سِيَاسَةُ فَرِّق تَسُدْ تُطَبَقُ عَلَى اَلْعَربِ وبَيْنَ اَلْعَرَبِ مُنْذُ سِنِيْنَ

الكاتب : أ.د. بلال أنس أبوالهدى خماش

فَرِّق تَسُدْ هو مصطلح سياسي عسكري إقتصادي، الأصل اللاتيني له "divide et impera" ويعني تفريق قوة الخصم الكبيرة إلى أقسام متفرقة لتصبح أقل قوة وهي غير متحدة مع بعضها البعض مما يسهل التعامل معها والسيطرة عليها. وسياسة فرق تسد ليست بسياسة جديدة بل هي قديمة قدم السياسة نفسها حيث طبقها السومريون والمصريون وقد طبقها فرعون مصر على شعبه (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (القصص: 4)) واليونانيون القدماء لتفكيك قوى أعدائهم وتحييد هذه القوى من خلال توجيهها داخليا واحدة ضد الأخرى. والإستعمار في شكله الحالي ومنذ نشأته في بداية سبعينيات القرن التاسع عشر طبق هذا الأسلوب القديم في السياسة لنفس الأغراض والأهداف ومن أجل إضفاء الشرعية على احتلاله لبلد ما من خلال الظهور وأول دولة طبقت هذه السياسة على دول ألعالم أجمع هي بريطانيا (وهي عبارة عن جزر ولكن إستعمرت العالم بهذه السياسة) وبالإنجليزية “divide and rule or conquer”. ويبدو أن سياسة فَرِّق تَسُدْ تأتي بعد مرحلة فرق تغزو أيضاً، لأن استعباد شعب ما والإستيلاء على أراضيه وثرواته يتطلب أولاً إنهاك قواه العسكرية والاقتصادية لغرض تسهيل العملية وتقليص تكاليفها. وهذا يتم عادة من خلال إثارة الفتنة الطائفية والعرقية والتحريض على العنصرية والعشائرية والإقليمية والفئوية ونشر روح الانتقام بين الطوائف والطبقات المكونة لهذا الشعب وإشعال حروب داخلية وخارجية تنتهى بإنهاك قوى كافة الأطراف.

وللأسف الشديد أن هذه السياسة زُرِعَت ونمت وترعرعت في سياسات وقوانين وتعليمات وفي نفوس كثيراً من المسؤولين في كثيرٍ من الدول العربية قبل أن يُعْطِي المستعمر الإستقلال لتلك الدول. وإستمرت هذه السياسات التفريقية تطبق بين قادة الدول العربية وحتى بين مكونات شعوبها لتضمن الدول المستعمرة إستمرارية السيطرة على هذه الدول حتى لو حصلت على إستقلالها. وحتى إدارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن والجمعية العمومية ما زالت تستخدم هذه السياسة لتمرير قراراتها في مجالسها وإجتماعاتها للأسف الشديد. ولكن نتساءل هل الدول المستعمرة التي إستخدمت هذه السياسة على غيرها، هل تستخدمها فيما بينها أو على شعوبها؟ أنا أجزم وأقول لا، لأنني عشت في أمريكا وبريطانيا وغيرها من الدول وأعلم كيف العدل والمساواة والقانون يطبق على الجميع ولا يستطيع أحد، لا مسؤول ولا فرد من أفراد الشعب يثير أي نعرات تفريقية، ربما كانت في بعض الدول سابقاً مثل أمريكا وغيرها للتمييز بين البيض والسود ولكن الآن إنتهت.

فالسؤال الذي يتبادر منذ سنين لأذهان كثيراً من العقلاء والمثقفين في العالم العربي، لماذا نحن العرب ما زلنا قادة وشعوباً نستخدمها ونطبقها علينا وبين أفراد شعوبنا؟ هل هذه السياسة تخدم وحدتنا؟ أم تفرقنا؟ وهل تخدم أعداؤنا؟ وهل رسالاتنا السماوية والدين الإسلامي ينهى عنها أم لا؟ ... إلخ من الأسئلة. ولماذا نسمح لبني إسرائيل والدول المستعمرة وأفراد شعوبها أو غيرهم من الشعوب في أي بقعة في العالم تثير هذه الفتن بيننا؟ وأضرب أمثله على ذلك على أنفسنا نحن أهل الأردن: يسألك بعض اليهود أو الأجانب في الخارج هل أنت أردني أصلي أم متجنس؟ وهل اليهود أو الأجانب في دولهم من أصل واحد؟ أم من أصول مختلفة؟. وكذلك نواجه مثل هذه الأسئلة من بعض أفراد شعوب دول الخليج؟ لماذا نحن لا نسألهم أهم يهود من دول عربية أم أجنبية؟ أو مثلاً هل هو أمريكي أصلي هندي احمر أم قادم من خارج أمريكا وحاصل على الجنسية الأمريكية؟. ألا يكفينا نحن العرب تفرقة؟ ألا ندين برسالات وأديان سماوية تنبذ هذه السياسات؟ وعبيد الله كلهم متساوون عند الله قبل قادة الدول والمسؤولين فيها؟. ألم يقل الله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ(الحجرات: 13)). نعم هناك ما زال بعد الأفراد في أردننا العزيز يغنون على ألحان معينة لإثارة الفتن والتفرقة وللوصول لأغراضهم الشخصية فقط، مثل أردني وفلسطيني، شمالي وجنوبي، شرقي وغربي، بدوي وفلاح، مسلم ومسيحي، أردني شركسي أو شيشاني ... إلخ من الأساليب التي تؤدي إلى تأصيل الضغينة والحقد في النفوس وعدم الإخلاص والولاء والإنتماء للوطن والعطاء. ولكن نحمد الله أن القانون الآن في أردننا العزيز يعاقب كل من يلجأ إلى هذه الأساليب، فكلنا متساوون تحت القانون في أردن العدل والمساواة في ظل صاحب الجلالة الملك عبد الله الثاني بن الحسين المعظم. والذين طالما تكلم الهاشميون أباً عن جداً في خطاباتهم أن الشعب الأردني من شتى المنابت والأصول، والأردني هو كل من يحمل الجنسية الأردنية ومنتمي لقيادته ووطنه وشعبه ويعطي ويقدم ويخدم الوطن قبل أن يأخذ منه وليس مجرد بالكلام فقط. وكل من يلجأ لهذا الأسلوب يجب عدم التساهل معه ويجب كشفه للجهات الرسمية حتى يأخذ عقابه ويكون عبرة لغيره من أمثاله أو من تراوده نفسه على فعل مثل هذه الأفعال لنكون كلنا يد واحده خلف القيادة.