وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ

وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ
الكاتب : أ.د. بلال أنس أبوالهدى خماش

 خلق الله سبحانه وتعالى هذا الكون من عدم وخلق السموات والأرض في ستة أيام ثم إستوى على عرشه (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (الأعراف: 54)). وخلق الملائكة والجن وبعد ذلك خلق آدم عليه السلام ليكون خليفته هو وذريته في الأرض (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (البقرة: 30)). وقد وضع الله خطة وجميع أحداث هذا الكون منذ الأزل وبالتفاصيل حين قال في كتابه العزيز (مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ، لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (الحديد: 22 و 23)). فما حدث من أحداثٍ في الأرض منذ أن أهبط الله آدم وزوجه على الأرض وحتى يومنا هذا وما سيحدث في المستقبل كله مكتوب في كتاب مبين (قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى (طه: 52)). فما على الإنسان إلا أن يسعى ويوكل أمره لله ولا يعترض على أمر حصل له بأمر الله لأنه بالتأكيد ظاهره لغير صالحه ولكن في باطنه لصالحه.

 
ولنعلم نحن البشر من مختلف الأجناس والأنواع أن ما حدث وما يحدث وما سيحدث من أحداث في هذا العالم لا تسر أحداً وليست في صالح الإنسانية هي بما كسبت أيدي البشر وليس من الله لأن الله لا يريد بعباده إلا الخير لأنه قال لآدم وزوجه (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (البقرة: 38)). وقال أيضاً في كتابه العزيز للأمم التي جاءت فيما بعد من نسل آدم وزوجه (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (الروم: 41))، طالباً منهم أن يعودوا إلى الله ويتبعوا أوامره ويجتنبوا نواهيه حتى يرفع عنهم غضبه وعقابه. وعلينا أن نأخذ عبر ودروس من عصر الإسلام والمسلمين الأوائل كيف نشروا الإسلام في جميع بقاع الأرض لأنهم كانوا كما قال الله تعالى (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (آل عمران: 110))، ووعد الله عباده إن عادوا عن المعاصي سيرضى عنهم ويعود معهم كما كان في السابق ناصراً لهم ومؤيداً لهم بجنود السموات والأرض (وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (الإسراء: 8)). ولنكن على يقين بأن الله سوف لا ولم ولن يرفع الضيق والظلم وتجبر الكافرين بنا ... إلخ إلا إذا عدنا إليه.
 
ويقول الكثير من الناس في هذا العالم: أصبح لنا سنين ندعوا الله ولا يستجيب لنا، فنقول لهم: هل توفر لديكم شروط إستجابة الدعاء كما ذكر الله في كتابه العزيز في هذه الآية؟ (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (البقرة: 186))، إسألوا أيها البشر أنفسكم وكل إنسان على نفسه بصيراً (بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (القيامة: 14)). وكما قال الله بصريح العبارة (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (الإنسان: 30)). فلا تتعب نفسك أيها الإنسان في الجري ووضع الواسطات لأي أمر ترغب في الحصول عليه، لأن الله يفعل أي أمر للإنسان عندما يشاء له ذلك الأمر، والله أعلم وأحكم بما هو في خير الإنسان. ومن خبرة الكثير من الناس أن كثيراً من الغايات التي رغبوا في الوصول أو الحصول عليها لم تتم رغم أنهم حاولوا قصارى جهودهم في ذلك وبعض الأمور أتت لهم بكل بسهولة دون تعب أو واسطات وجري من مكان لآخر ووضع واسطات من هنا ومن هناك. وهذا أكبر دليل على أنه لو إجتمعت الإنس والجن على أن يفيدوا شخصاً ما بأمر ما، ما كتبه الله له لن ينجحوا في ذلك والعكس صحيح، لو إجتمعت الإنس والجن على أن يمنعوا فائدة لشخص ما، كتبها الله له لن يستطيعوا. لأن رزق الإنسان في السماء وليس في الأرض بأيدي البشر (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ، فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ (الذاريات: 22 و 23)) ولكن على الإنسان أن يسعى.