووية رقميا وتحصل التجربة النووية.
 
بناء على ذلك يكون هدف الأنتين الجيوفيزيائي هو رصد أي زلزال تفوق قوته قوة القنبلة النووية ليعطي بعدها الأوامر لجهاز تفجير القنبلة النووية ليقوم بالتفجير. في هذه الحالة تختلط التسجيلات الزلزالية الناجمة عن الزلزال الطبيعي بتلك التسجيلات الناجمة عن التفجير النووي بما يوحي للمختص الزلزالي المراقب في مختلف المراصد الزلزالية بأن الأمر يتعلق بزلزال طبيعي مع خطأ في تحديد قوة الزلزال الطبيعي بسبب من الاستطالة الزائدة في كودة السجل الزلزالي. لكن من الممكن معرفة ذلك بتقنيات برمجية حديثة تستند في الأساس إلى التحليل الطيفي للسجل الزلزالي كاملا وفصل السجل الناجم عن الاهتزازات الزلزالية الطبيعية عن تلك الاهتزازات الناجمة عن التفجير النووي، بل ومن الممكن كذلك معرفة قوة وموقع الحدثين سواء الزلزال الطبيعي أو التفجير النووي بمنتهى الدقة إذا ما توافرت التقنيات وتوافر الكادر التشغيلي المؤهل والمتمكن من هذا الأمر.
 
هذا الأمر دفع منظمة الحظر الشامل للتجارب النووية إلى إعتماد تقنيات صوتية رقابية جديدة تستند في الأساس إلى التذبذبات في الضغط الجوي الناجم عن الصوت اللذي يحدثه الإنفجار، لكن ما زالت هذه التقنية في طور التجربة والتطوير في الوقت الراهن، كذلك تعتمد منظمة الحظر الشامل للتجارب النووية أيضا على رصد الزيادة في الانبعاث الحاد لاشعاعات عنصر الإكسينون (Xe54) اللذي يعتبر حاليا بمثابة الدي إن إي للتيقن من أن التجربة النووية قد تمت بالفعل وهذا ما تم بالفعل في رصد إحدى التجارب النووية الكورية الشمالية واللتي نقلتها الرياح شرقا عبر اليابان.
 
السؤال المطروح هو لماذا تمتلك اسرائيل مثل هذا الأنتين الجيوفيزيائي المكلف جدا من الناحية المالية واللذي تمتلكه بالاضافة اليها دولتان أخريان في العالم على أقل تقدير هما روسيا والولايات المتحدة، أليس بغرض التحايل التقني على المراصد الرقابية الزلزالية في المنطقة بوجه خاص وفي العالم بوجه عام بما يخدم الغرض الأساسي من إنشائه وهو التحايل التقني في إجراء التجارب النووية وتحميل الاهتزازات الناجمة عنها على كودة الزلازل الطبيعية بما يوحي للمراقب بأن الأمر يتعلق بسجل موجي لزلزال طبيعي.