أ.د. رشيد الجراح يكتب : العمل الإضافي في الجامعات .. اليرموك أنموذجاً

عندما كان القائمون على إدارة الجامعات الرسمية في الأردن أكاديميون حقيقيون يفهمون حقيقة العمل الأكاديمي ويتمثلون أهدافه النبيلة، كانت الجامعات مؤسسات وطنية تجتهد بكل ما أوتيت من قوة وعزيمة عالية للرقى بهذه المؤسسات إلى مستوى المنافسة الاقليمية والدولية. 
 
وبذلك غدت جامعاتنا الوطنية في فترة زمنية قياسية منارات علمية متميزة يشار إليها بالبنان من القاصي قبل الداني، يحضى المدرس فيها، والطالب المتخرج منها، باحترام كبير، تسعى المؤسسات والشركات المحلية والإقليمية وحتى الدولية لاستقطابهم والاستفادة من كفاءاتهم المتميزة في شتى مجالات المعرفة العلمية. 
 
وليس أدل على ذلك من أعداد الكفاءات المتخرجين من هذه الجامعات المنتشرين حتى الساعة في شتى أرجاء المعمورة، ولكن لمّا أصبحت عقلية الإدارة الجامعية الجديدة أقرب منها لعقلية التاجر الذي يقيس كل شيء بميزان الربح والخسارة المادية الآنية، تراجعت تلك المؤسسات عن هدفها النبيل الذي أنشئت أصلًا من أجله. 
 
لنطرح السؤال المباشر، ألا وهو: ما هو سبب هذا التراجع؟
 
لا شك عندنا أن هناك جملة من الأسباب يصعب الخوض فيها جملةً واحدةً ولا يتسع المجال للتفصيل فيها كلها في مقالة بمثل هذا الحجم، لنكتفي هنا بالتعليق على واحدة من تلك الأسباب فقط. وهذا السبب يتمثل بازدواجية المنفعة عند صاحب القرار قبل تبوءه كرسي الإدارة وبعده. فنحن نرى بأن القائمين الجدد على إدارة هذه الجامعات قد أخذوا على عاتقهم شرخ التعليمات والأنظمة التي كان معمولًا بها في سابق الأيام. وما أن أصبحت تلك التشريعات والأنظمة واقعة ضمن نطاق صلاحياتهم حتى سارعوا إلى تشويهها بطرق مكشوفة لا تخفى حتى على المعاقين فكريًا ناهيك أن يكونوا أساتذة جامعيين. والأغرب من هذا كله، أن القائمين الجدد على إدارة الجامعات هم أنفسهم من استفادوا من التشريعات القديمة فترة طويلة من الزمن. ولكن ما أن وصلت ... إلى كرسي التشريع والقيادة حتى أخذوا يفصّلون التشريعات التي توافق مصالحهم الخاصة، ضاربين عرض الحائط بكل القيم والأعراف الأكاديمية الجليلة. وسأضرب هنا مثالًا واحدًا على زعمنا هذا، ألا وهو الحسبة السحرية العجيبة للعمل الإضافي في جامعة اليرموك.
 
أولا، كان العمل الإضافي لأعضاء الهيئة التدريسية في الجامعة على مدار أكثر من ثلاثين عامًا من عمر هذه المؤسسة الوطنية الكبيرة متوافرًا للجميع، فما كان أحد منهم يُحرم من ذلك بأي فصل من الفصول الدراسية، حتى كان رئيس القسم الأكاديمي الواحد يعمد إلى تقسيم حتى الشعب قليلة العدد، ليتمكن من تغطية العمل الإضافي لجميع المدرسين في قسمه الأكاديمي، متذرعًا حينها بأهمية الحفاظ على جودة التعليم من جهة، وبحق أعضاء الهيئة التدريسية في تحفيزهم للعمل باخلاص وانتماء للمؤسسة من جهة أخرى.
 
ثانيا، كان مردود العمل الإضافي في الفصل الواحد يوازي حينها أضعاف راتب عضو هيئة التدريس، لأن أجرة الساعة الواحدة بحسبة القوة الشرائية للدينار الأردني كانت عالية حينئذ. وبحسبة بلدية بسيطة، كان المساق الإضافي الواحد يدر مردودًا للمدرس تفوق نسبته 150% من راتبه حينئذ لشهر واحد.
 
ثالثًا، كان الأستاذ الجامعي يستطيع أن يقوم بعمل إضافي في الجامعات الأخرى بطريقة غير مشروطة، حتى أن بعضهم كان يبدأ يومه في الجامعة الأردنية مرورًا بجامعة فيلادلفيا وجامعة جرش وإربد الأهلية وجدارا من الجامعات الخاصة وينتهي بجامعة العلوم والتكنلوجيا واليرموك. وكانت فلسلفة الموضوع مبنية على أهداف التعاون الأكاديمي في المؤسسات التعليمة الوطنية وبناء الجسور المعرفية بينها، والاستفادة من خبرات الكفاءات التعليمية التي لا يشق لها غبار حينئذ.
 
السؤال: ما الذي حصل عندما وصل هؤلاء الذين تمتعوا بهذه الامتيازات ردحا من الزمن إلى سدة القيادة والتشريع؟
 
أولًا، بات التدريس الإضافي في جامعة اليرموك أقرب إلى المحرمات منه إلى العمل المشروع حتى غدا الحديث عنه وكأنه نوع من التكسب غير المشروع .
 
ثانيا، أصبح مردود العمل الإضافي الآن (إن وجد أصلًا في أندر الأحوال) لا يصل إلى 20% من راتب عضو هيئة التدريس.
 
ثالثًا، أصبح قيام أستاذ من جامعة اليرموك بتدريس مساق واحد في جامعة العلوم والتكنولوجيا – مثلًا- أمرًا غير شرعي إلا بعد أخذ الإذن المسبق من ولي النعم الذي ما انفك في سابق الأيام من أن يجوب البلاد شرقًا وغربًا دون حساب ولا رقابة من أحد.  
 
رابعًا، بات رفع سقف أعداد الطلبة في الشعبة الواحدة إلى أرقام فلكية أكثر وجاهة من قسمة شعبة واحدة في القسم الأكاديمي بأكمله، تحسبًا من توافر الحاجة للتدريس الإضافي من قبل بعض أعضاء الهيئة التدريسية. فأصبحنا ندرس ما يزيد عن مئتين طالبًا في الشعبة الواحدة في كثير من مساقات البكالوريس وما يقرب من المئة طالب في مساقات الدراسات العليا. وما عادت جودة التعليم تقف مانعًا أمام رغبة المسئول لملء خزائنه متعذرًا بعدم "مشروعية التدريس الإضافي".
 
خامسًا، بات قسم واحد في الجامعة (لا يتجاوز عدد أعضاء هيئته التدريسية العشرين) يتحمل عبء تدريس أكثر من ألفين طالب، في حين لا تقوم كلية بأكملها يتجاوز عدد أعضاء هيئتها التدريسية السبعين عضوًا بتدريس نصف ذاك العدد من الطلبة في ذاك القسم المشار إليه آنفا. ولك أن تقارن عزيزي القارئ الحمل الأكاديمي لقسم اللغة الإنجليزية مثلا مع الحمل الأكاديمي لكليات الفنون والاثار وتكنولوجيا المعلومات مجتمعة.  
 
رابعا، عندما لا يجد المسئول بدًا من اللجوء إلى العمل الإضافي في بعض الحالات (وما أندرها)، فإنه يقوم بحسبة المكافأة للمدرس بناء على عدد الطلبة في الشعبة. فلا يتردد بداية أن يحسب - لغايات العمل الإضافي- الشعبة الأقل عددًا على الاطلاق من بين جميع الشعب التي يدرسها ذلك المدرس في ذلك الفصل. ثم لا يتوانى أن يضع حدا أدنى لعدد الطلبة في تلك الشعبة على وجه التحديد، فإذا كان عدد الطلبة فيها أقل من الحد الأدنى (الذي حدده ذاك المسئول بحسبته الخارقة)، يصبح الدفع على "الراس". وربما تحتاج لحساب القيمة المدفوعة بعد ذلك إلى معادلة رياضية لا يتقنها إلا من كان في علم الحساب المتقدم خبيرًا.
 
 ليكون السؤال المطروح الآن هو: إذا كان هناك حد أدنى لعدد الطلبة في الشعبة الواحدة، ألا يستوجب أن يكون هناك سقفًا أعلى؟ فكما تعاقب في حالة النقصان، فلم لا تكافئ في حالة الزيادة؟ هل من المعقول أن أدرس - أنا مثلا – واحدة من مساقات الدراسات العليا (ماجستير ودكتوراة) يصل عدد الطلبة فيها إلى مئة وعشرة طلاب، فتدر دخلا للجامعة بما يزيد عن ثمانين ألف دينار، ثم تحسب حقي من العمل الإضافي على الشعبة الأخرى التي قل فيها العدد عن الحد الأدنى الذي خطته يمينك وما أنزل الله به من سلطان، ليكون ما تمنّ به عليّ لا يتجاوز اربعمئة دينار؟ وهل كنت لتكلفني بهذا العمل لو لم تكن حاجتك ماسة لعملي هذا؟ أأجلب لك دخلًا يفوق ثمانين ألف دينار من شعبة واحدة، لتكافئني على الأخرى بأربعمئة من الدنانير؟ أليست تلك إذا قسمة ظيزى؟  هل كان من يتبرجون تبرج الجاهلية الأولى (من الأسياد) يدفعون مثل هذا الفتات لمن كانوا لهم عبيدًا ؟ إن كان الجواب بالإيجاب، فنعم رجال خير أمة أخرجت للناس أنتم لا شك منها؟!
 
المطلوب: أيها المسئول الأكاديمي الإداري الجديد، لم أغلقت الأبواب والنوافذ التي دخلت وقفزت من خلالها سنين طويلة وأعوام مديدة من عمرك الأكاديمي الممنون؟ لماذا أصبح حرامًا على غيرك ما كان حلالًا خالصًا لك في سابق الزمن؟ هل أصبحت محاسبًا قانونيًا تاركًا وراء ظهرك رؤيتك الأكاديمية التي ما انفككت تحدث الناس بها في كل محفل أو مناسبة صغيرة كانت أم كبيرة؟ هل فعلًا تظن أن الجامعة مزرعة الوالد، والمدرسين فيها يشتغلون في رعي أغنامه التي أصبحت أنت تعدها بـ "الراس"؟ وهل ما زلت تعتقد – ايها المبجل- أن مبلغ الخمسة دنانير في عام 2020 هي ذات القيمة السوقية في سبعينيات وثمانيات القرن المنصرم؟ ألم يأتيك الخبر من كل حدب وصوب أن دخل السمكري (باللهجة المصرية) أصبح أضعاف دخل الأستاذ الجامعي؟ ألم ينتهي إلى مسامعك أن موظفة البنك الجميلة التي "تقبّضنا" رواتبنا من خزائنك في نهاية الشهر تتقاضى أكثر من الأستاذ الجامعي وهي التي تخرجت على يديه في العام المنصرم؟ ألم تعلموا أنكم بتصرفاتكم هذه قد مسستم الهيبة الاجتماعية والعلمية للأستاذ الجامعي (وأنتم منهم) حتى غدا ليس أكثر من موظف بسيط إذا ما قورن من حيث الدخل الشهري بمن يعمل في أصغر الهيئات الخاصة التي هي أصلًا حكرًا على أبناء الذوات في المجتمع الأردني؟
 
سيدي المبجل، هل تظن أن هذه سلوكات "ذكية" لحل مشاكل إدارتك الجامعية المتفاقمة يومًا بعد يوم؟ هل تظن أن رفع أعداد الطلبة في الشعب إلى حد التضخم يفيد العملية التعليمية في شي أم يفيد خزائنكم التي أبت أن تمتلء في يوم من الأيام مهما كانت روافدها؟ هل تظن أن التضييق على الاستاذ الجامعي يعزز من انتمائك الوطني ويزيد من رصيدك عند صاحب القرار حتى لا ينسى فضلك عند توزيعه لِمَ يشغر من كراسي المسئولية التي تنتظرك في القادم من الأيام؟
 
في النهاية دعني أذكركم (أيها المبجلون جميعًا) أن الفوضى التي أحدثتموها بأيديكم ليس من التشريعات والأنظمة والقوانين الحقيقية في شيء، وهي ليست أكثر من سياط تحملونها بأيديكم لهضم حقوق العباد ظلما وزورًا. فأنا شخصيًا لم أقرأ في كتاب سماوي ولم أعثر في شريعة أرضية عند أحد من أمم الأرض أن الجامعات شركات خاصة تحسب كفاءتها بمقدار تحصيلها من المال مهما تدنت جودة التعليم على حساب من يقومون بالعمل بغض النظر عما آلت إليه ظروفهم وأحوالهم المعيشية في عهدكم الميمون.
 
وفي النهاية، زي ما بدكو، انتو حرين، لكن تذكر – أيها المبجل- أني شخصيًا لن أصمت على "ضياع حقي" مهما صمّت آذانكم عن سماعه، ولن أعدم الدعاء صادقًا ألا يوفق الله مسعى من لم يكونوا للحق منصتين وإليه راجعين. انتهى.