المولد النبوي وانتشار العدل والإحسان..حسن المزايده

المولد النبوي وانتشار العدل والإحسان..حسن المزايده
يحتفل المسلمون بذكرى  مولد خير الخلق، سيدنا و نبينا و قدوتنا ومعلمنا محمد صلى الله عليه وسلم،  الذي بمولده أشرقت الأرض ، كيف لا وهو الرحمة والأمل المنتظر الذي أرسله الله عز وجل للناس أجمعين ((وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ)) سورة الأنبياء107. فكان عليه الصلاة والسلام  رحمة للعالمين كافة، وببعثته ورسالته ودعوته أزاحت ظلمات الجهل و الشرك و العبودية و الطغيان، وتبدلت الأرض غير الأرض و تغيرت النفوس التي أمنت بدعوته و إتبعت هداه ، فانتشرَ العدل و الإحسان بعد قرون من سيادة الظلم و الجور، و  الكراهية و العداء، وساد نور الإيمان و العلم بدل ظلمات الجهل والشرك و العبودية لغير الله، فرسالته جاءت لتخرج الناس من عبودية العباد إلى عبودية رب العباد وحده لا شريك. 
 
تحتفل الأمة بذكرى المولد النبوي، لكنه إحتفال يجانب الصواب في الغالب، فالإحتفال لا يكتمل و لا يتحقق فعلياً، بإنشاد القصائد في مدحه ، وإقامة المؤتمرات والندوات، و لكن الإحتفال بذكرى مولده يتحقق بإتباع هديه و الإلتزام بما أُنزِلَ عليه من رب السموات … فذكرى المولد النبوي ليست مجرد مناسبة لمولد رجل عظيم غير وجه العالم فحسب، بل إنه  ذكرى لمولد أمة، فبولادته ولدت أمة من جديد.. فكانت هذه الأمة التي نشرت نور الإسلام إلي كل انحاء العالم و نشرت الفضيلة والعدل والسلام.. و حاربت الظلم والطغيان.. قال تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أمّة أُخْرِجَتْ للنْاسِ) (آل عمران 110) وما ارتفعت هذه الأمة وما شُرِّفت إلاّ بهِ صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى (لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلىْ المُؤْمِنيْنَ إذْ بَعَثَ فِيِهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلوُ عَلَيْهِمْ آيْاتِهِ وَيُزَكّيهِمْ). (آل عمران/164)..
 
لكن حال الأمة اليوم بعيد كل البعد عن الوصف العظيم الذي شرفها الله به، لأنها إبتعدت عن شروط و ضوابط الرسالة فقد تركت قطاعات واسعة منها، الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، وإختارت السير عكس الإتجاه الذي خطه النبي محمد عليه الصلاة و السلام بوحي من الله تعالى: (قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبّوُنَ اللهَ فإتّبِعُوُنِيْ يُحْبِبْكُمْ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ) (آل عمران 31)… فقد جعل سبحانه وتعالى طاعة رسوله من طاعته عز وجل (مَنْ يُطِعِ الرَسُوُلَ فَقَدْ أَطاعَ اَللهْ) (سورة النساء 80).
 
فذكرى مولد النبي محمد عليه الصلاة والسلام و سيرته العطرة وكفاحه من أجل نصرة الحق و إعلاء كلمة التوحيد ونشر العدل والإحسان ليست مجرد أحداث تاريخية  فحسب، بل هي منهج حياة على كل حر مسلم أو غير مسلم أن ينظر إليها بتمحص و تدقيق لإستخلاص الدروس و العبر، للهروب من دوائر الباطل التي تحاصر كل فرد منا في كل زمان ومكان، هروبا إلى الحق الذي جاء به محمد عليه الصلاة و السلام، و كفر بالطواغيت التي تتجسد في صور و وجوه ظاهرها الصلاح وباطنها الفساد والشر قال تعالى : (لا إكراه فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)) (256)البقرة..
 
فإتباع هدي محمد عليه الصلاة و السلام يعد بحق المستقبل الذي يتطلع إليه أغلب المسلمين، مستقبل يستند إلى احترام إرادة الإنسان وكرامته و إنسانيته و حريته في الاعتقاد، فرسالة محمد عليه الصلاة و السلام و المنهج الذي أسسه في المدينة المنورة و إقتدى أثره الخلفاء الراشدين فيما بعد، شكل تجربة سياسية واجتماعية وإنسانية، لم يشهد لها التاريخ من قبل مثيلا، و لازالت هذه التجربة القائمة على العدل و المواطنة والتسامح و العدل و التعددية السياسية والفكرية، تحرك وجدان كل إنسان حر يسعى لخير أهله ووطنه و بني جنسه … “هذا بيان للناس وهدى و موعظة للمتقين” (الآية 138 آل عمران) ..و الله غالب على أمره و لكن أكثر الناس لا يعلمون..