لماذا تهاوت أسعار النفط الأمريكي ؟

الكاتب : م. مهدي حنا

لطالما اعتبر النفط منذ اكتشافه بالسلعة الاستراتيجية الأهم تداولاً في العالم. فيعد النفط مصدراً هامّاً من مصادر الطاقة الأوّلية، ولذلك يطلق عليه اصطلاحاً أسم «الذهب الأسود» بسبب أهمّيته الاقتصادية، فالنفط هو عماد الصناعة، والمحرك الرئيسي لاقتصادات الكثير من الدول المنتجة لهذه السلعة، وهو كأي سلعة أخرى يخضع نسبياً لقاعدة العرض والطلب.

ما حصل في الآونة الأخيرة ان العالم يعيش فترة من الركود نتيجة لجائحة الكورونا التي نمر بها والتي اجبرت أكثر من نصف سكان الأرض على التزام منازلهم لدرء خطر انتشار الفيروس، وتعطلت الكثير من المصالح وبل وتوقفت الكثير من المصانع والمنشآت عن العمل، الأمر الذي ادى بالضرورة إلى انخفاض الطلب على شراء النفط في العالم. ولكي نستطيع فهم تهاوي سعر النفط الأمريكي بالتحديد يجب ان نلقي نظرة على صناعة النفط وتداولاته وسبل التحكم في السوق النفطية بالعموم.

إن اسواق النفط بالعموم تخضع لقرارات أوبك (منظمة الدول المصدرة للبترول) وهي مكونة من إحدى عشر دولة ومقرها في فينا. هذه الدول تضم خمسة دول من الشرق الأوسط وهم السعودية والإمارات والكويت والعراق وإيران وخمسة دول من أفريقيا وهم أنغولا والغابون ونيجيريا وليبيا والجزائر وواحدة من امريكا الجنوبية وهي فنزويلا. يمثل معدل انتاج نفط هذه الدول ما يقارب 42% من إنتاج النفط في العالم وتشكل 72% من احتياطي النفط في العالم. منها 48% موجود في الدول الستة في الشرق الأوسط. في الفترة الأخيرة انضمت روسيا وبعض الدول الأخرى إلى هذه المنظمة وعددها 25 دولة وأصبحت تعرف بأوبك +.

تتفق هذه الدول على حصص الإنتاج فيما بينها وفقاً لقاعدة العرض والطلب، ولكن التحكم في سعر النفط العالمي غالباً ما يهيمن عليه القرار السياسي وليس الاقتصادي كباقي السلع في العالم، فالولايات المتحدة تعطي لنفسها الحق في السيادة على أسواق النفط العالمية في قراراتها التي تفرضها على أغلبية الدول الأعضاء في منظمة الأوبك للتحكم في الإنتاج. وهناك عدة عوامل مساعدة لهذه السيادة، منها أن كافة عقود النفط يتم التعاقد عليها بالدولار الأمريكي في كافة أسواق النفط في العالم، وايضاً هيمنة الشركات الامريكية مثل اكسون موبيل وشيفرون وشل وغيرهم على الكثير من أسواق النفط العالمية بصفتهم شركات متعدية الجنسية وبصفتها شركات منتجة وناقلة، فهي تتحكم بالضرورة في الهيمنة على أسواق النفط العالمية، وفي سعر برميل النفط. فغالباً تفرض الولايات المتحدة قراراتها ونفوذها السياسي على الدول المنتجة والمتعلقة بزيادة أو خفض الإنتاج، ودول الاوبيك في غالبها هي دول تابعة وحليفة للسياسات الامريكية ولهذا فهي تنصاع للقرارات الامريكية. ولطالما استخدمت الولايات المتحدة سلاح النفط كعقاب في وجه العديد من الدول التي لا تنصاع للإرادة الامريكية، فعلى سبيل المثال استخدمت الولايات المتحدة نفوذها على دول الاوبيك بزيادة الانتاج العالمي للبترول في السنوات الأخيرة ولفترات معينة لإلحاق بعض الضرر في اقتصادات بعض الدول المعتمدة على النفط كسلعة أساسية مثل روسيا وفنزويلا وايران ، فأغرقت الأسواق العالمية بالنفط بغية تخفيض سعر البرميل وذلك للضغط على الدولة المعنية لتكبدها الخسائر وتجبرها على الانصياع للإرادة الامريكية المهيمنة على السياسات الدولية وفي غالب الأحيان استطاعت تلك الدول أن تمتص الخسائر ولم ترضخ للسياسات الامريكية المجحفة.

على الرغم من أن الولايات المتحدة في الأوضاع الطبيعية وعند زيادة الإنتاج من قبل دول الاوبيك فهي تكسب من الانخفاض في سعر البرميل كونها من أكثر الدول المستوردة للنفط والمستهلكة في ذات الوقت فقد رفعت الولايات المتحدة حصتها في الإنتاج لتصبح أكبر دولة في الإنتاج اليومي منذ عام 2019 فيما يقارب ال 15 مليون برميل في اليوم في حين انها تستهلك 20 مليون برميل يومياً، فهي بحاجة إلى شراء ما يقرب من 5 ملايين برميل يومياً.

فهي تشتري بالسعر الرخيص وتخزن في الاحتياطي الاستراتيجي الذي يبلغ ما يقارب 772 مليون برميل من النفط الخام.

كما انها تستفيد من فارق الأسعار حين يدفع المواطن الأمريكي سعر اقل مما يدفعه عندما يكون سعر البرميل أعلي، فهذا الفارق يصب في الاقتصاد الأمريكي عندما يصرفه الامريكيون على شراء السلع الأخرى.

أما عندما يتم خفض الإنتاج يصبح الطلب أعلى في أسواق النفط فيرتفع سعر البرميل لصالح الولايات المتحدة بالتحديد فهي تكذب في الغالب كعادتها ولا تلتزم بخفض حصصها العالمية من الإنتاج أسوة بدول الأوبك تحت ذريعة أنها ليست عضواً في منظمة الأوبك، وبهذا فهي تلجأ إلى زيادة الإنتاج لتقلل حجم استيرادها من النفط الخام. علماً بإن كلفة انتاج البرميل للنفط الصخري في الولايات المتحدة بحدود 48 دولار للبرميل مقارنة في العربية السعودية التي لا يزيد فيها كلفة انتاج البرميل عن العشرة دولارات كما لا يتعدى البترول الروسي كلفة انتاج البرميل منه عن العشرين دولاراً للبرميل. فعندما يرتفع سعر البرميل عالمياً عن مستوى ال 48 دولار يكون من المجدي زيادة الإنتاج داخل الولايات المتحدة. والتقليل من الاستيراد بالسعر الأعلى.

أما فيما يخص الظروف الحالية التي يمر بها العالم فهي ظروف استثنائية وغير طبيعية فكمية النفط المعروضة في الأسواق كبيرة والاسعار انخفضت نتيجة لقلة الطلب، فانخفاض الإنتاج هنا لا يفيد الولايات المتحدة كالعادة هذه المرة ،نتيجة للإغلاق وانخفاض الطلب على النفط المستخدم للمركبات والطائرات وكافة وسائل النقل والتصنيع وغيرها .

أما الهبوط المفاجئ لخام تكساس فذلك لا يعود فقط إلى التراجع في أسعار الخام بأكثر من 80% أو 50 دولار للبرميل منذ بداية العام، بل إلى عدة أسباب مجتمعة أجبرت دول الأوبك + والعديد من الدول المنتجة الأخرى في العالم إلى خفض انتاجها نتيجة لقلة الطلب المرتبط بالآثار المباشرة لجائحة الكورونا .

أن هذا الانخفاض في الإنتاج من قِبل دول الاوبك جاء متأخرًا بعض الشيء مما سمح بتمرير كميات ضخمة إلى الأسواق. هنا جاء قرار الرئيس ترامب بزيادة المخزون الاستراتيجي، في حين يرى المحللون الاقتصاديون أن هذا الحل ليس حلاً بعيد المدى، فالحل يجب أن يكون بخفض الإنتاج أو إيقاف بعض الآبار في النفط التقليدي والصخري الأمريكي بشكل مؤقت حتى يتماشى مع إجراءات التخفيض التي قامت به منظمة الأوبك. فاستمرار الإنتاج الأمريكي بنفس الوتيرة أدي إلى هذا الانهيار فهوى سعر برميل النفط الأمريكي بشكل حاد خلال تعاملات يوم الاثنين، بأكثر من 306%، مسجلا أدنى مستوى في تاريخه، حيث بلغ سعر البرميل 37.63 دولار تحت الصفر.

وتزامن ذلك مع قرب بلوغ منشآت النفط الحد الأقصى للتخزين في الولايات المتحدة بشكل هائل خلال الأسابيع الماضية نتيجة لانخفاض الطلب على الشراء داخل الولايات المتحدة بالتحديد. مما اجبر المتعاملون المضاربون بالعقود الآجلة للعثور على مشترين والتخلص منها باي ثمن لان كل من يملك هذه العقود ملزم قانونياً باستلام النفط المتعاقد عليه وبالتالي تحمل كلفة التخزين. والمضارب عادةً لا حاجة له في النفط فهو لم يشتر العقد ليحصل عليه وهكذا وجدوا نفسهم في ورطة، مما تسبب بالنزول الحاد لسعر خام تكساس الوسيط. وقد تزامن ذلك مع ضغوط الجائحة على الاقتصاد العالمي وتهديدها بمحو عقد كامل من نمو الطلب، وتسببها في تسريح الملايين من وظائفهم، ومحو مئات مليارات الدولارات من القيم السوقية للشركات.

رغماً عن محاولة الولايات المتحدة المحافظة على سيادتها على أسواق النفط، إلا أنها لم تستطع حماية أسعار النفط من الانهيار. فقد انتصر فايروس الكورونا رغماً عنها في شلل الاقتصاد العالمي والامريكي على وجه الخصوص وهذا يذكرني بقول المتنبي:

لا تحقرن صغيراً في مخاصمة فالبعوضة تدمي مقلة الأسد

هذه الجائحة تنبأ بقرب انهيار العديد من الشركات العالمية وقد تكون منها بعض شركات النفط.