اذهبوا فأنتم الطلقاء - مالك الرجوب

في فتح مكة الغنية عن التعريف اصطف المشركين وأبناء قريش وسادتها أمام الرجل الذي ضربوه وشتموه وأخرجوه من دياره مُهاجراً من شدة الأذيه ..


ماذا ترون أنّي فاعلٌ بكم ؟
غريبٌ أمر هذا السؤال ، وهل ينفع التساؤل هنا ؟
لو جئت لنفسي وسألت : هل يُمكنُني أن أتمالك نفسي أمام شخصٍ ضربني وشتمني وسنحت لي الفرصة لأنتقم منه على أقل تقدير بالسداد " العين بالعين والسن بالسن " ، بالطبع لن أتردد في أن ألكمه حتى يُشفى غيظي وأن أشتمه حتى يتقرّح لساني .
لكن ماذا فعل الحبيب ، من رأى أصحابه يموتون أمامه ، كم دفن ، كم بكى ، كم دعى وكم شكى للواحد الأحد وفي النهاية ماذا ؟
يسألهم !


من لم يستمعوا إليه حتى ، وأغلقوا الآذان وأعموا الأبصار وفوق هذا لم يكفّوا الأيدي ولم يكبتوا الكُرهَ .
- يا قوم من يأتي بمحمد حيّاً أو ميّتاً له مئةُ رأسٍ من الإبل .
- نأتي برجلٌ من كُل قبيلة ويقتلوه على عتبة بابه ويتفرّق دمهُ بين القبائل حتى لا يستطيع بنو هاشم أن يُطالبوا بدمه .
ولا زلت تسألهم !
يقفز سهيل بن عمرو ويقول : " أخ كريم وابن أخ كريم "
وانت يا سهيل من أردت أن يُكتب في وثيقة صلح الحديبية باسمك اللهم بدلاً من بسم الله الرحمن الرحيم ومحمد ابن عبدالله بدلاً من محمد رسول الله وتأتي الآن وتطلب العفو !
غريبٌ أمركم
وماذا عن رسول الله الآن ، هل فكّر كما فكّرنا نحن ؟
لا
بكُل بساطةٍ لا
بدون أي تفكير أو تردد قال بهدوءٍ : اذهبوا فأنتم الطلقاء
فقط !
هذا ما جرى ، انتهت القصةُ هكذا بلا انتقامٍ أو سدادٍ على الأقل !
نعم ، نبيُّ الرحمة ومن غيرهُ القادر على ذلك ومن غيره القائل ( ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب) . متفق عليه
رسول الله لم يملك نفسهُ عند الغضب فقط ، بل وعفى عنهم ، ويليقُ به كلامُ الله عز وجل { وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ }
كان قُرآناً يمشي على الأرض ورحمةٌ للناس وأنيس كل وحيد وحبيب كل عاشق .
وجاء الناس من كُل الأقطار مؤمنين بالله الواحد وبه رسولاً رحيماً للأرض وما عليها .
ماذا عن سُهيل بن عمرو ؟
عن سعيد بن مسلم قال : لم يكن أحد من كبراء قريش الذين تأخر إسلامهم فأسلموا يوم الفتح ، أكثر صلاة ولا صوماً ولا صدقة ، ولا أقبل على ما يعينه من أمر الآخرة ، من سهيل بن عمرو .
" الرحمة تُرقق القلوب والقلاع والحصون ويباسة الضمائر "