جدل واسع حول مسلسل أم الكروم

الكاتب : د. حسين البناء
 لم يُؤخَذ المشاهد الأردني بعملٍ درامي توثيقي كما في مسلسل (أم الكروم) لكاتبه الأردني (د. مخلد الزيودي) وهو العمل الوحيد الذي شاهَدَته شريحة واسعة من الجمهور في كل مرةٍ عُرِض بها، ففي عرضه الأول على شاشة التلفزيون الأردني عام 1999 استوقفنا جميعًا حجم الفَقد الذي أصاب أبطال القصة عندما اكتشفوا متأخرًا بأنهم (و بطبيعة الحال هم تجسيدٌ للأردنيين كلهم) قد فقدوا عنصر القوة و التمكين الأول للمواطن و الهوية، أي الأرض، و الأكثر وجعًا أنه و في غفلة من (الوعي الجمعي و الزمن) قد تم تجريدهم من أرضهم في مقابل تسيير متطلبات حياتهم اليومية، كالزواج و السكن و التعليم و السيارات و الترفيه أحيانًا، وربما في سياق ذلك يأتي انسحاب الدولة من الخدمات العامة وتردي مستوی الخدمات.
 
أحداث المسلسل ليست مُجرد عرضٍ تأريخي لفترة من حياة الأردن في ثمانينات القرن الفائت على إثر الطفرة النفطية في الخليج؛ بل هي تشخيصٌ دقيق واستشراف عميقٌ لحالة استلاب بشع لشعب من أرضه، في تمهيد لضياع الهوية و الانتماء للأرض، و ربما لإحلال و إزاحات ديموغرافية لاحقة، في صورة تتقاطع مع ما حل بأهلنا المرابطين في فلسطين مع بدايات الهجرات الصهيونية و التمكين الاستعماري عن طريق تملك الأرض بأدوات شتى.
 
سمسار الأراضي (صبري/إبراهيم أبو الخير) في بدلة (السفاري) كان قد أجاد لعب دور الوسيط - الذي بحكم فهلوته و ارتباطه برأس المال - استطاع أن يُجِسّد أسوأ أنواع البشر، وخاصةً عندما أغوى (الشيوخ) بقضاء لياليهم في الملاهي كطريقٍ مُختَصر للإفقار و هدر الموارد بدل استثمارها ! في المقابل، فإن (عواد و عقلة و جبر) قد جسّدوا (الإنسان الفلاح) البسيط و الطيّب، الذي تم تجريده من كل شيء في سنوات قليلة، دون أدنى إدراك لحجم الاستلاب الذي وقع عليه.
 
قبل عام 1990 المشؤوم والذي شهد الانهيار الاقتصادي الأكبر، و عندما كان سكان القرى و الأرياف والمدن الصغيرة يَشدّون الرحال للعاصمة عمّان لقضاء حوائجهم الحياتية وطلبا للوظائف و لمراجعة الدوائر الرسمية المركزية، كان مألوفًا تداول أسماء العشائر التي تقطن مناطق عمّان المختلفة، و حسب التسمية المحلية الشائعة باسم (مضارب، مَطقّات، مراعي)، نذكر منها مثلًا لا حصرًا هذه التقسيمات التقليدية لأحياء العاصمة قبل اشتباكاتها الحضرية التي نعيشها اليوم والتي اتسعت فيها الرقعة المسكونة بشكلٍ هستيري و غير منظم: طبربور/ الدعجة، الصويفية/ العليمات، و الرابية/ الدباس، خلدا/ السكر و العساف و هديب، صويلح/ الشيشان، وادي السير/ الشركس، الجبيهة/ اللوزي، وسحاب/ أبوزيد ... وهكذا.
 
تأكيدًا على ماسبق، و تمثيلًا لحجم الاستلاب الذي وقع علينا نحن الأردنيون، وفي العشرين عامًا الماضية، فإن مجرد قراءة أسماء يافطات البنايات و المحلات التجارية يجعل من الملحوظ غياب أسماء و إحلال أسماء أخرى مكانها؛ فالقصة كلها قضية استلاب بغية إحلال.
 
 
 بكلمةٍ أخرى، لقد وقع علينا نحن الأردنيين و الفلسطينيين ما حدث لأهل قرية أم الكروم تمامًا.
 
 
لم يَشعر الأردني بخطرٍ على وجوده و هويته كما يشعر الآن، و هو ذات الشعور لأهلنا في فلسطين، أمام مشاريع التسوية النهائية لقضية السلام. إنه خطر داهم سيُعرّضنا جميعًا للضياع، وليس من مخرج سوى رص الصف أمام الاندفاع الغربي المتصهين عبر آلية توجيه البوصلة، التي تضع الكيان الصهيوني في بؤرة الهدف، وليس أي طرفٍ آخر.
 
مؤخرا، قام كاتب المسلسل (د. مخلد الزيودي) بعرض جملة حقائق و تساؤلات حول مناسبة إعادة عرض المسلسل حاليًا، و عقبات استكمال تمثيل وإنتاج حلقاته من الجزء الثاني، و تناول بعض الحساسيات التي يثيرها محور المسلسل شعبيًا في ظل التطورات الأخيرة كصفقة القرن وغيرها من طروحات.
 
هنالك نية حاليا لتقديم مشروع قانون علی أمل تنشيط الاستثمار السياحي في منطقة البتراء بما يسمح بتمكين الأجانب من التملك فيها كمجال استثماري جاذب، المخاوف الشعبية تتصاعد حول عواقب و تخوفات من تمكين الشركات العالمية العملاقة و رجال الأعمال الإسرائيليين من امتلاك الأرض في مدينة أثرية تشهد على حضارة مملكة نبطية عربية عظيمة، يعتبرها اليهود المهرب الوحيد من الهلاك في آخر الزمان.